هذا باب حافل، مصدق لما تقدم قبله من أبواب، جامع بين قضيتين متلازمتين: الدخول في الإسلام، والانخلاع عما سواه. أورد فيه المصنف ثلاث آيات، وثلاثة أو أربعة أحاديث:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ "كافة" أي جميعًا، وأصل الكف: ما يكف الشيء من آخره، مثل كُفَّة القميص أو الثوب لأنها تمنعه من الانتشار. وأما "السلم" فقيل هو الإسلام، وقيل الطاعة، والثاني يؤول إلى الأول. وفي توجيه الأمر قولان للمفسرين:
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب السنة، باب شرح السنة برقم (٤٥٩٧)، وأحمد ط الرسالة برقم (١٦٩٣٧) وقال محققو المسند: "إسناده حسن" وحسنه الألباني.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الديات، باب من طلب دم امرئ بغير حق برقم (٦٨٨٢).
(٣) أخرجه الترمذي ت شاكر في أبواب الإيمان، ما جاء في افتراق هذه الأمة برقم (٢٦٤٠) وقال الألباني: "حسن صحيح".
[ ٦٨ ]
أحدهما: ادخلوا في جميع شرائع الإسلام، باعتبار كافة وصف للسلم.
الثاني: ادخلوا جميعكم في الإسلام، باعتبار كافة وصف للداخلين في السلم.
فالمراد في القول الأول: أن يدخل في الإسلام كله، ولا يبعِّضه، ولا يأخذ ما يروق له ويدع ما لا يروق له، كمن قال الله عنهم: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١] أي: جعلوه أجزاء وأعضاء. فالواجب أن يقبل الإنسان الدين كله، ولا يتخير منه ما يوافق هواه وقناعاته فقط، بل مقتضى الإيمان أن يقبله كله، ويدخل في عقده دون مماكسة. ولما جاء وفد من ثقيف، وأرادوا أن يسلموا، قالوا: نبايعك على كل شيء، إلا الصلاة، فإننا نراها دناءة! يظنون أنَّ وضع الجبهة في الأرض غير لائق، فقال ﷺ: «لا خير في دين ليس فيه ركوع» (^١)، وأبى أن يبايعهم حتى يقروا بالصلاة، فليس لأحد أن يرفض شيئًا من الدين، نعم قد لا يفعله تهاونًا وكسلًا، فهذا لا يخرجه من الدين، إلا الصلاة، فإنَّ الصلاة عمود الدين، من تركها ولو تهاونًا وكسلًا فالصحيح: أنَّه يكفر كفرًا مخرجًا عن الملة. وقد جاء عن عبد الله بن شقيق العقيلي قال: "كان أصحاب محمد ﷺ لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة" (^٢).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ نزلت هذه الآية في رجلين اختصما، فقال أحدهما: نرتفع إلى محمد ﷺ، وقال الآخر: نرتفع
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب ما جاء في خبر الطائف برقم (٣٠٢٦) وأحمد ط الرسالة برقم (١٧٩١٣) وقال محققو المسند: "رجاله ثقات رجال الصحيح"، لكن ضعفه الألباني.
(٢) أخرجه الترمذي ت شاكر في أبواب الإيمان، باب ما جاء في ترك الصلاة برقم (٢٦٢٢) وصححه الألباني.
[ ٦٩ ]
إلى كعب بن الأشرف (^١)، وفي بعض الروايات: إلى كاهن بني فلان (^٢)، ففضح الله بهذه الآيات أولئك الذين يتظاهرون بالدخول في عقد الإسلام، ثم هم يأبونه حَكَمًا وقاضيًا، ويرتفعون إلى غيره، فهذا دليل على نكرانهم، وعدم دخولهم في عقد الدين؛ ولهذا عبر عنهم بأنهم "يزعمون" وهي تشير غالبًا، إلى التخوين، والتشكيك. و"الطاغوت" كما عرفه ابن القيم: "كلُّ ما تجاوز به العبد حده؛ من معبود، أو متبوع، أو مطاع" (^٣).
وتتمة الآية: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾، فتلخص من حالهم جملة أوصاف:
- كثرة المزاعم الباطلة، والدعاوي الجوفاء، والتستر بذلك.
- الميل والنزوع للتحاكم إلى الطواغيت، والرغبة عن حكم الشريعة.
- حصول العلم المسبق، بالأمر بالكفر بالطاغوت.
- بعد ضلالهم بسبب استجابتهم لمراد الشيطان.
- الصدود والإعراض والاستنكاف عن حكم الشريعة.
- التقلب والنفاق والتلون بحسب ما يقتضيه الحال.
- كثرة الأيمان والمعاذير الكاذبة.
- دعوى الإحسان والتوفيق بين المصالح.
وقد طبقه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هذا التوصيف القرآني للمنافقين على جماعة المتكلمين، الذين يزعمون الإيمان بالكتاب والسنة، ثم هم يعتمدون المقاييس العقلية الإغريقية، من المنطق، والفلسفة، وعلم الكلام المتولد منهما، ويعرضون عن طريقة السلف التي تعتمد الكتاب والسنة، وإذا
_________________
(١) تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر برقم (٩٧٩٨).
