قوله: (وَلَهُ مِنَ الِعُمُرِ ثَلاثٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، مِنْهَا أَرْبَعُونَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وَثَلاثٌ وَعِشْرُون نَبِيًّا رَسُولا): هذا سن نبينا ﷺ؛ ثلاث وستون سنة؛ أربعون سنة قبل البعثة؛ فإن الله ﷾ لم ينزل عليه الوحي إلا بعد أن بلغ أشده؛ لأن الأربعين هي كمال الرجولة والقوة البدنية والعقلية؛ ولذا قال الله ﷿: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٥]؛ وقد كان نبينا ﷺ طوال هذه الأربعين سنة على أنبل الصفات، وأكرم الطباع، وكان مضرب المثل في قومه في الأمانة والصدق، حتى إنهم كانوا يلقبونه بالأمين، ولما تنازعوا عندما أعادوا بناء البيت من يضع الحجر في موضعه فَقَالُوا: "اجْعَلُوا بَيْنَكُمْ حَكَمًا، قَالُوا: أَوَّلَ رَجُلٍ يَطْلُعُ مِنَ الْفَجِّ، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالُوا: أَتَاكُمُ الْأَمِينُ، فَقَالُوا لَهُ، "فَوَضَعَهُ فِي ثَوْبٍ، ثُمَّ دَعَا بُطُونَهُمْ فَأَخَذُوا بِنَوَاحِيهِ مَعَهُ، فَوَضَعَهُ هُوَ ﷺ" (^١)؛ وكان الناس يضعون أماناتهم
_________________
(١) أخرجه أحمد بهذا اللفظ رقم (١٥٥٠٤)، من حديث مجاهد عن مولاه، وجزم محققو المسند أنه قيس بن السائب، وقيل السائب بن أبي السائب، وقال محققو مسند أحمد ط الرسالة (٢٤/ ٢٦٢)، إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين، غير هلال بن خباب، فمن رجال أصحاب السنن، وهو ثقة.
[ ١٥٩ ]
عنده؛ لما يعلمون من صدقه وحفظه، ولم يدع إلى حلف في الجاهلية -فيه نصرة للمظلوم وفكاك للعاني- إلا أجاب، وكان ﷺ؛ لصحة فطرته وسلامة قلبه يتأمل ويبحث عن الحق؛ حتى إنه يتحنث - أي يتعبد- الليالي ذوات العدد في غار حراء قبل أن يأتيه الوحي؛ ويدرك أن ما عليه قومه باطل؛ ولهذا لم يسجد لصنم قط، ولم يشرب خمرًا قط في الجاهلية، إلى أن أذن الله تعالى بهذا الفتح العظيم؛ فلما أن بلغ الأربعين أتاه الوحي من الله ﷿، فعَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: (أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الخَلَاءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ - وَهُوَ التَّعَبُّدُ - اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ العَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ المَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: " مَا أَنَا بِقَارِئٍ "، قَالَ: " فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ﴾ "فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ ﵂، فَقَالَ: "زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي " فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا
[ ١٦٠ ]
الخَبَرَ: "لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي" فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ العُزَّى ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الكِتَابَ العِبْرَانِيَّ، فَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: يَا ابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ"، قَالَ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا. ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ، وَفَتَرَ الوَحْيُ) (^١).
فتأمل حال هذه المرأة العاقلة حين قالت: والله لا يخزيك الله أبدًا؛ فاستدلت بهذه القرائن على أن الله تعالى لا يمكن أن يخذل من هذه صفته، وكانت واثقة مطمئنة، وأرادت أن تثبت ذلك بشهادة ورقة بن نوفل الذي كان عنده علم من الكتاب، فطمأنه وثبته ومكث النبي ﷺ ثلاثة عشر سنة في مكة يدعو إلى الله سرًا في بداية الأمر، وهذا من الحكمة في الدعوة أنه بدأ بالدعوة السرية؛ لكي يستكثر من الأتباع، ثم بعد أن آمن جملة من السابقين إلى الإسلام على رأسهم أبو بكر الصديق ﵁، جهر بالدعوة بعد أن دخل فيها عمر بن الخطاب وحمزة بن عبد المطلب ﵄؛ فخرج المسلمون صفين يطوفون بالبيت متحدين
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٣)، ومسلم رقم (١٦٠).
[ ١٦١ ]
قريشًا؛ فكانت الفترة المكية ثلاث عشرة سنة، ثم أذن الله لنبيه ﷺ بالهجرة؛ فهاجر إلى المدينة، وبقي فيها عشر سنين: هذا مجمل عمر نبينا ﷺ.
قوله: (نُبِّئَ ب ﴿اقْرَأ﴾): ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥]؛ فكانت هذه الآيات إيذانًا بنبوته ﷺ.
