قوله: (وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ): هذا اسمه ونسبه؛ فهو محمد، وقيل: أنه هو أول من سُمي بهذا الاسم، وأسماء نبينا ﷺ أعلام وأوصاف، كما أن أسماء الله الحسنى أعلام وأوصاف.
فهي أعلام لدلالتها على شخص ذلك النبي الكريم، فإذا قيل: محمد أو قيل: أحمد، أو قيل: الحاشر، أو قيل: العاقب، أو غير ذلك من الأسماء التي ثبتت في السنة؛ فهي دالة على ذات النبي، وهي أيضًا أوصاف؛ أي: كل اسم منها يدل على وصف مميز يختلف عن الأوصاف الأخرى؛ فهو ﷺ محل للحمد؛ فهو محمود من الله ومن الناس لما جُبل عليه من العبادة العظيمة، والأخلاق الكريمة، والخلال الحميدة؛ بل هو أحمدهم؛ ولذلك كان من أسمائه أحمد، وهو الحاشر، وهو العاقب كما سمى نفسه ﷺ، في حين أن أسماء الناس أعلام، ولا يلزم أن تكون أوصافًا، فربما سمي واحد من الناس صالحًا، وهو في الحقيقة طالح، وربما سمي أمينًا، وهو من أسرق الناس، وربما سمي شجاعًا، وهو من أجبن الناس أما أسماء نبينا ﷺ، فهي أعلام وأوصاف.
[ ١٥٥ ]
قوله: (عَبْدُ اللهِ): أبوه توفي وهو حمل؛ فلم يدرك أباه؛ فولد يتيمًا ﷺ، وكذا أمه توفيت وهو صغير، ودفنت في الأبواء بين مكة والمدينة، فأبوي النبي ﷺ ماتا في الجاهلية، فعَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيْنَ أَبِي؟ قَالَ: (فِي النَّارِ)، فَلَمَّا قَفَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: (إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ» (^١)، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: زَارَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْرَ أُمِّهِ، فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، فَقَالَ: اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأُذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ) (^٢)، وهذا يدل على عظم أمر الدين والعقيدة قال الله ﷿: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٣، ١١٤]، فأعظم رابطة رابطة الإيمان، لا تقدم عليها رابطة نسب ولا عشيرة ولا أخوة ولا صداقة.
قوله: (عَبْدِ الْمُطَّلِبِ): أما عبد المطلب فجده، وهو أشرف العرب في زمانه، وهو الذي جدد حفر بئر زمزم؛ فكان وسيد قريش.
قوله: (وَهَاشِمٌ مِنْ قُرَيْشٍ): هاشم جده، وهو من قريش، ولا ريب أن نسب نبينا ﷺ محفوظ معروف منقول إلى عدنان، وأما ما بعد عدنان؛ فإنه لا يثبت، ويكفي للإنسان أن يعرف هذا القدر من نسب النبي ﷺ: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم.
قوله: (وَقُرَيْشٌ مِنَ الْعَرَبِ): قريش هي القبيلة العربية المقدمة
_________________
(١) أخرجه مسلم رقم (٢٠٣).
(٢) أخرجه مسلم رقم (٩٧٦).
[ ١٥٦ ]
المفخمة التي مكنها الله تعالى من سدانة البيت، وقد كان البيت في يد قضاعة، فحاربهم قُصي بن كلاب، فظهر عليهم وتمكن من البيت وقسم الرفادة والسقاية ودار الندوة والحج واللواء بين أولاده؛ فكان من نصيب بني هاشم سقاية الحاج؛ فهذه القبيلة قبيلة عربية شريفة، وقد جاء الحديث عن وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ» (^١)؛ فهو خيار من خيار من خيار، بُعث في نسب من قومه، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]، وفي قراءة: ﴿مِنْ أَنْفَسَكُمْ﴾.