(٢) تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر برقم (٩٨٩١).
(٣) إعلام الموقعين عن رب العالمين (١/ ٤٠).
[ ٧٠ ]
قيل لهم: تعالوا إلى ناطق الكتاب، وصحيح السنة، أشاحوا بوجوههم، وقالوا: أنتم حشوية، ونوابت، وحملة أسفار، وأخذوا يسخرون من أهل السنة والحديث، وينبزونهم بألقاب السوء، ثم إذا نُزل بساحتهم، وأُقيمت عليهم الحجة، وافتضح أمرهم وضلالهم، زعموا أنهم يريدون التوفيق بين العقل والنقل، ونحو ذلك من الدعاوى.
وهذا التوصيف القرآني للمنافقين، ينطبق أيضًا على جماعة العلمانيين والليبراليين، المنتسبين إلى المسلمين؛ فهم لا يرفعون رأسًا بشريعة الله، بل يعتقدون في قرارة أنفسهم أنَّها غير صالحة للتطبيق، وأنَّ الشريعة الإسلامية لا تناسب العصر الحديث، ثم إذا دُعوا إلى الله ورسوله أشاحوا بوجوههم، وازدروا من يدعوهم ونبزوهم بألقاب السوء من "الرجعية" و"الأصولية" و"الظلامية" و"الإرهاب"! حتى إذا ما أُقيمت عليهم الحجة، وصيح بهم من كل واد، أخذوا يتعللون بالتعليلات الباردة، ويقولون: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ كدعوى: الموائمة بين الأصالة والحداثة، ودعوى الوسطية، ودعوى التوفيق بين السياسة والشريعة، ودعوى تحسين صورة الإسلام! ونحو ذلك من زخرف القول، وبهرج العمل.
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ هذا ذم لأهل التفرق في أصل الدين، لا في فروعه. وقد قيل: إنهم أهل الكتاب، وقيل: اليهود خاصة، وقيل: أهل الأهواء والبدع من هذه الأمة. قال ابن كثير ﵀: (وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ فِي كُلِّ مَنْ فَارَقَ دِينَ اللَّهِ، وَكَانَ مُخَالِفًا لَهُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ بَعَثَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَشَرْعُهُ وَاحِدٌ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ وَلَا افْتِرَاقَ، فَمَنِ اخْتَلَفَ فِيه ﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾ أَيْ: فِرَقًا كَأَهْلِ الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ -وَهِيَ الْأَهْوَاءُ وَالضَّلَالَاتُ -فَاللَّهُ قَدْ بَرَّأ رَسُولَهُ مِمَّا هُمْ فِيهِ. وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى
[ ٧١ ]
وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشُّورَى: ١٣]، وَفِي الْحَدِيثِ: "نَحْنُ مُعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ أَوْلَادُ عَلات، دِينُنَا وَاحِدٌ". فَهَذَا هُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، وَهُوَ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَالتَّمَسُّكِ بِشَرِيعَةِ الرَّسُولِ الْمُتَأَخِّرِ، وَمَا خَالَفَ ذَلِكَ فَضَلَالَاتٌ، وَجَهَالَاتٌ، وَآرَاءٌ، وَأَهْوَاءٌ، الرُّسُلُ بُرآء مِنْهَا، كَمَا قَالَ: ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾) (^١)
قوله: "قال ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦]: تبيض وجوه أهل السنة والائتلاف، وتسود وجوه أهل البدعة والاختلاف"
ذلك يوم القيامة. وقد دلت تتمة الآية بعد، والآية بعدها على أصحاب تلك الوجوه، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٦، ١٠٧]، وقد قيل في أصحاب الوجوه المسودَّة خمسة أقوال: عموم الكفار، اليهود، المنافقون، الحرورية، أهل الأهواء والبدع. وهذا الأخير هو قول ابن عباس. قال السعدي، ﵀: (﴿يوم تبيض وجوه﴾: وهي وجوه أهل السعادة والخير، أهل الائتلاف والاعتصام بحبل الله. ﴿وتسود وجوه﴾: وهي وجوه أهل الشقاوة والشر، أهل الفرقة والاختلاف، هؤلاء اسودت وجوههم بما في قلوبهم من الخزي، والهوان، والذلة، والفضيحة، وأولئك ابيضت وجوههم، لما في قلوبهم من البهجة، والسرور، والنعيم، والحبور الذي ظهرت آثاره على وجوههم كما قال تعالى: ﴿ولقاهم نضرة وسرورا﴾ نضرة في وجوههم، وسرورا في قلوبهم، وقال تعالى: ﴿والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾) (^٢)
_________________
(١) (تفسير ابن كثير ت سلامة (٣/ ٣٧٧)
(٢) (تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: ١٤٢)
[ ٧٢ ]