ذهبَ الجهمية إلى القول بفناء الجنة والنار.
وهو قول الجَهْم بن صَفوانَ، ووافقه عليه أبو الهذيل العلّاف شيخُ المعتزلة، وبعضُ الروافض.
وقالوا: إذا كانت الجنة والنار حادثتينِ، فما ثبتَ حُدوثُه استحال بقاؤه، وزاد على
_________________
(١) الشرح الممتع (٣/ ١٧٤ - ١٧٥ (.
(٢) أخرجه أحمد (١٨٥٣٤)، وسنده صحيح.
(٣) : تفسير القرآن العظيم (٤/ ١٩٨)
(٤) لوامع الأنوار البهية (٢/ ٢٣٩).
[ ١ / ٢١٠ ]
ذلك غيرهم فقالوا: بل يتحول عذابها إلى نعيم، كما قال بذلك ابن عربي وعبد الكريم الجيلي. (^١)
وقد حكى الإمام أحمد في آخر كتابه [الرد على الزنادقة] مذهبَ الجهمية أنّ النار والجنة تَفنيانِ، وردَّ عليهم ذاكرًا النصوصَ الدالة على عدم فنائهما. (^٢)
قال ابن القيم:
"وأما القول بفناء الجنة والنار فهو قولٌ قالَهُ جهمُ بنُ صفوانَ إمامُ المعطِّلة الجهمية، وليس له فيه سلفٌ قَطُّ من الصحابة ولا من التابعين ولا أحد من أئمة الإسلام، ولا قال به أحدٌ من أهل السنة، وهذا القول مما أنكره عليه وعلى أتْباعه أئمةُ الإسلام، وكفّروهم به". (^٣)
*مذهب أهل السنة والجماعة:
الجنة والنار حق، وهما موجودتانِ الآن، ولا يفنيان.
وقد تَضافرتْ أدلة الكتاب والسنة على تقرير هذا المعتقَد، فمِن أدلة القرآن:
قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٦٩» (النساء: ١٦٨ - ١٦٩)، وقال عزوجل ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٧]، وقال تعالى ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥]،
وقال تعالى ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣]، وقال تعالى ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحِجْر: ٤٨].
** ومن أدلة السنة:
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁-، قَالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «يُؤْتَى
_________________
(١) وانظر [مقالات الجَهْم] (ص/٦٥٩)، وإبطال القول بوحدة الوجود (ص/٧١) والتبصير في الدين (ص/٣٠٩) وتفسير المنار (٨/ ٦٠)
(٢) قال الإمام أحمد: "تأوّلت الجهميةُ مِن قول الله: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ﴾ [الحديد: ٣]، فقالوا: يكون الله الآخِرَ بعدَ الخَلْق، فلا يبقى شيء ولا أرض ولا جنة ولا نار ولا ثواب ولا عقاب ولا عرش ولا كرسيّ". [الرد على الزنادقة] (ص/١٦٨)
(٣) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص/٣٤٨).
[ ١ / ٢١١ ]
بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ، فَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، ثُمَّ يُنَادِي: يَا أَهْلَ النَّارِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: وهَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، فَيُذْبَحُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، خُلُودٌ فَلا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ، خُلُودٌ فَلا مَوْتَ»، ثُمَّ قَرَأَ:
﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ [مريم: ٣٩]. (^١)
** وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-:
«أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا، فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلَا يَحْيَوْنَ». (^٢)
* الإجماع:
قال أبو منصور البغدادي:
أجمع أهل السنة وكل من سلف من أخيار الأمة على دوام بقاء الجنة والنار، وعلى دوام نعيم أهل الجنة، ودوام عذاب الكفرة في النار. (^٣)
قال ابن حزم:
"اتفقت فِرق الأمة كلُّها على أنّه لا فَناءَ للجنة ولا لنعيمها، ولا للنار ولا لِعذابها، إلا الجهمَ بنَ صَفوانَ، وأبا الهذيل العلّافَ، وقومًا من الروافض". (^٤)
وممن نقل هذا الإجماع:
الإمامان الحافظان الرازيَّان أبو حاتم وأبو زرعة كما في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" (١/ ١٩٩)، ومرعي بن يوسف الحنبلي في رسالته " توقيف الفريقين على خلود أهل الدارين" (ص/٦٤)، وصدِّيق حسن خان في " يقظة أولي الاعتبار مما ورد في ذكر النار وأصحاب النار " (ص/١١٧)
** مسألة فناء نار الكافرين:
قد نُسبت هذه المقالة لعدد من الصحابة -﵃-، ومنهم:
عمر وابن مسعود وأبي هريرة وابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵃ أجمعين، وهنا
_________________
(١) رواه البخاري (٤٧٣٠)، ومسلم (٥٠٨٧).
