دلّ هذا الحديث الذي رواه الإمام البخاري وغيره، على فضل هذه الأمة، وتميزها على سائر الأمم. قوله: «مثلكم ومثل أهل الكتابين» المراد بأهل الكتابين: اليهود والنصارى، والكتابان هما: التوراة والإنجيل، وتقدير الكلام: مثلكم، ومثل أهل الكتابين مع أنبيائهم، أو مع ربهم.
قوله: «كمثل رجل استأجر أجراء فقال: من يعمل لي من غدوة إلى نصف النهار على قيراط؟ فعملت اليهود» الغُدوة، والغداة: وقت ما بين الفجر وطلوع الشمس. والقيراط: معيار للوزن، يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة. واليهود: قوم موسى ﵇، وهم أقدم الملل الثلاث.
قوله: «ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط؟ فعملت النصارى» ما بين الزوال إلى العصر دون ما قبله. والنصارى: قوم عيسى ﵇.
قوله: «ثم قال: من يعمل لي من صلاة العصر إلى أن تغيب الشمس على قيراطين؟ فأنتم هم» ما بين العصر إلى مغيب الشمس دون ما قبله في الغالب. والمراد بهم أمة محمد، ﷺ.
فكان لمن عمل غدوة إلى نصف النهار -وهم اليهود- قيراط، ولمن عمل ما بين الظهر والعصر -وهم النصارى- قيراط، وهذا يدل على أنَّ النصارى يؤتون أجرهم أكثر من اليهود؛ لأنَّ ما بين الظهر والعصر أقل زمنًا من الغدوة. وأما هذه الأمة فعملت آخر النهار على قيراطين، فآتاهم الله تعالى ضعف ما آتى الأولين.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الإجارة، باب الإجارة إلى نصف النهار برقم (٢٢٦٨).
[ ١٧ ]
قوله: «فغضبت اليهود والنصارى، وقالوا: ما لنا أكثر عملًا وأقل أجرًا؟ قال: هل نقصتكم من حقكم شيئًا؟ قالوا: لا، قال: ذلك فضلي أوتيه من أشاء» فلا وجه لاعتراضهم، فقد عاملهم بالقسط، وعامل أمة محمد بالفضل. وهذا محل الشاهد.