قرر شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لا سمع ولا طاعة للحاكم الفاسق إلَّا في الواجب والمستحب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والإمامُ العدل تجبُ طاعته فيما لم يُعلَم أنه معصية، وغيرُ العدل تجبُ طاعته فيما عُلِمَ أنه طاعة كالجهاد» (^٢).
وجواب هذه الشبهة من أوجه:
الوجه الأول: أن ظاهر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية هذا يخالف النصوصَ المتقدمة في السمع والطاعة للحاكم مطلقًا في غير معصية الله ولو كان فاسقًا وظالمًا، بل وهذا مقتضى العموم في قوله تعالى: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، فإن (أولي) نكرة أضيفت إلى معرفة، فأفادت العموم في كل حاكم بما أنه مسلم، سواءٌ كان فاسقًا أو عدلًا؛ وقد تقدَّم.
_________________
(١) منهاج السنة النبوية (٥/ ١١٢).
(٢) مجموع الفتاوى (٢٩/ ١٩٦).
[ ٩٠ ]
ويؤكد ذلك ما في صحيح مسلم عن علقمة بن وائل الحضرمي عن أبيه قال سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول الله -ﷺ- فقال: «يا نبيَّ الله أرأيتَ إنْ قامتْ علينا أمراء يسألونا حقَّهم ويمنعونا حقَّنا فما تأمرنا؟، فأعرضَ عنه ثم سأله فأعرض عنه ثم سأله في الثانية أو في الثالثة فجَذبهُ الأشعثُ بن قيس وقال: اسمَعوا وأطيعوا فإنَّما عليهم ما حُملوا وعليكم ما حُمِّلتم» (^١).
الوجه الثاني: أن ظاهر كلام ابن تيمية هذا يخالفُ كلامَ بقية أهل السنة في كتب العقائد في السمع والطاعة للحاكم في غير معصية الله، وقولهم مقدَّم على قوله.
الوجه الثالث: أن ظاهر كلام شيخ الإسلام هذا يعارضُ كلامه الكثير في السمع والطاعة للحاكم الفاسق في غير معصية الله؛ فقال: ويقولون - أي أهل السنة -: «إنه يُعاوَن على البر والتقوى دون الإثم والعدوان، ويُطاع في طاعة الله دون معصيته» (^٢).
وقال: «ولكن عليَّ أن أطيع الله ورسوله، وأطيعَ أولي الأمر إذا أمروني بطاعة الله، فإذا أمروني بمعصية الله فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. هكذا دلَّ عليه الكتاب والسُّنة، واتفق عليه أئمة الأمة.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].
_________________
(١) سبق تخريجه (ص: ٣٦).
(٢) منهاج السنة النبوية (١/ ٥٥٦).
[ ٩١ ]
وقد ثبت في الصحيح عن النبي -ﷺ- أنه قال: «لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصيةِ الله، إنَّما الطاعة في المعروف» (^١)، وأن أصبر على جَور الأئمة وأن لا أخرجَ عليهم في فتنة» (^٢).
وقال: «وتقرَّر في غير هذا الموضع ما قد أمر به -ﷺ- من طاعة الأمراء في غير معصية الله؛ ومناصحتهم والصبر عليهم في حكمهم وقسمهم» (^٣).
وقال: «عُلِمَ أنه قتالُ فتنةٍ فلا تجبُ طاعة الإمام فيه؛ إذْ طاعتهُ إنما تجب في
ما لم يعلم المأمورُ أنه معصية بالنص» (^٤).
الوجه الرابع: أن كلامه يُحمل على عدم طاعة الحاكم غير العدل في أخذ حقوق الناس إلا بعد التأكد أنه ليس ظلمًا، أما العدل فالأصل صدقهُ وبراءة ذمته، فيُطاع؛ وهو معنى كلامه في أوائل (السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية)؛ قال: «قال العلماء: نزلت الآية الأولى في ولاة الأمور؛ عليهم أن يؤدُّوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل، ونزلت الثانية في الرعية من الجيوش وغيرهم، عليهم أن يطيعوا أولي الأمر الفاعلين لذلك في قسمهم وحكمهم ومغازيهم وغير ذلك؛ إلا أن يأمروا بمعصية الله، فإذا أمروا بمعصية الله، فلا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق» (^٥).
_________________
(١) سبق تخريجه (ص: ٧٥).
(٢) مجموع الفتاوى (٣/ ٢٤٩).
(٣) مجموع الفتاوى (٣٥/ ٢٠).
(٤) مجموع الفتاوى (٤/ ٤٤٣).
(٥) ص: ٦.
[ ٩٢ ]
وبعد هذه الأوجه الأربع إنْ تعلَّق رجل بكلام عالم محتمل أو صريح في الخطأ دون النصوص الشرعية وأقوال علماء السنة الآخرين، بل وأقوال العالم نفسه في مواضع أخرى = يدلُّ على أن هذا الرجل صاحب هوى.