معناه الاعتقاد الجازم بأن الله - ﷿ - له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وهو متصف بجميع صفات الكمال، ومنزه عن جميع صفات النقص، متفرد بذلك عن جميع الكائنات.
وأهل السنة والجماعة:
يعرفون ربهم بصفاته الواردة في القرآن والسنة، ويصفون ربهم بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ ولا يحرفون
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ٣٦.
[ ١٢٠ ]
الكلم عن مواضعه، ولا يلحدون (١)
في أسمائه وآياته، ويثبتون لله ما أثبت لنفسه من غير تمثيل، ولا تكييف، ولا تعطيل، ولا تحريف، وقاعدتهم في كل ذلك قوله ﵎:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (٢) .
وقوله: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (٣) .
وأهل السنة والجماعة:
لا يحددون كيفية صفات الله تعالى؛ لأنه - جل وعلا - لم يخبر عن الكيفية، ولأنه لا أحد أعلم من الله - سبحانه - بنفسه.
قال تعالى: ﴿قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ﴾ (٤) .
_________________
(١) «) (الإلحاد): هو الميل عن الحق والانحراف عنه؛ ويدخل فيه (التعطيل، والتحريف والتكييف، والتمثيل) . التعطيل: عدم إثبات الصفات، أو إثبات بعضها ونفي الباقي. التحريف: تغيير النص لفظًا أو معنى، وصرفه عن معناه الظاهر إلى معنى لا يدل عليه اللفظ إلا باحتمال مرجوح؛ فكل تحريف تعطيل، وليس كل تعطيل تحريفا. التكييف: بيان الهيئة التي تكون عليها الصفات. التمثيل: إثبات المثل للشيء؛ مشابهًا له من كل الوجوه.
(٢) سورة الشورى، الآية: ١١.
(٣) سورة الأعراف، الآية: ١٨٠.
(٤) سورة البقرة، الآية: ١٤٠.
[ ١٢١ ]
وقال تعالى: ﴿فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (١) .
ولا أحد أعلم بالله بعد الله، من رسول الله ﷺ الذي قال الله في حقه: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ﴿٣﴾ إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٢) .
وأهل السنة والجماعة:
يؤمنون أن الله - ﷾ - هو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، والظاهر الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء، كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٣) .
وكما أن ذاته - ﷾ - لا تشبه الذوات، فكذلك صفاته لا تشبه الصفات؛ لأنه - سبحانه - لا سمي له، ولا كفء له ولا ند له، ولا يقاس بخلقه؛ فيثبتون لله ما أثبته لنفسه إثباتًا بلا تمثيل وتنزيهًا بلا تعطيل؛ فحين يثبتون لله ما أثبته لنفسه لا يمثلون، وإذا نزهوه لا يعطلون الصفات التي وصف نفسه بها.
_________________
(١) سورة النحل، الآية: ٧٤.
(٢) سورة النجم، الآيتان: ٣- ٤.
(٣) سورة الحديد، الآية: ٣.
[ ١٢٢ ]
ويؤمنون أن الله - ﷾ - محيط بكل شيء، وخالق كل شيء، ورازق كل حي، قال تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (١) .
وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٢) .
ويؤمنون بأن الله تعالى استوى (٣) على العرش فوق سبع سموات، كما يؤمنون بعلو الله عن خلقه وأنه بائن من خلقه، أحاط بكل شيء علمًا، كما أخبر عن نفسه في كتابه العزيز في سبع آيات كريمات؛ بلا تكييف (٤) .
قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٥) .
_________________
(١) سورة الملك، الآية: ١٤.
(٢) سورة الذاريات، الآية: ٥٨.
(٣) «) الاستواء على العرش والعلو؛ صفتان نثبتهما لله تعالى إثباتًا يليق بجلاله، وتفسير كلمة (استوى) عند السلف: (استقر، علا، ارتفع، صعد) والسلف يفسرونها بهذه الكلمات لا يتجاوزونها ولا يزيدون عليها، ولم يرد في تفسير السلف تفسيرها بمعنى: (استولى، ولا ملك، ولا قهر) . والكيف مجهول؛ لا يعلمه إلا الله. والإيمان به واجب؛ لثبوت الأدلة. والسؤال عنه بدعة؛ لأن كيفية الاستواء لا يعلمها إلى الله، ولأن الصحابة أيضًا لم يسألوا الرسول ﷺ عن الكيفية.
(٤) «) وهي على الترتيب: سورة الأعراف، الآية:٥٤. وسورة يونس، الآية:٣. وسورة الرعد، الآية:٢. وسورة طه، الآية: ٥. وسورة الفرقان، الآية: ٥٩. وسورة السجدة، الآية: ٤.وسورة الحديد، الآية: ٤.
