أ - أن الإمام أبا حنيفة لم يكن معتقدًا بخلق القرآن في زمن من الأزمان، لأن أبا يوسف عندما سُئل: أكان أبو حنيفة يقول القرآن مخلوق؟ قال: معاذ الله (^١).
ب - أما الرواية الأخرى التي أوردها البيهقي بأنه كلم أبا حنيفة سنة في هل القرآن مخلوق، فاتفق الرأيان على أن من يقول بأنه مخلوق كافر (^٢). فليس فيها دلالة أن الإمام قائل بخلق القرآن قبل المباحثة كما يظهر من روايات الإبانة ثم رجع عنه، بل لعل الظاهر بأن القصد من هذا البحث من أجل أن يصير الأمر محكمًا.
جـ - البيهقي هو إمام المحدثين وكتابه الأسماء والصفات خزانة للروايات المسندة، والأشعري هو إمام أهل السنة في الكلام وكتابه هذا مخزن للاستدلالات الكلامية، ومن المسلمات أن يُتَبع كل قائل في الفن الذي غلب عليه، فكيف يُرجح ما نقله الأشعري من مرويات دون أن يوثق رواته أو يوثقهم غيره ويقدم على ما رواه البيهقي بسنده وَوَثَّقَ رواته!!
_________________
(١) سبق تخريجه ص ٣٥٥.
(٢) سبق تخريجه ص ٣٥٦.
[ ٧٩ ]
د - إن عدم إيراد البيهقي لروايات الإبانة دليلٌ على كونها موضوعة؛ لأن هذا موضعها في هذا الكتاب لو صحت، وإغفاله عنها دليلٌ على عدم صحتها.
هـ - البيهقي، احتج بأقوال الإمام وأصحابه في عدم خلق القرآن، واحتج الأشعري بمن أنكر على الإمام عقيدة الخلق، فالإمام أبو حنيفة ممدوح في كتاب البيهقي ومُحْتَجٌ به، أمّا في كتاب الأشعري الإبانة، فإنه مذموم غير محتج به، بل مُنكرٌ عليه، فهذان الصَّنِيْعَانِ للبيهقي والأشعري متضادان متدافعان، فتكون روايات البيهقي دافعة لروايات الأشعري.
و- البيهقي قال في آخر كتابه: وقد تركت من الأحاديث التي رُوِيَت في أمثال ما أوردته ما دخل معناه فيما نقلته، أو وجدته بإسناد ضعيف لا يثبت مثله خشية التطويل (^١). وهذه الروايات التي تركها لا يمكن أن يكون تركها لدخول معناها في روايات أخرى، إنما تركها لشدة الضعف في إسنادها بحيث لا يثبت بمثل هذا الضعف شيء.
ز - رواية محمد بن الحسن (^٢) تُوهِنُ هذه الروايات وتجعلها مخدوشة
_________________
(١) انظر الأسماء والصفات ٢/ ٤٩٥.
(٢) سبق تخريجها ص ٣٥٥ وهناك رواية أخرى أوردها البيهقي حيث ذكر بإسناده أن محمد بن الحسن قال: من قال: القرآن مخلوق فلا تصلوا خلفه. انظر الأسماء والصفات ١/ ٦١٠ وضعف محققه الحاشدي الإسناد رقم ٨ أثر ٥٤٩.
[ ٨٠ ]
وتقوي كونها مفتراة على الإمام أبي حنيفة وتجعلها مَقْدُوحة، وذلك بوجهين:
الوجه الأول: أن هذه الروايات ليست في الإبانة، أي الروايات المنقولة عن محمد بن الحسن - مع أن العادة أنه يُذكر في معرض الاحتجاج وموضع الاستدلال غالب أقوال العلماء الذي يتقاربون ويتماثلون في العلم، ومع ذلك أهملت روايته مع أنه أبلغ في تشنيع القائلين بخلق القرآن مبلغًا عظيمًا، وهناك احتمال أن تكون هذه الروايات في الكتاب - الإبانة - ولكنها أخرجت وألحقت هذه الروايات - عن أبي حنيفة - بدلًا منها لكونها قادحة فيه.
