١) الإخلاص:
عن أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّهُ قَالَ:
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ: «لَقَدْ ظَنَنْتُ -يَا أَبَا هُرَيْرَةَ- أَلّا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ
_________________
(١) التفسير الكبير (٣/ ٤٩٧).
(٢) أخرجه أحمد (١٢٨٤٨)، وانظر الصَّحِيحَة (٢٦٣٠).
(٣) الجامع لأحكام القرآن (١/ ٣٨٠)، ونقد أصول المعتزلة (ص/٢٤٤).
[ ١ / ٢٤٩ ]
أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ؛ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ.
أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ: مَنْ قَالَ: "لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" خَالِصًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ». (^١)
* قال ابن القيم:
"وفي قوله «أسعد الناس بشفاعتي: من قال: لا إله إلا الله» سرٌّ من أسرار التوحيد، وهو أنّ الشفاعة إنما تُنالُ بتجريد التوحيد، فمَن كان أكملَ توحيدًا كان أَحْرَى بالشفاعة، لا أنّها تُنال بالشِّرْك بالشَّفيع-كما عليه أكثرُ المشركينَ-، وباللهِ التوفيقُ". (^٢)
٢) الحرص على تحقيق التوحيد الخالص:
عَنْ أَبِي مُوسَى﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُعْطِيتُ خَمْسًا: بُعِثْتُ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَلَمْ تُحَلَّ لِمَنْ كَانَ قَبْلِي، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ شَهْرًا، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَلَيْسَ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ سَأَلَ شَفَاعَةً، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ شَفَاعَتِي، ثُمَّ جَعَلْتُهَا لِمَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا». (^٣)
وفي رواية: «إِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي -﷿- الشَّفَاعَةَ لِأُمَّتِي، فَأَعْطَانِيهَا، وَهِيَ نَائِلَةٌ -إِنْ شَاءَ اللهُ- مَنْ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ -﷿- شَيْئًا». (^٤)
٣) الموت بالمدينة:
عنْ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى الْمَهْرِيِّ، أَنَّهُ جَاءَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ لَيَالِيَ الْحَرَّةِ، فَاسْتَشَارَهُ فِي الْجَلَاءِ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَشَكَا إِلَيْهِ أَسْعَارَهَا وَكَثْرَةَ عِيَالِهِ، وَأَخْبَرَهُ أَنْ لا صَبْرَ لَهُ عَلَى جَهْدِ الْمَدِينَةِ وَلَأْوَائِهَا، فَقَالَ لَهُ: وَيْحَكَ! لَا آمُرُكَ بِذَلِكَ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ:
«لَا يَصْبِرُ أَحَدٌ عَلَى لَأْوَائِهَا، فَيَمُوتَ- إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا - أَوْ شَهِيدًا - يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (^٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٩٩).
(٢) عون المعبود (١٠/ ٢٥٩).
(٣) أخرجه أحمد (١٩٧٣٥)، وسنده صحيح.
(٤) متفق عليه.
(٥) أخرجه مسلم (١٣٧٨). قوله "لأْوائها": قال أهل اللغة: اللأواء: الشِّدّة والجُوع. قوله ﷺ: "شفيعًا أو شهيدًا": "أو" بمعنى الواو، أو للتقسيم، أيْ: شفيعًا للعصاة منهم، وشهيدًا للطائعين. قال القاضي عياض: "إنّ هذا الحديث رواه جابر وسعد وابن عمر وأبو سعيد وأبو هريرة وأسماء بنت عُمَيس وصفيّة بنت أبي عبيد -﵃- عن النبي - ﷺ - بهذا اللفظ، ويَبعُد اتفاقُ جميعِهم أو رُواتِهم على الشك وتطابُقُهم فيه على صيغة واحدة، بَلِ الأظهرُ: أنّه قاله -ﷺ- هكذا". وانظر شرح النووي على صحيح مسلم (٩/ ١٣٧).