(٢) أخرجه مسلم (١٨٥).
(٣) أصول الدين (ص/٢٣٨)
(٤) الفصل في الملل والأهواء والنحل (٤/ ١٤٥).
[ ١ / ٢١٢ ]
أمران:
١ - الأول:
أنه لم يصحَّ ذلك عن أحد من الصحابة -﵃- من ذلك شيء. (^١)
الثاني:
ما روي في ذلك واحتمل سنده الصحة، مثل ما ذكره ابن القيم عن أبي هريرة - ﵁ أنه - قال:
ما أنا بالذي لا أقول أنه سيأتي على جهنم يوم لا يبقى فيها أحد وقرا قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ الآية. (^٢)
فيقال فيه أمور:
١ - الأول:
أن يتم تأويله ليكون موافقًا لما هو محكم من أدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة على عدم فناء نار الكافرين، فيؤول كما قال عبيد الله -وهو أحد رواة أثر أبي هريرة السابق -:
" كان أصحابنا يقولون يعني به الموحدين"، فحمل هذا الأثر على الطبقة الي فيها عصاة المسلمين متعيّن؛ وذلك لأنه به يحصل الجمع بين الأدلة.
ونص على مثل صاحب الزواجر، وذكر توجيه الكلام على التنزل بصحة سنده، فقال:
" لم يصح عن الصحابة -﵃- من ذلك شيء، وعلى التنزل فمعنى كلامهم كما قاله العلماء ليس فيها أحد من عصاة المؤمنين، أما مواضع الكفار فهي ممتلئة بهم، لا يخرجون عنها أبدًا، كما ذكره الله -تعالى- في آيات كثيرة ". (^٣)
ونص على مثل هذا التوجيه الخازن في تفسيره، وزاد عليه قائلًا:
"وهذا إن صح عن ابن مسعود وأبي هريرة﵃- فمحمول عند أهل السنة على إخلاء أماكن المؤمنين الذين استحقوا النار بعد إخراجهم منها، لأنه ثبت بالدليل الصحيح القاطع إخراج جميع الموحدين وخلود الكفار فيها، أو يكون محمولًا على إخراج الكفار من حر
_________________
(١) وقد ذكرَ طرفًا من ذلك تقيُّ الدين السبكي في رسالته [الاعتبار ببقاء الجنة والنار]، ثم ردَّ عليها، وبيَّن ضعف الآثار الواردة عن الصحابة -﵃- في هذا الباب. *وممن صنَّف في ذلك: سليمان بن ناصر العلوان في رسالة "تنبيه المحتار على عدم صحة القول بفناء النار عن الصحابة الأخيار"، فقد أتى على كل الأثار التي نُسبت للصحابة -﵃وبيّن ضعفها.
