المسألة الثانية: أسماء اليوم الآخر.
المسألة الأولى: حقيقة اليوم الآخر والإيمان به
الإيمان باليوم الآخر يتضمن ثلاثة أمور (^٢):
١ - الإيمان بالبعث. ٢ - الإيمان بالحساب والجزاء. ٣ - الإيمان بالجنة والنار
وهذا الإيمان هو الذي عبّر عنه الإمام ابن القيم - ﵀ - بالبعث الثاني، فذكر أن "البعث الأول مفارقة الروح للبدن، ومصيرها إلى دار الجزاء الأول، والبعث الثاني يوم يرد الله الأرواح إلى أجسادها ويبعثها من قبورها إلى الجنة أو النار، وهو الحشر الثاني، ولهذا في الحديث الصحيح (وتؤمن بالبعث الآخر)، فإن البعث الأول لا يذكره أحد، وإن أنكر كثير من الناس الجزاء فيه والنعيم والعذاب " (^٣)
فالإيمان باليوم الآخر ركن ركين، وأصل متين في عقيدة المسلمين، "بل هو ضرورة لازمة؛ لإنصاف الخلائق، وإحقاق الحق، وإبطال الباطل. لذا أخبر الله تعالى عنه إخبارا مطلقا لجميع العالم، بالحشر والبعث من القبور " (^٤)
"والإيمان بالبعث والحشر، وبالحساب والجزاء، عنصر أصيل في العقيدة لا يستقيم منهجها إلا به، فلا بد من عالم مرتقب، يكمل فيه الجزاء ويتناسق فيه العمل والأجر، ويتعلق به القلب، وتحسب حسابه النفس ويقيم الإنسان نشاطه في هذه الأرض، على أساس ما ينتظره هناك " (^٥).
والإيمان باليوم الآخر من أعظم أركان الإيمان بعد الإيمان بالله تعالى، ولذا كثيرا ما يُقرن الله جل وعلا، الإيمان به بالإيمان باليوم الآخر، وهذا يدل على أهميته.
_________________
(١) العثيمين: نبذة في العقيدة ص (٣٧).
(٢) العثيمين: نبذة في العقيدة ص (٣٧)، الأشقر: نحو ثقافة أصيلة ص (٢٣٩).
(٣) ابن القيم: الروح، ص (٧٤).
(٤) الزحيلي: التفسير الوسيط (٣/ ١٩٨٧).
(٥) أحمد فائز: اليوم الآخر في ظلال القرآن ص (١٣).
[ ٤٣ ]
ولذا اختص الله ﷿، بملكه فقال ﷾: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾
وهنا يرد التساؤل: ما وجه الاختصاص؟ مع كونه ﷾ مالكًا لكل الأشياء؟
قيل: تهويلًا وتعظيمًا لشأنه.
وقيل: لأنه ينفرد في ذلك اليوم بالحكم، بخلاف الدنيا فإنه يحكم فيها الولاة والقضاة، ولا يملك أحد الحكم في ذلك اليوم إلا الله ﷿. (^١)
وقيل: لأنه اليوم الذي يضطر فيه المخلوقون إلى أن يعرفوا أن الأمر كله لله ألا تراه يقول: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦]، ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)﴾ [الانفطار: ١٩]، فهو اليوم الذي لا يملك فيه أحد لنفسه ولا لغيره نفعا ولا ضرا (^٢).
وقيل: لأنهم في الدنيا كانوا منازعين لله تعالى في الملك، كفرعون والنمرود وغيرهما، وفي ذلك اليوم لا ينازعه أحد في ملكه، فالكل خاضع له (^٣).
وقيل: لأن ملك الدنيا قد اندرج في قوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة] فأثبت أنه مالك الآخرة بقوله:" مالك يوم الدين"؛ ليعلم أنه الملك في الدارين (^٤).
فالله ﷻ، وتقدست أسماؤه وتعالى جده، وتعاظم أمره، لا منازع له في الملك، ولا مغالب له في الأمر سبحانه وبحمده.
ولذا كان أخنع وأذل وأوضع وأفجر اسم في الدنيا رجل يسمى بملك الأملاك، فإنه لا مالك إلا الله سبحانه، فعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «إِنَّ أَخْنَعَ اسْمٍ عِنْدَ اللهِ رَجُلٌ تَسَمَّى: مَلِكَ الْأَمْلَاكِ لَا مَالِكَ إِلَّا اللهُ «(^٥)
_________________
(١) الواحدي: التفسير الوسيط (١/ ٦٧).
