لم يكتف شيخ الإسلام ﵀ بالردود الإجمالية، على المخالفين في الإيمان، ولكنه قام يحلل الخلاف في مناقشات واعتراضات وإلزامات، ولكن قبل أن نلج إلى حلبة النقاش، لا بد لنا من تمهيدين هامين:
الأول: نتسائل فيه ونقول: هل هناك فرق حقيقي بين مذهب الجهمية في الإيمان، وهو المعرفة، وبين مذهب الأشاعرة، والماتريدية، وهو التصديق؟ .
يقول المصنف حول ذلك الإشكال: "وأيضًا فإن الفرق بين معرفة القلب وبين مجرد تصديق القلب الخالي عن الانقياد -الذي يُجعل قول القلب- أمر دقيق، وأكثر العقلاء ينكرونه، وبتقدير صحته لا يجب على كل أحد أن يوجب شيئين لا يتصور الفرق بينهما، وأكثر الناس لا يتصورون الفرق بين معرفة القلب وتصديقه، ويقولون: إن ما قاله ابن كلاب والأشعري من الفرق كلام باطل، لا حقيقة له، وكثير من أصحابه اعترف بعدم الفرق
والمقصود هنا أن الإنسان إذا رجع إلى نفسه عسر عليه التفريق بين علمه بأن الرسول صادق، وبين تصديق قلبه تصديقًا مجردًا عن انقياد وغيره من أعمال القلب بأنه صادق" (١).
_________________
(١) = والأمر كقوله: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ ولأن قر وآمن متقاربان، فالإيمان دخول في الأمن، والإقرار دخول في الإقرار، وعلى هذا فالكلمة إقرار، والعلم بها إقرار أيضًا. . ".
(٢) الإيمان (٣١١).
[ ١٢٥ ]
وعلى هذا الأساس نجد أن شيخ الإسلام عند حديثه عن مسألة الإيمان، ومناقشة الآراء والأقوال فيها يردد العبارات التالية في كتابه "شرح حديث جبريل" على سبيل المثال:
"وهذا وغيره تبين فساد قول جهم والصالحي ومن اتبعهما في الإيمان كالأشعري في أشهر قوليه، وأكثر أصحابه، وطائفة من متأخري أصحاب أبي حنيفة كالماتريدي".
"فليس مجرد التصديق الباطن هو الإيمان عند عامة المسلمين، إلا من شذ من أتباع جهم والصالحي".
"وبهذا يظهر خطأ جهم ومن اتبعه في زعمهم أن مجرد إيمان القلب بدون الإيمان الظاهر ينفع في الآخرة".
"فهؤلاء القائلون بقول جهم والصالحي قد صرحوا بأن سب الله ورسوله والتكلم بالتثليث".
"وإنما نازع في ذلك من اتبع جهم بن صفوان من المرجئة".
"وهو أصل قول جهم والصالحي والأشعري في المشهور عنه وأكثر أصحابه".
ونخرج بعد كل هذا أن شيخ الإسلام لا يرى فرقًا حقيقيًا بين المعرفة والتصديق المجرد، وبالتالي فليس هناك فرق -على الصحيح- بين مذهب الجهمية من جهة، وبين مذهب الأشاعرة والماتريدية في الإيمان من جهة أخرى.
ومن أجل ذلك فهو يطلق أحيانًا اسم الجهمية على الأشاعرة والماتريدية في قضية الإيمان، كما يطلق ذلك الاسم أحيانًا كثيرة على كل من ينفي الصفات مثلًا.
ومن أجل ذلك فستكون مناقشتنا لمذهب الجهمية من خلال مناقشتنا لمذهب الأشاعرة والماتريدية.
الثاني: أن الإيمان عند هؤلاء هو التصديق، فصن صدق بقلبه فهو
[ ١٢٦ ]
مؤمن إيمانًا كاملًا، ولو لم يعمل شيئًا، فإنه ناج عند الله في الآخرة (١)، وافترضوا أنه يمكن للرجل أن يظهر من ضروب الكفر ما عنّ له، من سب لله ورسوله، وإهانة للمصحف، واستحلال للحرمات، وهو مع ذلك مؤمن كامل الإيمان.
وفي ذلك يقول المصنف ﵀: "وأيضًا فهؤلاء القائلون بقول جهم والصالحي، قد صرحوا بأن سب الله ورسوله، والتكلم بالتثليث وكل كلمة من كلام الكفر، لى هو كفرًا في الباطن، ولكنه دليل في الظاهر على الكفر، ويجوز مع هذا أن يكون هذا الساب الشاتم في الباطن عارفًا بالله موحدًا له مؤمنًا به، فإذا أقيمت عليهم حجة بنص أو إجماع أن هذا كافرًا باطنًا وظاهرًا، قالوا: هذا يقتضي أن ذلك مستلزم للتكذيب في الباطن، وأن الإيمان يستلزم عدم ذلك" (٢).