قوله: (وَأُرْسِلَ ب ﴿الْمُدَّثِّرْ﴾)؛ أي: بعث إلى الناس لدعوتهم إلى الدخول في دين الله بآيات المدثر ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر: ١ - ٧] والفرق بين النبي والرسول فيه أقوال أشهرها:
القول الأول: أن النبي: من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه، والرسول: من أوحي إليه بشرع وأُمر بتبليغه، وهذا فرق واضح.
ويأتي على هذا التفريق استدراك مهم وهو: كيف يوحى إلى النبي بشرع ولا يأمره بتبليغه؟.
القول الثاني: أن الرسول: هو من أوحي إليه بشرع جديد وأُمر بتبليغه، والنبي: هو من أوحي إليه بشرع نبي قبله وأُمر بتجديده؛ أي: أن الرسول يوحى إليه بشريعة جديدة؛ كموسى، وعيسى، ومحمد عليهم صلوات الله وتسليمه، وأما النبي فهو يأتي تبعًا للرسول السابق، إذا اندرس العلم واحتاج الناس إلى الحكم بينهم في قضاياهم، فيبعث الله نبيًا؛ لكي يجدد ما اندرس من رسالة الرسول الذي قبله، ويمثلون لذلك بأنبياء بني اسرائيل؛ كيوشع بن نون، ومن يسمونهم في كتبهم؛ أرميا، أشعيا، وحزقيال.
[ ١٦٢ ]
لكن يرد على هذا التفريق استدراك: وهو أن الله سمى يوسف ﵇ رسولًا في كتابه مع أنه لم يوحَ إليه بشرع جديد؛ فإن مؤمن آل فرعون قد قال لقومه: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ [غافر: ٣٤]؛ قد كان يوسف ﵇ رسولًا؛ مع أنه لم يوحَ إليه شرع جديد؛ بل كان يعمل بشريعة آبائه يعقوب وإسحاق وإبراهيم.
القول الثالث: أن الرسول: هو من بعث إلى قوم مخالفين لدعوتهم، سواء كان ذلك بشرع قديم أو بشرع جديد، وأن النبي: هو من بعث إلى قوم موافقين -أي مؤمنين- لتعلميهم والقضاء بينهم، وهذا أسلم التعريفات وأرجحها، وهو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه "النبوات" (^١).
قوله: (وَبَلَدُهُ مَكَّةُ): وهي أم القرى، ولها من الفضائل ما لا يخفى: يكفي أنها تضم المسجد الحرام الذي صلاة فيه بمائة ألف صلاة فيما عداه من المساجد.
وقد هاجر النبي ﷺ-إلى المدينة بعد أن مكث بمكة ثلاثة عشر سنة يدعو الناس بكل ما وسعه من أنواع الدعوة؛ بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، وقد لاقى النبي ﷺ وأصحابه في هذه الفترة المكية من العنت والمشقة الشيء العظيم، حتى إن النبي ﷺ إرفاقًا بأصحابه دعاهم إلى الخروج إلى الحبشة؛ لكي يأمنوا على أنفسهم وعلى دينهم؛ فخرج إلى الحبشة من خرج في هجرتين معروفتين، وبقي نبينا ﷺ
_________________
(١) ينظر: النبوات لابن تيمية (٢/ ٧١٧ وما بعدها).
[ ١٦٣ ]
يدعو أهل مكة ويصبر منهم على الأذى حتى كان يلقى منهم الأذى العظيم، فعن عائشة ﵂ أنها قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ: (هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ، قَالَ: " لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ العَقَبَةِ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ، فَنَادَانِي فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، فَنَادَانِي مَلَكُ الجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ، ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ، لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا) (^١)، ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]؛ فكان ما تمنى النبي ﷺ، وكان لا يدخر وسعًا في عرض دعوته؛ فكان يخرج إلى الموسم كل سنة ويعرض نفسه على القبائل، فعن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى النَّاسِ فِي الْمَوْقِفِ، فَقَالَ: «أَلَا رَجُلٌ يَحْمِلُنِي إِلَى قَوْمِهِ، فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي» (^٢)، وكان عمه أبو لهب يتبعه ويقول: هذا
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٣٢٣١)، ومسلم رقم (١٧٩٥).
(٢) أخرجه أبو داود رقم (٤٧٣٤)، والترمذي رقم (٢٩٢٥)، وابن ماجه رقم (٢٠١)، وقال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وصححه محققو مسند أحمد ط الرسالة (٢٣/ ٣٧٠)، رقم (١٥١٩٢)، وصححه بنحوه ابن حبان في صحيحه رقم (٧٠١٢)، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم (١٩٤٧).