(٢) الزجاج: معاني القران (١/ ٤٧).
(٣) السمرقندي: بحر العلوم (١/ ١٧).
(٤) الثعلبي: الكشف والبيان (١/ ١١٦).
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الأدب باب أبغض الأسماء إلى الله تعالى ح (٦٢٠٦)،وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الأدب، باب تحريم التسمي بملك الأملاك وملك الملوك ح (٢١٤٢).
[ ٤٤ ]
وفي رواية لمسلم: «أغْيَظُ رجلٍ على اللهِ يومَ القيامةِ، وأخبثُه وأغيظُه عليه رجلٌ كان يسمَّى ملِكَ الأملاكِ لا ملِك إلا اللهُ «(^١)،وفي رواية: «اشْتَدَّ غضبُ اللهِ على من زعم أنه ملِكُ الأملاكِ، لا ملِكَ إلا اللهُ «(^٢)
فإنه" لا مالك لجميع الخلائق إلا الله وحده، ومالكية الغير مستردة إلى ملك الملوك، فمن تسمى بذلك نازع الله في رداء كبريائه، واستنكف أن يكون عبدا له " (^٣)
" فالذي تسمى بهذا الاسم، قد كذب وفجر وارتقى إلى ما ليس له بأهل، بل هو حقيق برب العالمين، فإنه الملك في الحقيقة، فلذا كان أذل الناس عند الله يوم القيامة " (^٤)
ولذا لما كان بعض الخليقة تنازعه نفسه للملك، المؤدي للتعالي والكبرياء، قال ﷾ مذكرا أن هذا الملك زائل، وأنه جل وعلا هو المتفرد به قال سبحانه: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾، فليس فيه مَلِكٌ سواه سبحانه.
وعليه: فإن " المعاد أصل لازم للتصديق بدعوات الأنبياء المشحونة بالنصوص القاطعة بإثباته، وهو أيضا لازم وعد الله بالثواب، والوعيد بالعقاب، وهما من لوازم التكليف، ولوازم العدل الإلهي، ولوازم الغائية والهدفية في الحياة المنافية للعبث الذي لا محل له للحكمة والعدل الإلهيين" (^٥)
والمراد بالإيمان باليوم الآخر " التصديق بما يقع فيه من الحساب والجزاء والجنة والنار" (^٦).
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيح كتاب الآداب باب تحريم التسمي بملك الأملاك ح (٢١٤٣)،.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبه في المصنف ح (٣٦٧٩٣) وصححه الألباني في صحيح الجامع ح (٩٨٨).
(٣) «٤) المناوي: التيسير بشرح الجامع الصغير (١/ ٥٢)، المناوي: فيض القدير (١/ ٢١٩).
(٤) سليمان بن عبدالوهاب: تيسير العزيز الحميد، ص (٥٤٨)، انظر: الخطابي: معالم السنن (٤/ ١٢٩) العراقي: طرح التثريب (٨/ ١٥٢)
(٥) الكعبي: المعاد يوم القيامة، مركز الرسالة، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، ص (١٢).
(٦) ابن حجر: فتح الباري (١/ ١١٨).
[ ٤٥ ]
قال العلامة الحليمي ﵀:" معناه: التصديق بأن لأيام الدنيا آخرا أي: أن الدنيا منقضية، وهذا العالم يوما بعد يوم ينقص صنعه، وينحل تركيبه" (^١).
" فهو التصديق الجازم بإتيانه، وبجميع تفاصيله، والعمل بموجب ذلك" (^٢).
وهو يعني: " اليوم الذي سيعيد الله تعالى البشر-كل البشر - إلى الحياة من جديد، في عالم غير عالمنا هذا، بعد أن يأتي الفناء على الكون والإنسان". (^٣)
إن معالم هذا التصديق القلبي تنعكس على جوارح المُصدِّق، فمن أيقن أن هذا الكون الفسيح العامر، الذي يعيش في أرجائه ويتنفس من هوائه، ويستمتع بأجوائه، سيلحقه الفناء، أورث في قلبه خوفا وخشية، قادته إلى إعمار هذا الكون الفسيح بالطاعة، وقَللت رغبات النفس الجامحة للركون إليه فارتسمت أمامه معالم الطريق الصحيح للسير والمسير إلى الله تعالى.