الْبَابُ الثَّانِي فِي ذِكْرِ مَا أَعْلَمَنَا اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ أَنَّهُ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، وَأَنَّهُ لَا يَهْتَدِي بِالْمُرْسَلِينَ وَالْكُتُبِ وَالْآيَاتِ وَالْبَرَاهِينِ إِلَّا مَنْ سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُ يَهْدِيهِ قَالَ اللَّهُ ﷿ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٨٨]. وَفِيهَا أَيْضًا ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤٣]. وَقَالَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. وَفِيهَا ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩]. وَفِيهَا ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠].
[ ٣ / ٢٥٩ ]
وَفِيهَا ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام: ١١١]. وَفِيهَا ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٥]. وَقَالَ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٦] وَقَالَ فِي سُورَةِ الرَّعْدِ ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ [الرعد: ٢٧]. وَقَالَ فِيهَا ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧] قَالَ: أَنْتَ الْمُنْذِرُ وَاللَّهُ الْهَادِي. وَقَالَ فِيهَا ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ
[ ٣ / ٢٦٠ ]
جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٣١]. وَقَالَ فِيهَا ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الرعد: ٣٣]. وَقَالَ فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٤]. وَقَالَ فِي سُورَةِ النَّحْلِ ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النحل: ٩]. وَقَالَ فِيهَا ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مِنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [النحل: ٣٧]. وَقَالَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ﴾.
[ ٣ / ٢٦١ ]
وَقَالَ فِي الْكَهْفِ ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾. وَقَالَ فِي الْحَجِّ ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ﴾ [الحج: ١٦]. وَقَالَ فِي سُورَةِ النُّورِ ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٣٥]. ثُمَّ قَالَ ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]. وَفِيهَا أَيْضًا ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النور: ٤٦]. وَقَالَ فِي الْقَصَصِ ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾. وَقَالَ فِي الرُّومِ ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [الروم: ٢٩]. وَقَالَ فِي سَجْدَةِ لُقْمَانَ ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ
[ ٣ / ٢٦٢ ]
الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]. وَقَالَ فِي سُورَةِ الْمَلَائِكَةِ ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر: ٨]. وَقَالَ فِي الزُّمَرِ ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٢٣]. وَقَالَ لِنَبِيِّهِ ﵊ فِي هَذِهِ السُّورَةِ ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾ [الزمر: ٣٦]. وَقَالَ فِي حم الْمُؤْمِنِ، ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [غافر: ٣٣]. وَقَالَ فِي سُورَةِ الْمُدَّثِّرِ ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [المدثر: ٣١].
[ ٣ / ٢٦٣ ]
قَالَ الشَّيْخُ: فَفِي كُلِّ هَذِهِ الْآيَاتِ يُعْلِمُ اللَّهُ ﷿ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُ هُوَ الْهَادِي الْمُضِلُّ، وَأَنَّ الرُّسُلَ لَا يَهْتَدِي بِهَا إِلَّا مَنْ هَدَاهُ اللَّهُ، وَلَا يَأْبَى الْهِدَايَةَ إِلَّا مَنْ أَضَلَّهُ اللَّهُ، وَلَوْ كَانَ مَنِ اهْتَدَى بِالرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ مُهْتَدِيًا بِغَيْرِ هِدَايَتِهِ لَكَانَ كُلُّ مَنْ جَاءَهُمُ الْمُرْسَلُونَ مُهْتَدِينَ لِأَنَّ الرُّسُلَ بُعِثُوا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ وَنَصِيحَةً لِمَنْ أَطَاعَهُمْ مِنَ الْخَلِيقَةِ أَجْمَعِينَ، فَلَوْ كَانَتِ الْهِدَايَةُ إِلَيْهِمْ لَمَا ضَلَّ أَحَدٌ جَاءُوهُ. أَمَا سَمِعْتَ مَا أَخْبَرَنَا مَوْلَانَا الْكَرِيمُ مِنْ نَصِيحَةِ نَبِيِّنَا ﷺ وَحِرْصِهِ عَلَى إِيمَانِنَا حِينَ يَقُولُ ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ وَبِالَّذِي أَخْبَرَنَا بِهِ عَنْ خِطَابِ نُوحٍ ﵇ لِقَوْمِهِ ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [هود: ٣٤].
[ ٣ / ٢٦٤ ]
هَذَا مِنْ أَحْكَامِ اللَّهِ وَعَدْلِهِ الَّذِي لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَفَكَّرَ فِيهِ وَلَا يَظُنُّ فِيهِ بِرَبِّهِ غَيْرَ الْعَدْلِ، وَأَنْ يَحْمِلَ مَا جَهِلَهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ وَلَا يَقُولُ: كَيْفَ بَعَثَ اللَّهُ ﷿ نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ وَأَمَرَهُ بِنَصِيحَتِهِمْ وَدَلَالَتِهِمْ عَلَى عِبَادَتِهِ وَالْإِيمَانِ بِهِ وَبِطَاعَتِهِ، وَاللَّهُ يَغْوِيهِمْ وَيَحُولُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ قَبُولِ مَا جَاءَ بِهِ نُوحٌ إِلَيْهِمْ عَنْ رَبِّهِ حَتَّى كَذَّبُوهُ وَرُدُّوا مَا جَاءَ بِهِ، وَلَقَدْ حَرَصَ نُوحٌ فِي هِدَايَةِ الضَّالِّ مِنْ وَلَدِهِ، وَدَعَا اللَّهَ أَنْ يُنْجِيَهُ مِنْ أَهْلِهِ، فَمَا أُجِيبَ وَعَاتَبَهُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ بِأَغْلَظِ الْعِتَابِ حِينَ قَالَ نُوحٌ ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥] فَقَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾. وَذَلِكَ أَنَّ ابْنَ نُوحٍ كَانَ مِمَّنْ سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللَّهِ الشِّقْوَةُ، وَكُتِبَ فِي دِيوَانِ الضُّلَّالِ الْأَشْقِيَاءِ، فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُ نُبُوَّةُ أَبِيهِ وَلَا شَفَاعَتُهُ فِيهِ، فَنَحْمَدُ رَبَّنَا أَنْ خَصَّنَا بِعِنَايَتِهِ، وَابْتَدَأَنَا بِهِدَايَتِهِ مِنْ غَيْرِ شَفَاعَةِ شَافِعٍ وَلَا دَعْوَةِ دَاعٍ، وَإِيَّاهُ نَسْأَلُ أَنْ يُتِمَّ مَا بِهِ ابْتَدَأَنَا، وَأَنْ يُمَسِّكَنَا بِعُرَى الدِّينِ الَّذِي إِلَيْهِ هَدَانَا، وَلَا يَنْزِعَ مِنَّا صَالِحًا أَعْطَانَا.
[ ٣ / ٢٦٥ ]