الوجه الثاني: أن أَمْرَ الإمام محمد بن الحسن الناس بالتشنيع على من يقول بخلق القرآن - ولو فرضنا أن الإمام أبا حنيفة قال هذا القول، فكيف تتلمذ محمد بن الحسن عليه، بل واقتدى اقتداءً كليًا بمن قال أن القرآن مخلوق (^١). ومناقشة هذه الشُبَة من وجوه:
أولًا: ليس محل النزاع اعتبار الإمام البيهقي من خزانات السنة النبوية أو عدم اعتباره، فهذا أمر لا يختلف عليه، وليس محل النزاع، وإنما محل النزاع هو. هل هناك من دَسَّ في الإبانة ما ليس فيها ونسب للإمام الأشعري ما لم يقله أم لا؟ وهي روايات أن الإمام أبا حنيفة كان يقول
_________________
(١) انظر: الضميمة ٣ - ٩ باختصار وتصرف يسير.
[ ٨١ ]
بخلق القرآن، فأراد عناية الله الحيدري التشكيك في الإبانة لهذا السبب، مع أنه قد أوجد تبريرات تجعل ما أورده الأشعري بالإبانة مقبولًا وليس قادحًا في كلا الإمامين، وهي توجيهات واحتمالات مقبولة، وسوف أورد ما أورده صاحب الضميمة كرد مقنع يرد به بنفسه على نفسه مما يلغي تشكيكه حيث جعل أن هناك احتمالات تجعل قبول هذا الكلام الذي أورده الإمام الأشعري في الإبانة مقبولًا دون القدح في الإبانة بعلل واهية سلكها هو بنفسه حيث ذكر عللًا منها:
١ - إذا وردت الروايات الكثيرة لإثبات مقصد، لا يلزم منه صحة كل واحد من تلك الروايات، وعدم كونها مقدوحة مخدوشة، لاسيما إذا لم يكن الكتاب كتاب رواية يبحث فيه عن نفس الروايات، فمن أين يثبت أن تكون رواية خلق القرآن المنسوبة إلى الإمام - أبي حنيفة - المصدرة بلفظ ذكر صحيحه؟ وبعدم تسليمها يَخْتَلُّ ما هو بصدد إثباته.
٢ - ليس في الإبانة لفظ يثبت منه أن هذه الرواية صحيحة عند الأشعري، ولا سياق يتحقق منه أنه ألزم نفسه أن يكون كل ما يورده من الروايات صحيحًا لا مجال فيه للقدح، بل هو بصدد أن يثبت منه مقصده، ويؤيد به نوع تأييد للباب السابق، ويجعل هذا الباب مُتَمِّمًا لذلك الباب وَمُكَمِّلًا له.
٣ - سوق الأشعري لتلك الرواية وذكرها ليس لبيان مذهب الإمام أبي حنيفة، بل لإظهار إنكار أمرٍ وقع على مذهب لإمام من الأئمة
[ ٨٢ ]
المعاصرين له، وللتنبيه بأن أولئك المنكرون كانوا من أشد الرادين على القائلين بهذا القول المنكر.
٤ - يظهر أن الأشعري ليس في صدد إثبات نسبة هذه العقيدة إلى الإمام أبي حنيفة ولا أنه ثابت عنده - إنه يقول بخلق القرآن ـ، بل يحتمل أن يكون نسبة هذا القول إلى الإمام أبي حنيفة غير ثابت عنده من مقتضى تلك الروايات نفسها أو من أمور أخرى، ولكنه ذكرها مضمومة ملحوظة مع الرواية الأخرى، لكونها مثبتة للطلب بصورتها الإنكارية المقتضية لإثبات عدم خلق القرآن، فإدراجها في روايات أخرى إنما هو لكونها على تلك الصورة وكل هذه أمور نفسية للروايات تُوهِنُ الروايات وتجعلها ساقطة من الاعتبار لا يمكن أن تنسب معها هذه العقيدة إلى الإمام.
