أصول دعوة الرسل اتفق جميع الأنبياء والمرسلين على الدعوة إلى الأصول الجامعة (١) كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، وكالأمر بعبادته وحده لا شريك له، واتباع صراطه وعدم اتباع السبل المخالفة، وتحريم الأجناس الأربعة وهي الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والإثم، والبغي بغير الحق، والإشراك بالله وعبادة الأوثان والأصنام، وتنزيهه عن الصاحبة والولد والشريك والنظير والمثيل، وأن يقال عليه غير الحق، وتحريم قتل الأولاد، وتحريم قتل النفس بغير حق، والنهي عن الربا وعن أكل مال اليتيم، والأمر بالوفاء بالعهود وبالكيل والميزان، وبر الوالدين، والعدل بين الناس، والصدق في القول والعمل، والنهى عن التبذير والكبر، وأكل أموال الناس بالباطل.
قال ابن القيم (٢) - ﵀ -: " الشرائع كلها في أصولها - وإن تباينت - متفقة، مركوز حسنها في العقول، ولو وقعت على غير ما
_________________
(١) وردت الإشارة إلى هذه الأصول الجامعة في سورة البقرة، الآيات: ٢٨٥، ٢٨٦، وفي سورة الأنعام، الآيات: ١٥١، ١٥٣، وفي سورة الأعراف، الآية: ٣٣، وفي سورة الإسراء، الآيات: ٢٣، ٣٧.
(٢) محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي، ولد عام واحد وتسعين وستمائة، وتوفي عام واحد وخمسين وسبعمائة هجرية، من كبار علماء الإسلام، وله مصنفات عظيمة.
[ ٢ / ٩٠ ]
هي عليه لخرجت عن الحكمة والمصلحة والرحمة، بل من المحال أن تأتي بخلاف ما أتت به: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون: ٧١] (١) وكيف يجوز ذو العقل أن ترد شريعة أحكم الحاكمين بضد ما وردت به " (٢) .
ولهذا كان دين الأنبياء واحدا كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ - وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥١ - ٥٢] (٣) وقال عز من قائل: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] (٤) .
بل المقصود بالدين وصول العباد إلى ما خلقوا له من عبادة ربهم وحده لا شريك له (٥) فيشرع لهم من الحقوق ما يجب عليهم القيام بها، ويكفل لهم من الواجبات، ويمدهم بالوسائل التي تبلغهم هذه الغاية، ليتحقق لهم رضى الله، وسعادة الدارين وفق منهج إلهي لا يمزق العبد كل ممزق، ولا يصيب شخصيته بداء الفصام النكد الذي ينتهي به إلى التصادم بين فطرته وروحه والكون من حوله.
_________________
(١) سورة المؤمنون، الآية: ٧١.
(٢) مفتاح دار السعادة، جـ ٢، ص: ٣٨٣، وانظر الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، جـ ٤، ص ٣٢٢، ولوامع الأنوار للسفاريني، جـ ٢، ص: ٢٦٣.
(٣) سورة المؤمنون، الآيتان: ٥١، ٥٢.
(٤) سورة الشورى، الآية: ١٣.
(٥) مجموع فتاوى ابن تيمية، جـ ٢، ص: ٦.
[ ٢ / ٩١ ]
فجميع الرسل يدعون إلى الدين الإلهي الذي يقدم للبشرية الأساس العقدي الذي تؤمن به، والشريعة التي تسير عليها في حياتها، فلذا كانت التوراة عقيدة وشريعة، وكلف أهلها بالتحاكم إليها، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة: ٤٤] (١) ثم جاء المسيح ﵇ ومعه الإنجيل فيه هدى ونور، ومصدقا لما بين يديه من التوراة، قال جل ثناؤه: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة: ٤٦] (٢) ثم جاء محمد ﷺ بالشريعة الخاتمة والملة الكاملة، مهيمنة على ما قبلها من الشرائع وناسخة لها، وآتاه الله القرآن مصدقا لما بين يديه من الكتب، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨] (٣) وبين ﷾ أن محمدا ﷺ والمؤمنين معه آمنوا به كما آمن به من سبقهم من الأنبياء والمرسلين، فقال جل ثناؤه: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] (٤) .
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ٤٤.
(٢) سورة المائدة، الآية: ٤٦.
(٣) سورة المائدة، الآية: ٤٨.
(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٨٥.
[ ٢ / ٩٢ ]