هناك عبادة ثالثة في الحقيقة هذا موضعها ومحلها، لم يذكرها الشيخ، ولعل هذا فوات حرص، وهي من أشرف العبادات القلبية ألا وهي: (المحبة)؛ لأن أمهات العبادات القلبية ثلاث: المحبة والخوف والرجاء، وأصل هذه الأنواع الثلاثة وأشرفها المحبة، فالمحبة أعظم من الخوف والرجاء؛ لأن الخوف والرجاء ينقطعان ببلوغ الجنة: ﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨] أما المحبة فلا تنقطع، فمحبة المؤمن لربه باقية في الدنيا وتتضاعف في الآخرة، ودليلها قول الله ﷿: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]؛ فمحبة الله ﷿ أشرف أنواع العبادة.
المحبة كذلك أنواع:
النوع الأول المحبة الطبيعية الغريزية المباحة: كمحبة الطعام،
[ ٨٦ ]
والشراب، والولد، والوالد، والزوجة، والزوج، وغير ذلك، فلا يلام عليها صاحبها.
النوع الثاني المحبة المحرمة: وهي أن تحمله المحبة والتعلق إلى الوقوع فيما حرم الله، كما لو أحب شرب الخمر.
النوع الثالث محبة العبادة وهي محبة السر: فهذه لا يجوز أن تصرف لغير الله، فمن أحب غير الله المحبة التي لا تنبغي إلا لله، فقد وقع في الشرك الأعظم ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، ومن رُزِق هذه العبادة، صارت جميع المحابوجميع الملذات، تندرج تحت محبة الله ﷿؛ ولهذا قال النبي ﷺ: (ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلاَّ لِلَّهِ وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِى الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِى النَّارِ) (^١). وبهذا تكتمل الحلق الثلاث: المحبة والخوف والرجاء؛ فحري بالمؤمن العاقل اللبيب أن يعتني بتحصيل هذه الأمهات؛ أمهات العبادات الثلاث: المحبة والخوف والرجاء. وقد صور بعض العلماء هذه الثلاث بالمركبة يستقلها الإنسان، فالمركبة هي المحبة، والقائد الذي يقودها هو الرجاء، والذي يحجزها عن الحيدة يمنة ويسرة هو الخوف.
قوله: (ودليلُ التَّوكُّلِ قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾).
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (١٦)، ومسلم رقم (٤٣)، من حديث أنس بن مالك ﵁ مرفوعًا.
[ ٨٧ ]