٥ - أما الأمور التي هي خارجة من الرواية تقلع بنيانها وتجعلها خاوية على عروشها. فمن جملتها أن الأشعري ذكر الأئمة الثلاثة أحمد والشافعي ومالك، والإمام ابن المبارك فيمن يقولون بعدم خلق القرآن ويكفرون القائل بخلقه، وقال بعده: ولم نجد أحدًا ممن تحمل عنه الآثار، وتنقل عنه الأخبار ويأثم به المؤتَمُّون من أهل العلم، يقول بخلق القرآن، وإنما قال ذلك رعاع الناس (^١) وجهال من جهالهم لا موقع لهم (^٢).
_________________
(١) أي سقاطهم وسفلتهم، انظر لسان العرب ٨/ ١٢٨.
(٢) انظر ص ٣٥٥ من هذه الرسالة.
[ ٨٣ ]
والأئمة المذكورون كلهم يبالغون في منقبة الإمام ومدحه، وهذا يفضي إلى كفر الأئمة المذكورين، حيث بالغوا في مدح مثل هذا الرجل، كأنهم رضوا بعقيدته أعاذنا الله من هذا القول فيهم، ولكن الأشعري إما أنه لم يقف على مدحهم للإمام أو أنه وقف، ولكنه لم يقدر أن يفهم من ذلك المدح أنه ينفي نسبة هذه الأمور إلى الإمام ويوضح كون أمثال هذه الروايات كذبًا مختلقًا وأن في نسبة هذا الأمر إلى الإمام يقع مادحوه في ورطة عظيمة لا ينجون منها (^١).
الوجه الثاني: فليت الشيخ عناية الله الحيدري اكتفى بهذا الكلام الطيب، خاصة أن من يرون بالأسانيد قد يوردوا روايات ليست ثابتة عندهم، ولكن من باب الإشارة أن هذه الروايات وصلت إليهم وهم على علم بها، وإنما يوردونها من باب التحذير. أو جعل العهدة على القارئ، لدراسة أسانيدها خاصة إذا لم يلتزم المحدث بالأ يورد في كتابه إلا الصحيح، وإيراد الإمام الأشعري لهذه الروايات ليست دليلًا أنها ثابتة عنده، وهذا يقتضي ألا تكون قادحة في صحة نسبة كتابه إليه، ولو سلكنا هذا المسلك لنُسفت العشرات من دواوين الإسلام، فليس من المنطق أن أي كتاب يقدح في الأحناف موضوع، أو مشكوك فيه أو أقحم في الكتاب من غير علم صاحبه، فهل سيلغى عناية الله بعض كتب السنة والتاريخ
_________________
(١) انظر ضميمة الإبانة لمحمد عنايات علي أبادي ص ٢ - ٤ باختصار وتصرف يسير.
[ ٨٤ ]
لوجود أحاديث موضوعة أو ضعيفة فيها؟ هذا ليس مقبولًا إنما المقبول أن يكتفى بالحكم على تلك الروايات، مع عدم التشكيك في صحة نسبة الكتاب للمؤلف، وهذا هو المسلك الصحيح وليت الشيخ عناية الله حيدر أبادي سلكه.
ثالثًا: ذكر عناية الله الحيدري: بأن عدم إيراد قول محمد بن الحسن ﵀ يشير إلى شيء ما، وكأنه يقصد أن الكتاب فيه تَحَامُلٌ على الأئمة الأحناف ﵏، بل وأعلن بأن هناك احتمالًا أن الأشعري قد أورد قول محمد بن الحسن ولكنه أُخرج من كتابه الإبانة من قبل بعض الآثمين، وكنت أتمنى أنه لم يسلك هذا المسلك لأمور.
١ - أن هذا قول بلا دليل ولا برهان، وما أدري من أين جاء بهذا الاحتمال؟! فإذا خلا الكلام من برهانه، فإنه غير مقبول، ولكن مع الأسف هذا منهج غالب المتكلمة إذا خالف كتاب منهجهم وكان المؤلف معتبرًا عندهم قدحوا بالكتاب وشككوا به دونما دليل ولا برهان.