قوله: (وَالْعَرَبُ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا أَفْضَلُ الْصَّلَاةِ وَالْسَّلَامِ): وإسماعيل ﵇ نبي من أنبياء الله، وهو ابن خليل الرحمن إبراهيم. وهذه من حكمة الله البالغة؛ فإن الله ﷾ أمر إبراهيم ﵇ أن يسكن بعض ذريته بواد غير ذي زرع؛ فاحتمل هاجر سُريته ومعها ابنها إسماعيل، ووضعهم في ذلك الوادي لأمر ادخره الله تعالى لهذه الأمة في آخر الزمان، وصار ﵊ يتردد بين مكة والشام، وكان الأنبياء من فرع إسحاق؛ فظلت النبوة في بني إسرائيل قرونًا متطاولة، ولم يكن في العرب أنبياء بعد إسماعيل ﵇ إلى أن بعث الله تعالى نبيه محمدًا ﷺ؛ فآلت النبوة إلى فرع إسماعيل وختمت بنبينا ﷺ.
_________________
(١) أخرجه مسلم رقم (٢٢٧٦).
[ ١٥٧ ]
هذا هو نسب نبينا ﷺ، وهذه بيئته؛ فقد كان في مكة؛ أم القرى، ومحط أفئدة المؤمنين، ليس من العرب فقط؛ بل من العالمين، وهي مذكورة مشهورة في كتب أنبياء بني إسرائيل، ما من نبي إلا وحج البيت، ما من نبي من أنبياء الله إلا ويعلم أن لمكة مزية وفضلًا، وأنها محل البيت الحرام؛ لكن اليهود والنصارى أخفوا هذه الحقيقة، وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ بِوَادِي الْأَزْرَقِ، فَقَالَ: «أَيُّ وَادٍ هَذَا؟» فَقَالُوا: هَذَا وَادِي الْأَزْرَقِ، قَالَ: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى ﵇ هَابِطًا مِنَ الثَّنِيَّةِ، وَلَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللهِ بِالتَّلْبِيَةِ»، ثُمَّ أَتَى عَلَى ثَنِيَّةِ هَرْشَى، فَقَالَ: «أَيُّ ثَنِيَّةٍ هَذِهِ؟» قَالُوا: ثَنِيَّةُ هَرْشَى، قَالَ: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى ﵇ عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ جَعْدَةٍ عَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ، خِطَامُ نَاقَتِهِ خُلْبَةٌ وَهُوَ يُلَبِّي» (^١)؛ وكان ﷺ في طريقه إلى الحج، وقد بلغ فج الروحاء؛ فقال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُهِلَّنَّ ابْنُ مَرْيَمَ بِفَجِّ الرَّوْحَاءِ، حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا، أَوْ لَيَثْنِيَنَّهُمَا» (^٢)، وهذا يكون في آخر الزمان عندما ينزل عيسى بن مريم؛ فيحج بيت الله الحرام، وقد جاء في الحديث عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «صَلَّى فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ سَبْعُونَ نَبِيًّا مِنْهُمْ مُوسَى» (^٣)؛ فبعث الله نبيه في أخريات الزمان من العرب، وقد كان اليهود استوطنوا المدينة بناءً على معرفتهم بصفة مهاجره: وأنها في
_________________
(١) أخرجه مسلم رقم (١٦٦).
(٢) أخرجه مسلم رقم (١٢٥٢)، من حديث أبي هريرة، ﵁، مرفوعًا.
(٣) رواه مرفوعا الطبرني في المعجم الكبيررقم (١٢٢٨٣)، وأبو الطاهر في المخلصيات رقم (١٢٨٦)، وصححه الضياء المقدسي في الأحاديث المختارة رقم (٣٠٩)، وقال المنذري في الترغيب والترهيب (٢/ ١١٧): "رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَإِسْنَاده حسن"، وحسنه الألباني لغيره في صحيح الترغيب والترهيب رقم (١١٢٧).
[ ١٥٨ ]
أرض ذات نخل وحِرار؛ يأملون أن يبعث النبي الخاتم منهم، وكانوا يستفتحون على العرب إذا وقع بينهم وبينهم خصومة، يقولون للأوس والخزرج لقد أظلنا زمان نبي نقاتلكم معه؛ فيفتح علينا، قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩]، كل هذه الدلائل تدل على أن أهل الكتاب يعلمون أن لهذه البقعة ولمكة شرَّفها الله منزلة خاصة.