(٢) وانظر حادي الأرواح (ص/٣٥٩) والدر المنثور (٤/ ٤٧٨)
(٣) وانظر "الزواجر عن اقتراف الكبائر" (١/ ٣٧)
[ ١ / ٢١٣ ]
النار إلى برد الزمهرير ليزدادوا عذابًا فوق عذابهم، والله أعلم. (^١)
٢ - الوجه الثاني:
إن أبي المخالف إلا أن يحمل ما هذا الأثر على فناء النار، فإنه يقال: هذا قول صحابي، وقول الصحابي إذا خالف القرآن أو خالف السنة لا يقبل، بل نقل ابن عقيل الإجماع على أن قول الصحابي على صحابي مثله ليس بحجة، فكيف إذا خالف القرآن والسنة وإجماع الأمة؟!!
* تنبيه مهم:
قد نُسب لشيخ الإسلام ابن تيمية ولتلميذه ابن القيّم القولُ بفناء نار الكافرين. (^٢)
قال الشيخ مقبل الوادعي:
"ورَدِّي على الإمام الشَّوكاني لا يُنقص مِن قَدْره، وليس هو أوّلَ واحدٍ أخطأ، فذَلِكُمْ شيخُ الإسلام ابنُ تيمية، وتلميذُه ابنُ القيّم زَلّتْ أقدامُهما في القول بفناء النار، وقد ردَّ عليهما الصَّنعانيُّ في كتاب " رفع الأستار في الرد على القائلين بفناء النار "!! (^٣)
*نقول أولًا: أما نسبة هذا القول إلى شيخ الإسلام ابن تيمية فهي باطلة؛ وذلك لأمورٍ:
١ - الأول:
أن شيخ الإسلام -﵀- قد سئل عن حديث أنس بن مالك عن النبي -ﷺ-، أنه قال: «سبعة لا تموت ولا تفنى ولا تذوق الفناء: النار وسكانها واللوح والقلم والكرسي والعرش»، أهذا الحديثُ صحيح أم لا؟
فأجاب:
"هذا الخبر بهذا اللفظ ليس من كلام النبي -ﷺ-، وإنما هو من كلام بعض العلماء، وقد اتفق سلف الأمة وأئمتُها وسائرُ أهل السنة والجماعة على أنّ من المخلوقات ما لا يعدم ولا يَفنى بالكُلّيّة، كالجنة والنار والعرش، وغير ذلك". (^٤)
_________________
(١) وانظر" لباب التأويل في معاني التنزيل " (٢/ ٥٠٤) ونص على مثله البغوي في تفسيره (٢/ ٤٠٣)
(٢) وممن نسب ذلك لشيخ الإسلام ابن تيمية ولتلميذه ابن القيّم السفَّاريني في لوامع الأنوارالبهية (٢/ ٢٣٥) والصنعاني في رسالة سمَّاها" رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار".
(٣) انظر مقدمة [تحفة الشاب الربّاني في الرد على الشوكاني] (ص/١١)، وهي رد على كتاب الشوكاني [بلوغ المُنَى في حُكم الاستمناء].