٢ - ليس غرض الأشعري إيراد جميع نقول العلماء وإلا لَتَحَوَّل الكتاب إلى مجلدات ضخمة، بل أعلن أن هدفه إبانة قول الحق مجملًا. ومع أن الكتاب مختصر إلا أن الإمام الأشعري ﵀ لم يهمل نقل روايات عن بعض الأحناف تفيد في عدم قولهم في خلق القرآن، فمثلًا
[ ٨٥ ]
ذكر قول عبد الله بن المبارك (^١) إنَّا نستطيع أن نحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية (^٢)، فما أدري لماذا لم تخرج هذه الرواية من الإبانة كما أخرجت روايات محمد بن الحسن الشيباني المزعومة؟ بل نقل الأشعري قول أبي يوسف بأنه ناظر أبا حنيفة شهرين حتى رجع عن خلق القرآن (^٣). فهذا وإن كان في ظاهره القدح في أبي حنيفة إلا أن فيه الثناء على أبي يوسف وهو من أئمة الأحناف. فالمؤلف إذًا ما كان يقصد عداوة الأحناف وهو ينقل عن أئمتهم كفر من قال بخلق القرآن.
٣ - الإمام الأشعري ليس ملزمًا أن ينقل أقوال الإمام محمد بن الحسن أو غيره، وعدم نقله أقوال الإمام محمد بن الحسن ليس قادحًا لا في الإمام محمد بن الحسن ولا في الإبانة.
٤ - الإمام اللالكائي ذكر قول محمد بن الحسن، وذكر قول الإمام أبي حنيفة، وقول أبو يوسف، فهل نُشَكِّك بجزء منه ونثبت جزءًا آخر؟
_________________
(١) هو شيخ الإسلام عبد الله بن المبارك أبو عبد الرحمن الحنظلي مولاهم التركي ولد سنة ١١٨ تلقى العلم على الأعمش والثوري والحمادين وأبي حنيفة، وحدث عنه معمر بن أبي شيبة وغيرهم وحديثه حجة بالإجماع توفي سنة ١٨١ وله ٦٣ سنة. انظر سير أعلام النبلاء ٨/ ٣٧٨ حيث ترجم له ترجمة مطولة فاقت الأربعين صفحة والجواهر المضية ٢/ ٣٢٤.
(٢) انظر ص ٥٢٧ من هذه الرسالة.
(٣) انظر ص ٥٣١ من هذه الرسالة.
[ ٨٦ ]
رابعًا: احتجاج عناية الله الحيدري بأن ما في الإبانة ليس صحيحًا، وذلك بأن محمد بن الحسن قد شَنَّعَ على من قالوا بخلق القرآن، فكيف تتلمذ على أحد القائلين به؟
قلت: لا شك بأن هذا حجة قوية على عدم صحة نسبة القول بخلق القرآن للإمام أبي حنيفة، وليست حجةً على أن ما في الإبانة حول مسألة نسبة القول بخلق القرآن للإمام أبي حنيفة ﵀ أُقْحِمَ فيها من غير علم صاحبه ولم يتفوه به. وذلك لأن في الإبانة روايات مختلفة، بعضها صحيح وبعضها ضعيف، بل وبعضها بلا إسناد.
خامسًا: من العجيب أن عناية الله الحيدري قد رفض ما في الإبانة بحجة عدم إيراد البيهقي للآثار التي نسبت للإمام أبي حنيفة القول بخلق القرآن، وكأن الآثار محصورة مصادرها على كتاب الأسماء والصفات للإمام للبيهقي ﵀ بل أظن بأن البيهقي لو أورد هذه الروايات لقدح في كتابه أيضًا، مع أن رواية البيهقي بأن أبا يوسف كلم أبا حنيفة سنة في هل القرآن مخلوق؟ (^١) توحي بأن هذا كان رأي أبي حنيفة، لكنه اقتنع بقول أبي يوسف ولكن هذه الرواية ليست صحيحة - ولله الحمد - ومحاولات عناية الله الحيدري بيان أن هذه الرواية ليست قادحة في أبي حنيفة، وإنما المقصود في طول المحاورة هو قوة الاحتجاج من أجل أن
_________________
(١) سبق تخريجها ص ٣٥٦.
[ ٨٧ ]