لم أجد بعد بحث مضني، والسؤال، والتحري، أن أحدًا من الأشاعرة المعروفين بأشعريتهم قد نقل من هذا الكتاب مباشرة. مع النسبة إليه إلى الإمام البيهقي ﵀، والذي لا يشك بأشعريته فقد نقل من الإبانة مباشرة في مواطن عدة. في كتابه الاعتقاد مستدلًا بها مؤيدًا لها، وهذا يدل على تأثير الكتاب عليه، وسوف أذكر في هذه الجزئية مسألتين:
المسألة الأولى: إثبات أشعرية البيهقي، حيث يعتبر الإمام البيهقي من الأئمة الأعلام وهذا مما لا شك فيه، ولكنه مع جلالة قدره وعلمه وفضله، إلا أنه تأثر تأثرًا واضحًا بالمذهب الأشعري ولعل ذلك من تأثير شيخه الإمام ابن فورك ﵀. ومما يؤكد أشعريته ما قاله - ﵀ -: يجب أن يعلم أن استواء - الله ﷾ - ليس باستواء اعتدال عن اعوجاج ولا استقرار في مكان، ولا مماسة لشيء من خلقه، لكنه مستوٍ على عرشه، كما أخبر بلا كيف، بائن من جميع خلقه، وأن إتيانه ليس بإتيان من مكان إلى مكان، وأن مجيئه ليس بحركة، وأن نزوله ليس بنقله، وأن نفسه ليس بجسم، وأن وجهه ليس بصورة، وأن يده ليست بجارحة، وأن عينه ليست
[ ١٠٩ ]
بِحَدَقة (^١). وله في كُتبه أمثلة من هذا الكلام الذي لا يُقر عليه على وجه العموم؛ بل يحتاج إلى تفصيل في بعضها، وقد بين شيخ الإسلام - ﵀ - بأن البيهقي من الأشاعرة، وقال: ويميل إليهم فضلاءُ الأشعرية، كالباقلاني والبيهقي (^٢). كما قام الدكتور أحمد الغامدي بدراسة عقيدة الأشعري في كتاب ماتع أسماه (البيهقي وموقفه من الإلهيات) فقال في موضع: أما البيهقي وأصحابه الأشاعرة (^٣).
المسألة الثانية: نقل البيهقي وتأثره بالإبانة، حيث نقل في كتابه الاعتقاد من كتاب الإبانة معتمدًا عليه مستدلًا به وسوف أناقش هذا في جزئيتين:
الجزئية الأولى: نقله منه مباشرة وذكره باسمه. فقال عن مسألة أن القرآن كلام الله غير مخلوق: (وهو مذهب كافة أهل العلم قديمًا وحديثًا، ثم قال: وبمعناه ذكره أيضًا على بن إسماعيل في كتابه الإبانة، ثم قال: وقال أبو الحسن علي بن إسماعيل - رحمه الله تعالى - في كتابه: فإن قال قائل: حَدِّثونا / أتقولون: إن كلام الله - ﷿ - في اللوح المحفوظ؟ قيل له: تقول ذلك؛ (لأن الله) قال: ﴿بَلْ
_________________
(١) انظر الاعتقاد ص ٦٢.
(٢) انظر مجموع الفتاوى ٦/ ٥٣.
(٣) انظر البيهقي وموقفه من الإلهيات ص ٣١٤.
[ ١١٠ ]
هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)﴾ (^١) فالقرآن في اللوح المحفوظ (^٢).
الجزئية الثانية: تأثره المباشر ونقله من الإبانة من غير عزو، وهذا واضح وجلي في كتابه (الاعتقاد) وأذكر من ذلك نموذجًا واحدًا لأن المسألة ليست مسألة استقراء مذهب الإمام البيهقي، وإنما ذكر نموذج من تأثره بالإبانة حيث نقل منه بحروفه ومعانيه معتمدًا عليه مستدلًا به في كتابه (الاعتقاد)، ومن ذلك قوله - ﵀ -: (باب القول في إثبات رؤية الله ﷿ في الآخرة بالأبصار)، قال الله ﷿: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢)﴾ (^٣) يعني يوم القيامة: «ناضرة» يعني مشرقة: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾، وليس يخلو النظر من وجوه، إما أن يكون الله ﷿ عنى به نظر الاعتبار كقوله: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧)﴾ (^٤). أو يكون عنى نظر الانتظار كقوله: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ (^٥)، أو يكون عنى نظر التعطف والرحمة، كقوله: ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ (^٦)، أو يكون عنى نظر الرؤية،
_________________
(١) سورة البروج، الآيتان: ٢١، ٢٢.
(٢) انظر الاعتقاد ص ٢٠٤ - ٢٠٥.
(٣) سورة القيامة، آية: ٢٢.
(٤) سورة الغاشية، آية: ١٧.
(٥) سورة يس، آية: ٤٩.
(٦) سورة آل عمرا، آية: ٧٧.
[ ١١١ ]
كقوله: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ (^١). ولا يجوز أن يكون الله سبحانه عنى بقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢)﴾ نظر التفكير والاعتبار؛ لأن الآخرة ليست بدار استدلال واعتبار ولا يجوز أن يكون عني نظر الانتظار؛ لأنه ليس في شيء من أمر الجنة انتظار، لأن الانتظار معه تنقيص وتكوير، وإذا كان كذلك لم يجز أن يكون الله أراد بقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢)﴾. نظر الانتظار، ولأن النظر إذا ذكر مع ذكر الوجوه فمناه نظر العينين اللتين في الوجه. ولا يجوز أن يكون الله سبحانه أراد نظر التعطف والرحمة، لأن الخلق لا يجوز أن يتعطفوا على خالقهم، فإذا فسدت هذه الأقسام الثلاثة صح القسم الرابع من أقسام النظر، وهو: أن معنى قوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ أنها رائية ترى الله ﷿. ومما يدل على ذلك قول الله ﷿ لموسى ﵇: ﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ (^٢). فلما كان الله قادرًا على أن يجعل الجبل مستقرًا كان قادرًا على الأمر الذي لو فعله لرآه موسى، فدل ذلك على أن الله قادر على أن يُريَ نفسه عباده المؤمنين، وأنه جائز رؤيته (^٣). وقد حرصت على نقل هذا
_________________
(١) سورة محمد، آية: ٢٠.
(٢) سورة الأعراف، الآية: ١٤٣.
(٣) انظر الاعتقاد ص ١٢٣ - ١٢٥. وقارن هذا الكلام بما في ص ٤٨٩ من هذه الرسالة.
[ ١١٢ ]
المقطع الطويل لكي يتبين للقارئ أن ما نقله الإمام البيهقي من كتاب الإبانة دليل على تأثره به، وتأثيره عليه. مما يؤكد على قيمة هذا الكتاب وأهميته عند متقدمي الأشاعرة ومحدثيهم، والذين قاربوا السلف في الكثير من المسائل، وبهذا يتبين أن الذين نفوا نسبة الكتاب للأشعري قد انقطعت حجتهم. فها هو أحد أعلام الأشاعرة يثبته وينقل منه، فعسى الله أن يهدينا جميعًا لما يحبه ويرضى.
[ ١١٣ ]