[ ١٦٤ ]
مجنون قريش؛ ينفرهم ويحذرهم منه، حتى لقي النبي ﷺ نفرًا من الأوس والخزرج فعرض عليهم دعوته؛ فقبلوا ورغبوا ورحبوا وواعدوه الموسم القادم، فلما كانت السنة التي تليها جاؤوا وعددهم سبعون؛ فواعدوا النبي ﷺ في العقبة، وبايعوه بيعة العقبة، فعن كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ - قَالَ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ ضَرَبَ عَلَى يَدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ، ثُمَّ تَتَابَعَ الْقَوْمُ، فَلَمَّا بَايَعَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ صَرَخَ الشَّيْطَانُ مِنْ رَأْسِ الْعَقَبَةِ بِأَبْعَدِ صَوْتٍ سَمِعْتُهُ قَطُّ: يَا أَهْلَ الْجُبَاجِبِ - وَالْجُبَاجِبُ: الْمَنَازِلُ - هَلْ لَكُمْ فِي مُذَمَّمٍ وَالصُّبَاةُ مَعَهُ؟ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى حَرْبِكُمْ قَالَ عَلِيٌّ يَعْنِي ابْنَ إِسْحَاقَ مَا يَقُولُهُ عَدُوُّ اللهِ مُحَمَّدٌ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " هَذَا أَزَبُّ الْعَقَبَةِ هَذَا ابْنُ أَزْيَبَ، اسْمَعْ أَيْ عَدُوَّ اللهِ أَمَا وَاللهِ، لَأَفْرُغَنَّ لَكَ " ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " ارْفَعُوا إِلَى رِحَالِكُمْ " قَالَ: فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ نَضْلَةَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَئِنْ شِئْتَ لَنَمِيلَنَّ عَلَى أَهْلِ مِنًى غَدًا بِأَسْيَافِنَا، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " لَمْ أُؤمَرْ بِذَلِكَ … " الحديث (^١).
ثم انفضوا، وصار الصحابة من الأوس والخزرج من الأنصار يتحدثون ويقولون: هذا رسول الله ﷺ في جبال مكة خائفًا شريدًا، وعرضوا عليه أن ينتقل وأن يهاجر إليهم؛ فكان ينتظر الإذن من الله تعالى حتى أذن الله تعالى له بالهجرة كما سيأتي.
قوله: (بَعَثَهُ اللهُ بِالنِّذَارَةِ عَنِ الشِّرْكِ): النذارة: هي الإعلان المصحوب بالتخويف، ولا شك أن الرسل مبشرين ومنذرين؛ فالله تعالى بعث نبيه بالنذارة من الشرك؛ فعَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " إِنَّ
_________________
(١) أخرجه أحمد رقم (١٥٧٩٨)، وقال محققو مسند أحمد مسند أحمد، ط الرسالة: حديث قوي، وهذا إسناد حسن.
[ ١٦٥ ]
مَثَلِي وَمَثَلَ مَا بَعَثَنِيَ اللهُ بِهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَوْمَهُ، فَقَالَ: يَا قَوْمِ إِنِّي رَأَيْتُ الْجَيْشَ بِعَيْنَيَّ، وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ، فَالنَّجَاءَ، فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَأَدْلَجُوا فَانْطَلَقُوا عَلَى مُهْلَتِهِمْ، وَكَذَّبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُمْ، فَصَبَّحَهُمُ الْجَيْشُ فَأَهْلَكَهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ أَطَاعَنِي وَاتَّبَعَ مَا جِئْتُ بِهِ، وَمَثَلُ مَنْ عَصَانِي وَكَذَّبَ مَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الْحَقِّ " (^١)، والنذير العريان عند العرب في الجاهلية: هو الذي يأتي محذرًا للقوم حتى يشق ثيابه ويتعرى؛ ليشعرهم بالجد، وقال ﷺ: «أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِالوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟» قَالُوا: نَعَمْ، مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلَّا صِدْقًا، قَالَ: «فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ» (^٢) هذا امتثال لأمر الله ﷿ في قوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]؛ فقام على الصفا وأنذر عشيرته، وعم وخص: يا معشر قريش، يا عباس بن عبد المطلب، يا صفية عمة رسول الله، يا فاطمة بنت رسول الله؛ فعمَّ وخص؛ كما سبق بيانه.
قوله: (وَيَدْعُو إِلَى التَّوْحِيدِ): الدعوة إلى التوحيد بشارة في مقابل النذارة؛ لأن الدعوة إلى التوحيد يحصل بها البشرى والأنس واجتماع القلب والهم على عبادة الله الواحد القهار.
