طرق تنصيب الأئمة
لتولي الولاية والحكم في الإسلام طريقتان:
الأولى: الاختيار.
الثانية: القهر والغلبة.
أما الطريقة الأولى: التولي بالاختيار، وهو قسمان:
القسم الأول: العهد؛ بأن يعهدَ الحاكم لمن بعده.
القسم الثاني: اختيار أهل الحلِّ والعقد؛ بأن يختاروا مَنْ يرونه مناسبًا للحكم والولاية.
وقد دلَّ على هذه الطريقة - بقسمَيها - فعلُ رسول الله -ﷺ- وأبي بكر وعمر ابن الخطاب -﵄- وإجماعُ أهل العلم.
قال عبد الله بن عمر -﵄-: «قيل لعمر بن الخطاب: ألا تستخلف؟ قال: إن أستخلف فقد استخلَفَ مَنْ هو خيرٌ مني أبو بكر، وإن أتركْ فقد تركَ مَنْ هو خيرٌ مني رسول الله -ﷺ-» (^١).
قال أبو العباس القرطبي المالكي: «وقد حصل من هذا الحديث: أنَّ نصبَ الإمام لابدَّ منه، وأنَّ لنصبه طريقين: أحدهما: اجتهاد أهل الحلِّ والعقد، والآخر: النَّصُّ؛ إمَّا على واحدٍ بعينهِ، وإمَّا على جماعةٍ بأعيانها، ويفوَّضُ التخييرُ إليهم في
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٢١٨)، ومسلم (٥٦٧).
[ ٦٠ ]
تعيين واحدٍ منهم، وهذا مما أجمعَ عليه السَّلفُ الصالح، ولا مبالاة بخلافِ أهل البدع في بعض هذه المسائل، فإنهم مسبوقون بإجماع السلف، وأيضًا: فإنهم لا يُعتدُّ بخلافهم على ما تقدَّم» (^١).
وقال الماوردي الشافعي: «وأما انعقاد الإمامة بعهدٍ من قبله فهو مما انعقد الإجماعُ على جوازه، ووقع الاتفاق على صحته لأمرين عملَ المسلمون بهما ولم يتناكروهما؛ أحدهما: أنَّ أبا بكر -﵁- عَهِدَ بها إلى عمر، فأثبتَ المسلمون إمامته بعهده، والثاني: أنَّ عمر -﵁- عهدَ بها إلى أهل الشورى، فقَبلت الجماعةُ دخولَهم فيها - وهم أعيان العصر - اعتقادًا لصحة العهد بها وخرج باقي الصحابة منها، وقال علي للعباس رضوان الله عليهما حين عاتبه على الدخول في الشورى كان أمرًا عظيما من أمور الإسلام لم أر لنفسي الخروج منه، فصار العهد بها إجماعًا في انعقاد الإمامة» (^٢).
وقال النووي: «وأجمعوا على انعقاد الخلافة بالاستخلاف، وعلى انعقادها بعقد أهل الحلِّ والعقد لإنسانٍ إذا لم يستخلف الخليفة، وأجمعوا على جواز جعل الخليفة الأمر شورى بين جماعة، كما فعل عمر بالسِّتة» (^٣).
وقال أبو زرعة العراقي: «وقد انعقد الإجماع على أنَّ الخليفة يجوز له الاستخلافُ وتركُه، وعلى انعقاد الخلافة بالاستخلاف وعلى انعقادها بعقد أهل الحلِّ والعقد لإنسانٍ إذا لم يستخلفْهُ الخليفة، وعلى جوازِ جعلِ الخليفة الأمرَ شورى بين جماعةٍ
_________________
(١) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٤/ ١٥).
(٢) الأحكام السلطانية (ص: ٣٠).
(٣) شرح النووي على صحيح مسلم (١٢/ ٢٠٥).
[ ٦١ ]
كما فعل عمر -﵁- بالستة» (^١).
وقال ابن حجر: «وقال النووي وغيره أجمعوا على انعقاد الخلافة بالاستخلاف، وعلى انعقادِها بعقد أهل الحلِّ والعقد» (^٢).
تنبيهان:
التنبيه الأول: المراد بطريقة الاختيار اختيارُ أهل الحلِّ والعقد لا عموم الناس:
قال ابن نجيم الحنفي: «وتنعقد بيعة أهل الحلِّ والعقد من العلماء المجتهدين والرؤساء لما عرف» (^٣).
وقال الدسوقي المالكي: «لأن العلماء هم أهلُ الحلِّ والعقد» (^٤).
وتقدَّم نقل كلام أبي العباس القرطبي والماوردي والنووي وابن حجر وأبي زرعة العراقي (^٥).
وقال أبو يعلى: «فأمّا انعقادُها باختيار أهل الحل والعقد فلا تنعقد إلَّا بجمهور أهل الحلِّ والعقد، قال أحمد في رواية إسحاق بن إبراهيم: «الإمام الذي يَجتمع قولُ أهل الحلِّ والعقد عليه كلّهم»، يقول: هذا إمامٌ، وظاهرُ هذا أنها تنعقد
_________________
(١) طرح التثريب (٨/ ٧٤).
(٢) فتح الباري (١٣/ ٢٠٨)، وبنحوه قال العيني في عمدة القاري شرح صحيح البخاري (٢٤/ ٢٧٩)، والشوكاني في نيل الأوطار (٦/ ٦٢).
(٣) البحر الرائق (٦/ ٢٩٩).
(٤) حاشيته على الشرح الكبير (٤/ ٣٤٨).
(٥) تقدم ص: (٦٠ - ٦٢).
[ ٦٢ ]