[ ١ / ٢٥٠ ]
وفي رواية: قال رسول الله ﷺ: «مَنِ اسْتَطاعَ أَنْ يَمُوتَ بِالْمَدِينَةِ فَلْيَمُتْ بِها، فَإنِّي أَشْفَعُ لِمَنْ يَمُوتُ بِها». (^١)
٤) الدعاء بعد الأَذان:
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ﵄- أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ، فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ، فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ، لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ؛ فَمَنْ سَأَلَ لِيَ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ». (^٢)
٥) كثرة السُّجود:
عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ -﵁- قَالَ: كُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَسْأَلُكَ أَنْ تَشْفَعَ لِي إِلَى رَبِّكَ، فَيُعْتِقَنِي مِنَ النَّارِ، فَصَمَتَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ لِي: «إِنِّي فَاعِلٌ، فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ». (^٣)
أماكنُ حُصُولِ الشَّفَاعَةِ:
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَنْ يَشْفَعَ لِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقَالَ: «أَنَا فَاعِلٌ»، قُلْتُ: فَأَيْنَ أَطْلُبُكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ:
«اطْلُبْنِي أَوَّلَ مَا تَطْلُبُنِي عَلَى الصِّرَاطِ»، قُلْتُ: فَإِذَا لَمْ أَلْقَكَ عَلَى الصِّرَاطِ؟
قَالَ: «فَاطْلُبْنِي عِنْدَ الْمِيزَانِ»، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ عِنْدَ الْمِيزَانِ؟
قَالَ: «فَاطْلُبْنِي عِنْدَ الْحَوْضِ، فَإِنِّي لَا أُخْطِئُ هَذِهِ الثَّلَاثَ مَوَاطِنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». (^٤)
وختامًا:
تَبقى مسألة الشفاعة مِن أهمّ العلامات الفارقة بين أهل السنة وأرباب البِدَع،
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٣٩١٧)، وصححه الألباني.
(٢) أخرجه مسلم (٣٨٤).
(٣) أخرجه أحمد (١٦٥٧٩)، وحسنه الألباني.
(٤) أخرجه أحمد (١٢٨٤٨)، وانظر الصَّحِيحَة (٢٦٣٠).
[ ١ / ٢٥١ ]
فترى كلَّ مَن صنَّفَ في مُعتقَد أهل السنة يسطّر هذه المسألة، ويَسوقُها بأدلتها، ويبيّن زَيْفَ مَن زاغ عن سبيلها، ويوضحُ أنّ مَن نفاها إنّما بنى قوله على سَرابٍ يَحسبه الظَّمْآن ماءً.
ألَا يَخشى هؤلاءِ أن يُحرَموا فضلَ الله ورحمتَه بعباده؟ ألا يَخشَوْنَ أن يُحرموا مَن يشفعُ لهم يوم القيامة؟
عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: "مَن كذَّبَ بالشفاعة، فلا نَصيبَ له فيها". (^١)
** قال أبو بكر ابن أبي عاصم:
"والأخبار التي روينا عن نبيّنا -ﷺ- فيما فضّله اللهُ -تعالى- به من الشفاعة، وتَشْفيعِهِ إيّاهُ فيما يشفعُ فيه- أخبارٌ ثابتة موجبة بعلم حقيقة ما حَوَتْ على ما اقتصصنا، والصادُّ عن الأخبار المُوجِبة للعلم المتواترة: كافرٌ، وقد ذكرناها ما دل على عقده من الكتاب. جعلَنا الله وكُلَّ مؤمنٍ بها مؤمِّلٍ لها مِن أهلِها". (^٢)
تم بحمد الله
_________________
(١) رواه الآجريّ في الشريعة، وصحّحَ إسناده الحافظُ ابن حجر في الفتح (١١/ ٤٢٦)، ومِثلُ هذا لا يُقال بالرأي. وقد سئل الدارقطنيُّ -كما في [العلل] (١٢/ ١٠٢) - عن حديث عاصم الأَحْول، عن أنس، قال رسول الله - ﷺ -: «مَنْ كَذَّبَ بِالشَّفاعةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْها نَصِيبٌ»، فقال: "يرويه هارون بن حيان، عن عاصم الأحول، عن أنسٍ مرفوعًا، وخالفه ابن المبارك وأبو معاوية الضرير، فروياه عن عاصم، عن أنس موقوفًا؛ وهو الصوابُ".
(٢) السنة (٢/ ٣٩٩).
[ ١ / ٢٥٢ ]