قوله: (وَالْدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر: ١ - ٦]): يعني المتدثر بهذه الأغطية التي أردت أن تسكن بها،
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٦٤٨٢)، ومسلم رقم (٢٢٨٣).
(٢) أخرجه البخاري رقم (٤٧٧٠)، ومسلم رقم (٢٠٨)، من حديث ابن عباس، ﵄، مرفوعًا.
[ ١٦٦ ]
﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢]: وهذا أمر له بالقيام حسًا ومعنى: القيام من رقدته وضجعته، والقيام بأمر الدعوة أيضًا، ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر: ٣ - ٧]: فسر المصنف ﵀ هذه المفردات.
قوله: (وَمَعْنَى: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾: يُنْذِرُ عَنِ الشِّرْكِ، وَيَدْعُو إِلَى التَّوْحِيدِ)؛ لأن هاتين قضيتان متلازمتان، لا يمكن أن يتحقق التوحيد إلا بالبراءة من الشرك، ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦]، لا بد منهما معًا.
قوله: (﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾: أَيْ: عَظِّمْهُ بِالتَّوْحِيدِ): أعظم ما عظم الله تعالى به التوحيد؛ ولذلك كان أفضل الكلام لا إله إلا الله، " … وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " (^١).
قوله: (﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾؛ أَيْ: طَهِّرْ أَعْمَالَكَ عَنِ الشِّرْكِ): فسر الشيخ ﵀ الثياب هاهنا بالأعمال، وهذا أحد التفسيرين؛ أي: طهر أعمالك من الشرك، وإنما سمى الأعمال ثيابًا؛ لملابستها للإنسان، واستدل العلماء أيضًا بهذه الآية على اشتراط طهارة الثوب من النجس في باب الطهارة في الفقه، ولا مانع من حمل الآية على المعنيين: يعني على الطهارة المعنوية من الشرك، وعلى الطهارة الحسية من النجاسات، ولا شك أن المعنى بالطهارة المعنوية أقرب للسياق والمقام
_________________
(١) أخرجه الترمذي رقم (٣٥٨٥) من حديث عبد الله بن عمرو، ﵄، مرفوعًا، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح رقم (٢٥٩٨)، وقال العلامة ابن باز في فتاوى نور على الدرب (١٧/ ٣٩٩)، في إسناده ضعف، ومعناه صحيح.
[ ١٦٧ ]
لكن لا يمنع أن يحتمل المعنى الآخر (^١).
قوله: (﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾: الرُّجْزَ: الأَصْنَامُ): ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠]؛ فالرجز: هي الأصنام.
قوله: (وَهَجْرُهَا: تَرْكُهَا، وَالْبَرَاءَةُ مِنْهَا وَأَهْلِهَا): فهجرها يكون بتركها والتخلي عنها والبراءة منها، وكذلك أيضًا هجر أهلها: وهم المشركون، والبراءة منهم، والتخلي عنهم؛ فإن هذا من أصول الإيمان، كما قال الله ﷿: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]، هكذا الإيمان فيصل بين الحق والباطل، بين الشرك والتوحيد.
_________________
(١) تفسير الطبري (٢٣/ ٩ - ١٢)، وزاد المسير (٤/ ٣٥٩)، وتفسير السعدي (ص: ٨٩٥).
[ ١٦٨ ]
•قال المؤلف ﵀:
(أَخَذَ عَلَى هَذَا عَشْرَ سِنِينَ يَدْعُو إِلَى التَّوْحِيدِ، وَبَعْدَ الْعَشْرِ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَفُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّلَواتُ الْخَمْسُ، وَصَلَّى فِي مَكَّةَ ثَلاثَ سِنِينَ، وَبَعْدَهَا أُمِرَ بالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَالْهِجْرَةُ الانْتِقَالُ مِنْ بَلَدِ الشِّرْكِ إِلَى بَلَدِ الإِسْلامِ.
وَالْهِجْرَةُ فَرِيضَةٌ عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ مِنْ بَلَدِ الشِّرْكِ إِلَى بلد الإِسْلامِ، وَهِيَ بَاقِيَةٌ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وساءت مَصِيرًا * إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٧ - ٩٩].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ قَالَ الْبُغَوِيُّ ﵀: سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ فِي المُسْلِمِينَ الَّذِينَ بِمَكَّةَ ولَمْ يُهَاجِرُوا، نَادَاهُمُ اللهُ بِاسْمِ الإِيمَانِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى الْهِجْرَةِ مِنَ السُّنَّةِ: قَوْلُهُ ﷺ: (لا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا).
قوله: (أَخَذَ عَلَى هَذَا عَشْرَ سِنِينَ يَدْعُو إِلَى التَّوْحِيدِ، وَبَعْدَ الْعَشْرِ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ):
[ ١٦٩ ]