قوله: (وَدَلِيلُ الْخَوْفِ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾): (الخوف): توقع مكروه عن أمارة أو علامة مظنونة أو معلومة، وضد الخوف: الأمن، والخوف عبادة، والدليل على أن الخوف عبادة -ما استدل به المؤلف ﵀ وهو قول الله ﷿: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]، فقد جعل ذلك شرطًا في الإيمان، وأول هذه الآية ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ [آل عمران: ١٧٥]، ومعنى ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ﴾: أي يخوفكم بأوليائه.
والخوف أنواع:
النوع الأول: الخوف الطبيعي: هو ما جبل الله تعالى عليه الآدميين من الخوف من الأمور الضارة: كالخوف من السبع والحية والنار والعدو؛ وهو يقع لكل الناس، حتى أن موسى ﵇ لما ألقى العصا وانقلبت ثعبانًا: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ﴾ [القصص: ٣١]، فهذا خوف طبيعي ركبه الله تعالى في بنية ابن آدم؛ لدوام سلامته وحفظ الجنس الإنساني، ولو لم يكن عند الإنسان خوف لهلك الناس
[ ٨١ ]
منذ القدم؛ لأن الخوف يحمل ابن آدم توقي ما يضره، وهذا نوع مباح لا يلام عليه صاحبه.
النوع الثاني: الخوف المحرم: وهو ما منعك من فعل واجب، أو حملك على الوقوع في محرم؛ فهذا الخوف خوف محرم لكنه لا يبلغ مبلغ الشرك.
مثال: وجب الجهاد على المسلمين، واستنفرهم الإمام، وقد قال النبي ﷺ: (وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا) (^١)، فمنع الخوف بعض آحاد المسلمين من القيام بهذا الواجب فهذا الخوف مذموم؛ لأنه حال بينه وبين فعل ما أوجب الله تعالى عليه؛ ولهذا حذر الله عباده، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤]، لما قعدوا عن الجهاد خوفًا على أزواجهم وأولادهم.
النوع الثالث: خوف العبادة: ويسمى أيضًا خوف السر؛ لأن محله القلب لا يطلع عليه إلا العليم بالأسرار، وهو أن يخاف من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، فمن وقع منه ذلك؛ فقد وقع في الشرك الأعظم، كأن يخاف من جن أو مخلوق أن يصيبه بشئ لا يملكه ولا يستطيعه؛ فهذا الخوف خوف ينافي التوحيد؛ فلا يجوز صرفه لغير الله ﷿. ويجب على الإنسان أن يعلم أنه لا يأتي بالحسنات إلا الله ولا يصرف السيئات إلا الله ﷿، فمن خاف غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله؛ فقد أشرك.
قال ابن رجب ﵀ " والقدر الواجب من الخوف، ما حمل عَلَى أداء الفرائض واجتناب المحارم، فإن زاد عَلَى ذلك بحيث صار باعثًا للنفوس عَلَى التشمير في نوافل الطاعات والانكفاف عن دقائق
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (١٨٣٤)، ومسلم رقم (١٣٥٣)، من حديث ابن عباس، ﵄، مرفوعًا.
[ ٨٢ ]
المكروهات، والتبسط في فضول المباحات، كان ذلك فضلًا محمودًا، فإن تزايد عَلَى ذلك بأن أورث مرضًا أو موتًا أو همًّا لازمًا بحيث يقطع عن السعي في اكتساب الفضائل المطلوبة المحبوبة لله ﷿، لم يكن ذلك محمودًا، " (^١)، فالخوف المطلوب هو الخوف المحمود، الذي يحجزك عن محارم الله؛ ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فيما نقله عنه تلميذه ابن القيم: "الخوف المحمود ما حجزك عن محارم الله" (^٢) وما زاد عن ذلك فلا حاجة لك به. وبيان ذلك أنك تحتاج حصة من الخوف في قلبك تكون رادعًا لك عن غشيان الحرام، فإذا تحقق ذلك فحسن فإن زاد قليلًا وحملك على مزيد توق من المشتبهات والمكروهات، فهذا نور على نور، لكن إن تزايد ذلك الخوف بحيث أفسد عليك عيشك، وأقض مضجعك، وصرت لا تهنأ بعيش؛ فعليك أن تتخفف منه؛ لأنه ليس من هدي النبي ﷺ؛ بل الواقع هو حالة نفسيه غير مرادة شرعا، فبعض الناس الذين يدمنون قراءة المواعظ والزواجر ربما يتضاعف عندهم هذا الشعور حتى يسبب لهم قلقًا وأرقا وبلبلة وتشويشًا إلى درجة أنه يعطل عليهم مصالحهم الدينية والدنيوية؛ فلا يهنأ بعيش.
ونبينا ﷺ وهو سيد الخائفين بأبي هو وأمي، ﷺ كان أطيب الناس عيشًا وأهنأ هم مجلسًا.
قوله: (ودليلُ الرَّجاءِ قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾):
_________________
(١) التخويف من النار لابن رجب (ص: ٢٨) مكتبة دار البيان، وهو ضمن مجموع رسائل ابن رجب (٤/ ١١٢).
(٢) مدارج السالكين (١/ ٥١١).
[ ٨٣ ]