(٥) سورة طه، الآية: ٥.
[ ١٢٣ ]
وقال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (١) .
وقال: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ﴿١٦﴾ أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ (٢) .
وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٣) .
وقال: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ﴾ (٤) .
وقال النبي ﵌: (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟) (٥) (٦) .
وأهل السنة والجماعة: يؤمنون بأن الكرسي والعرش حق لا ريب فيه، قال الله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (٧) .
_________________
(١) سورة الحديد، الآية: ٤.
(٢) سورة الملك، الآيتان: ١٦- ١٧.
(٣) سورة فاطر، الآية: ١٠.
(٤) سورة النحل، الآية: ٥.
(٥) (رواه البخاري) في (كتاب المغازي) باب: (بعثة علي بن أبي طالب إلى اليمن) .
(٦) «) قال الإمام الحافظ إسحاق بن راهويه - ﵀ - عن الآيات الاستواء: (إجماع أهل العلم أنه فوق العرش استوى، ويعلم كل شيء في أسفل الأرض السابعة) . رواه الإمام الذهبي - بسند صحيح - في (العلو للعلي الغفار) .
(٧) سورة البقرة، الآية: ٢٥٥.
[ ١٢٤ ]
والعرش لا يقدر قدره إلا الله، والكرسي في العرش كحلقة ملقاة في فلاة وسع السموات والأرض، والله مستغن عن العرش والكرسي، وهو - سبحانه - منزه عن أن يحتاج إلى العرش، وما دونه، فشأن الله - ﵎ - أعظم من ذلك؛ بل العرش والكرسي محمولان بقدرته وسلطانه.
وأن الله تعالى خلق آدم - ﵇ - بيديه، وأن كلتا يديه يمين، ويداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء، كما وصف نفسه سبحانه، فقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء﴾ (١) .
وقال: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٢) .
وأهل السنة والجماعة:
يثبتون لله سمعًا، وبصرًا، وعلمًا، وقدرة، وقوة، وعزًا، وكلامًا، وحياةً، ومعيةً، ومحبةً، ورحمةً، وغضبًا، ورضًا، وقدمًا، وساقًا، ويدًا، وغيرها من الصفات التي وصف الله تعالى بها نفسه في كتابه العزيز، وعلى لسان نبيه الكريم ﷺ بكيفية يعلمها الله
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ٦٤.
(٢) سورة ص، الآية: ٧٥.
[ ١٢٥ ]
ولا نعلمها؛ لأنه لم يخبرنا عن الكيفية، قال الله ﵎:
﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (١) .
﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (٢) .
﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (٣) .
﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ (٤) .
﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (٥) .
﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (٦) .
﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ (٧) .
﴿غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ (٨) .
﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ (٩) .
﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (١٠) .
وغيرها من آيات الصفات.
_________________
(١) سورة طه، الآية:٤٦.
(٢) سورة التحريم، الآية:٢.
(٣) سورة النساء، الآية:١٦٤.
(٤) سورة الرحمن، الآية:٢٧.
(٥) سورة المائدة، الآية:١٩٩.
(٦) سورة المائدة، الآية:٥٤.
(٧) سورة الزخرف، الآية:٥٥.
(٨) سورة الممتحنة، الآية:١٣.
(٩) سورة القلم، الآية:٤٢.
(١٠) سورة البقرة، الآية:٢٥٥.
[ ١٢٦ ]
وأهل السنة والجماعة:
يؤمنون بأن المؤمنين يرون ربهم في الآخرة بأبصارهم، ويزورونه، ويكلمهم ويكلمونه، قال تعالى:
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ﴿٢٢﴾ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (١) .
وسيرونه كما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته، كما أخبر النبي ﷺ بذلك، فقال: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته..) (٢) .
وأن الله - ﷾ - ينزل إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل نزولًا يليق بجلاله وعظمته.
قال النبي ﷺ: (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر؛ فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ ومن يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له؟) (٣) .
ويؤمنون بأن الله تعالى يجيء يوم الميعاد للفصل بين العباد، مجيئًا يليق بجلاله، قال ﷾: ﴿كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ
_________________
(١) سورة القيامة، الآيتان: ٢٢ - ٢٣.
(٢) (رواه البخاري) في (كتاب مواقيت الصلاة) باب: (فضل صلاة العصر وصلاة الفجر) .
(٣) (رواه البخاري) في (كتاب التهجد) باب: (الدعاء والصلاة في آخر الليل) .
[ ١٢٧ ]