(٤) مجموع الفتاوى (١٨/ ٣٠٧)، وقد نص على مثله في "نقض التأسيس" (١/ ٥٨١)، وانظر "توقيف الفريقين على خلود أهل الدارين" (ص/٣٥)
[ ١ / ٢١٤ ]
٢ - الثاني:
أن شيخ الإسلام قد ذكرَ قول الجهم بن صفوان إنّ الجنة والنار تَفنيانِ ويَفنَى أهلُهما، فقال معقِّبًا: "وقال أهل الإسلام جميعًا: ليس للجنة والنار آخِرٌ، وإنهما لا تزالان باقيتينِ، وكذلك أهل الجنة لا يزالون في الجنة يتنعَّمون، وأهل النار في النار يُعذَّبون، ليس لذلك آخِرٌ". (^١)
*ويقول رحمه اللهوهو يقرر شذوذ هذا القول:
" يقول هؤلاء: لا نسلم أن ما كان وعدم أو ما سيكون، إذا قدّر أن بعضه أقل من بعض يجب أن يكون متناهيًا، والمؤمنون بأن نعيم الجنة دائم لا ينقضي من المسلمين وأهل الكتاب يسلّمون ذلك، ولم ينازع فيه من أهل الكلام إلا الجهم ومن وافقه على فناء النعيم، وأبو الهذيل القائل بفناء الحركات، وهما قولان شاذان قد اتفق السلف والأئمة وجماهير المسلمين على تضليل القائلين بهما، ومن أعظم ما أنكروه السلف والأئمة على الجهمية: قولهم بفناء الجنة. (^٢)
٣ - الأمر الثالث:
أن شيخ الإسلام ابن تيمية لمّا ذكرَ طرفًا ممّا سيكون يوم القيامة من قبض الأرض وطيّ السماوات، قال:
" ثمَّ أخبرَ ببقاء الجنة والنار بقاءً مُطلَقًا ". (^٣)
ويقول ﵀:
وكذلك لم يقل أحد من سلف الأمة وأئمتها، أن السماوات والأرض لم تخلقا من مادة، بل المتواتر عنهم أنهما خلقتا من مادة وفي مدة، كما دل عليه القرآن، قال الله تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩ - ١٢]
وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ
_________________
(١) دَرْء تعارُض العقل والنقل (٢/ ٥٠٣).
(٢) المصدر السابق (٢/ ٥٠٢)
(٣) بيان تلبيس الجهمية (١/ ١٥٧).
[ ١ / ٢١٥ ]
عَلِيمٌ (٢٩)﴾ [البقرة: ٢٩].
وهذا الذي يذكره كثير من أهل الكلام، الجهمية ونحوهم في الابتداء، نظير ما يذكرونه في الانتهاء، من أنه تفنى أجسام العالم حتى الجنة والنار، أو الحركات، أو ينكرون وجود النفس، وأن لها نعيمًا وعذابًا، ويقولون: إن ذلك إنما هو للبدن بلا نفس، ويزعمون أن الروح عرَض من أعراض البدن، ونحو ذلك من المقالات التي خالفوا فيها الكتاب والسنة، إذ كانوا فيها هم والفلاسفة على طرفي نقيض، وهذا الذي ابتدعه المتكلمون باطل باتفاق سلف الأمة وأئمتها. (^١)
* ومما يُثبت أنّ شيخ الإسلام ابن تيمية لا يقول بفناء نار الكافرين:
أنّ النصوص التي يستدل بها القائلون إنّ أبا العباس ابنَ تيمية يرى فناء النار- هي نصوصٌ مجملة، غير صريحة في ذلك،
أمّا النصوص التي يستدل بها القائلون إنه يرى أبدية النار- فهي صريحة في أنه يرى أبديّتها.
ومن القواعد المقرّرة عند أهل العلم أن "المجمل مِمّا في نصوص الكتاب والسنة يُرَدُّ إلى المُحْكَم"، فلا يَتعلق بالمتشابِه والمُجمل ويَتركُ المُحْكَمَ والمُبينَ إلا أهلُ الزَّيغ والضلال.
* ومما يؤيِّد ذلك:
أن ابن حزم لما ذكر في كتابه " مراتب الإجماع " هذه المسألة فقال:
"وأن النار حقٌّ، وأنها دار عذاب أبدًا، لا تفنى، ولا يفنى أهلها أبدًا بلا نهاية"، فإن شيخ الإسلام لم يتعقَّب هذا الإجماع كما تعقَّب غيرها من المسائل في نقده لهذه المراتب. (^٢)
*ثم يقال:
لو تنزلنا مع الخصم - تجوّزًا - وسلّمنا بصحة نسبة هذا القول لشيخ الإسلام -ولم يُنقل عنه نصٌّ صريحٌ على ذلك- فإنّ غاية ما فيه:
أن يكون رأيًا رآه في أول حياته، ثم تبيَّن له خلافُه؛ وذلك جَمْعًا بين ما ثبتَ عنه من نقل الاتفاق على عدم فناء النار، وما يُنسب له من القول بفنائها،
_________________
(١) المصدر السابق (١/ ١٥٢)
(٢) انظر مراتب الإجماع (ص/٣٤٣) و"توقيف الفريقين على خلود أهل الدارين" (ص/٣٥)
[ ١ / ٢١٦ ]
ولا يمكن أن يَنقل الاتفاق على ذلك ثم يقولَ بخلافه! وقد قال شيخ الإسلام بحياة الخَضِر -﵇-، ثم تبيَّن له الصوابُ في خلافه. (^١)
أما نسبة هذا القول -الذي هو فناء نار الكافرين- إلى ابن القيم:
فالذي يَظهر -بعد البحث في هذه المسألة- أنّ ابن القيم له في مسألة فناء النار ثلاثة أقوال:
*القول الأول:
ذكر فيه الخلاف في مسألة القول بفناء النار، ونقلَ جملة من الآثار عن الصحابة -﵃- في ذلك، ومال إلى تصحيحها، كما نَفَى دلالة القرآن على عدم فناء نار الكافرين، فقال:
"فأينَ في القرآن دليلٌ واحدٌ يدل على بقاء النار وعدم فنائها؟ نعم، الذي دل عليه القرآن:
أنّ الكفار خالدون في النار أبدًا، وأنهم غيرُ خارجينَ منها، وأنه لا يُفَتَّرُ عنهم عذابُها،
وأنهم لا يموتون فيها؛ وهذا كلُّه مِمّا لا نزاع فيه بين الصحابة -﵃- والتابعين
وأئمة المسلمين، وليس هذا مَوْرِدَ النزاع، وإنما النزاعُ في أمرٍ آخرَ، وهو أنّه هل النار أبَديّة، أو مما كتب الله عليه الفناءَ؟
وأمّا كونُ الكفار لا يخرجون منها، ولا يفتَّر عنهم من عذابها، ولا يُقضى عليهم فيموتوا،
ولا يدخلون الجنة حتى يَلِجَ الجملُ في سَمِّ الخِياط، فلم يختلف في ذلك الصحابة ولا التابعون ولا أهل السنة، وإنما خالف في ذلك مَن قد حَكَيْنا أقوالهم من اليهود والاتّحادية، وبعض
أهل البدع". (^٢)
*القول الثاني:
وقد ذكر فيه التوقُّف في هذه المسألة، فقال:
"إنْ قيل: إلى أين انتهى قدمك في هذه المسألة العظيمة؟ قيل: إلى قوله -تعالى-:
﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:
_________________
(١) قد قال شيخ الإسلام بحياة الخَضِر -﵇- وأنه اجتمع بالنبي -ﷺ- [مجموع الفتاوى (٤/ ٣٣٩)]، ثم لمّا تبيَّن له أن الصواب في خلافه قال: "والصواب الذي عليه المحقِّقون: أنه ميتٌ، وأنه لم يدرك الإسلامَ، ولو كان موجودًا في زمن النبي -﵌- لَوجبَ عليه أن يؤمنَ به، ويجاهدَ معه". [مجموع الفتاوى (٢٧/ ١٠٠)]
(٢) حادي الأرواح (ص/٣٦٣). وتلاحظ هنا أنّ ابن القيم يفرِّق -لِرأيٍ رآهُ- بينَ مسألة خلود الكفار في النار، والقول بفناء النار.
[ ١ / ٢١٧ ]
١٠٧]، وإلى هُنا انتهى قدم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب -﵁-". (^١)
*القول الثالث:
وهو القول بما أجمع عليه أهل السنة، وهو دوام نار الكافرين، فقال فى كتابه [الوابل الصَّيِّب] -وهو من أواخر ما ألّفَ:
"ولمّا كان الناس على ثلاث طبقاتٍ: طيِّبٌ لا يَشِينُهُ خبثٌ، وخَبيثٌ لا طيبَ فيه، وآخَرونَ فيهم خبثٌ وطيبٌ- كانت دُورُهم ثلاثًا:
دار الطيب المَحْضِ، ودار الخبيث المحض، وهاتان الداران لا تَفنيانِ، ودارٌ لِمَنْ معه خبثٌ وطيبٌ، وهي الدار التي لا تفنى، وهي دار العصاة، فإنه لا يبقى في جهنّمَ مِن عُصاة الموحِّدينَ أحدٌ، فإنّهم إذا عُذِّبوا بقدر جزائهم أُخْرِجوا من النار فأُدْخِلُوا الجنةَ، ولا يبقى إلا دارُ الطيب المحض، ودارُ الخبث المحض". (^٢)
وقال في كتابه "طريق الهجرتينِ ":
"فاقتضتْ حكمتُه -سبحانه- أنْ خلقَ دارًا لِطالِبي رِضاهُ، العاملينَ بطاعته، المُؤْثِرِينَ لِأَمْره، القائمينَ بمَحابِّه، وهي الجنة، وجعلَها محلَّ كلِّ طيِّبٍ من الذوات والصفات والأقوال، وخلقَ دارًا أخرى لِطالبي أسبابِ غَضَبه وسَخَطه، المُؤْثِرينَ لأغراضهم وحُظوظهم على مَرْضاته، العاملينَ بأنواع مخالَفته، القائمينَ بما يَكره من الأعمال والأقوال، وهي جهنّمُ، وأودَعَها كلَّ شيء مكروهٍ، وجعلَ الشر بحَذافيره فيها، وجعلَها محلَّ كل خبيث من الذوات والصفات والأقوال والأعمال، فهاتان الداران هما دارا القَرار". (^٣)
*وقال في النونية وهو يسرد عقيدة جهم:
وقضى بأنّ النَّار لَم تُخْلَقْ وَلا جنّاتُ عدْنٍ بلْ هُمَا عَدَمَانِ
فإذا هُمَا خُلِقَا ليومِ معادِنَا فهُما عَلى الأوقاتِ فانِيَتانِ. (^٤)
* نقول:
ولقد غلَّبَ بعضُ الباحثينَ الظنَّ أنّ ما قاله ابن القيم في [الوابل الصيِّب]
_________________
(١) المصدر السابق (ص/٣٨٧).
(٢) الوابل الصيِّب (ص/٢٠)
(٣) طريق الهجرتين (ص/١٦١)
(٤) الكافية الشافية بشرح الهرَّاس (١/ ٣٩)
[ ١ / ٢١٨ ]
و[طريق الهجرتينِ] -وهو الذي يوافق فيه جماهيرَ أهل السنة مِن عدم فناء نار الكافرين، وهو الناسخُ لِما ذكرَه في [حادي الأرواح] و[شفاء العَليل]. (^١)
*يدل عليه:
أن كتابه "الوابل الصيّب"، والذي يقرر فيه القول بعدم فناء نار الكافرين، قد صنَّفه عندما كان مسجونًا مع شيخه أبي العباس ابن تيمية، وذلك قبل بوفاة ابن القيم بفترة قليلة، وعليه يقال أن كل كلام له في هذه المسألة جاء مجملًا فهو مردود إلى ما ذكره في "الوابل الصيّب"، فيكون كلامه هذا المتأخر-ولو على أقل احتمال- ناسخًا لما ذكره في كتبه المتقدمة.
* والخلاصة هذا المبحث:
أن القول بعدم فناء النار هو أقرب الأقوال لمذهب ابن القيم؛ وذلك لأنه مِن آخرِ ما كَتَبَ،
والمقرَّر عند أهل العلم:
" أنّ العالِم إذا كان له قولان لم يتبين المتأخِّر منهما، فإنّه يرجَّحُ منهما ما كان موافقًا لمذهب السلف، وقد قُرِّرَ أنّ مذهبَهم: عدمُ فناء النار -أعاذنا الله منها وجميعَ المسلمينَ! -.
* ثم نقول:
أمّا الآثارُ التي استدل بها من يقول بفناء النار، فإنّ الصنعانيّ -في كتابه [رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار] - ومحقِّقَه العلّامة الألبانيّ قد بيَّنا أنها آثارٌ لا تصحُّ، والصحيح منها غير صريح؛ فكيف يخالَفُ بها الإجماعُ المنقول عن سلف الأمة وأئمتها؟!
ثم نقول:
ومما يؤيد أن ابن تيمية وابن القيم لم يقولا بفناء النار:
أنه لم يَنقل أحدٌ من تلامذتهما عنهما هذا القولَ، وتلاميذهما علماءُ محقِّقونَ، وهم كُثْرٌ، أمثال الذهبي، وابن رجب، وابن كثير، والمزّيّ، وابن مُفلح.
_________________
(١) وقد أيَّد هذا الاستنتاجَ ببعض الحُجَج الدكتور عليُّ بن علي جابر الحربي اليماني المدرس بجامعة أمّ القرى في جزء سمَّاه [كشف الأستار لإبطال ادّعاء فناء النار]، وهي رسالة في تبرئة أبي العباس ابن تيمية وتلميذِه ابن القيم مِن القول بفناء النار.
[ ١ / ٢١٩ ]
* وهنا تنبيه:
أنه لم يحصل إجماع على تخطئة القول بفناء نار الكافرين وعَدِّه من البدع -كما زعم بعضُهم، فالمسألة خلافية، وإن كان الجمهور لا يرَوْن القول بذلك، لكنه لم يتمَّ إجماعٌ على إنكاره، وإنما هو من المسائل الخلافية التي لا يُبتدع فيها.
فالقول بفناء النار وَحْدَها - وإنْ كان مخالفًا للصواب ومجانِبًا للحق ولكنّ وصْفُه بالبدعة فضلًا عن وصفه بالكفر محلُّ نظرٍ؛ لاعتماد القائلين به على اجتهادٍ في فَهْم بعض النصوص الشرعية وآثارٍ تُروَى عن السلف في ذلك.
* عَودٌ إلى حديث الباب:
قوله -ﷺ-: «أدخلَه اللهُ الجنةَ على ما كان من عملٍ»:
قوله: «على ما كان من العمل» يحتمل أمرينِ:
أ) الأول:
أن يدخل أهلُ الجنةِ الجنةَ، على حَسَبِ أعمال كلِّ واحد منهم تكون الدرجات (^١)، كما قال -تعالى-: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأحقاف: ١٩].
ب) الثاني:
يعني أنّ: مآل العبد هو الجنة ما دام آتيًا بهذه الشهادات الخَمْس مَهْما وقع في ذنوب، وإنْ أصابه قَبْلَ ذلك ما أصابه.
قال القرطبيّ:
"قوله «على ما كان من عمل» أيْ: يُدخله الجنَّة -ولا بُدَّ- سواءٌ كان عمله صالحًا أو سيئًا، وذلك بأن يغفر له السيّئَ بسبب هذه الأقوال، أو يُربيَ ثوابَها على ذلك العملِ السيئِ، وكلُّ ذلك يحصل إن شاء الله -تعالى- لِمن مات على تلك الأقوال، إمّا مع السلامة المطلَقة، وإمّا بَعْدَ المؤاخَذةِ بالكبائر". اهـ (^٢)
في قَوْلِهِ -ﷺ- «أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ على ما كانَ منَ الْعَمَلِ»:
فيه ردٌّ على الخوارج والمعتزلة الذين يكفِّرون صاحب الكبيرة، ويخلِّدونه في النار إنْ مات مُصِرًّا عليها،
_________________
(١) فتح الباري شرح صحيح البخاري (٦/ ٤٧٥).
(٢) الكوكب الوَهّاج شرح صحيح مسلم بن الحَجّاج (٢/ ٢٦١).
[ ١ / ٢٢٠ ]