(السؤال الثاني): عن تقبيل يد السادة المنسوبين لأهل البيت هل يجوز أم لا؟.
(الجواب): لم يكن الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- يعتادون ذلك مع رسول الله، ولا مع أهل بيته، ولا شك أنهم أعظم الناس محبة له وتوقيرا؛ وإنما كانوا يعتادون السلام والمصافحة اتباعا لما سنه رسول اللهﷺ- بأمره وفعله، فقال: "أفشوا السلام بينكم" ٦، وصح عنه -صلى الله عليه- وسلم "أنه قيل له: الرجل يلقى أخاه أينحني له؟ قال: لا. قيل: أيلتزمه، أو يقبله؟ قال: لا. قيل: أيصافحه؟ قال: نعم".
وأما ما ورد أنه لما قدم عليه أصحابه من غزوة، وقد قبلوا يده قالوا: نحن الفرارون قال: بل أنتم العكارون٧؛ وأما ما ورد في معنى هذا، فإنما وقع نادرا، وقد جوزه بعض الأئمة كالإمام أحمد -﵀- إذا وقع كذلك لا على وجه التعظيم للدنيا. واشترط بعض الأئمة في ذلك
_________________
(١) ١ سورة الأحقاف آية: ٥. ٢ سورة فاطر آية: ١٣. ٣ سورة العنكبوت آية: ٦٥. ٤ البخاري: الأدب (٦٠٠١)، ومسلم: الإيمان (٨٦)، والترمذي: تفسير القرآن (٣١٨٢،٣١٨٣)، والنسائي: تحريم الدم (٤٠١٣،٤٠١٤)، وأبو داود: الطلاق (٢٣١٠)، وأحمد (١/٤٣٤،١/٤٦٤) . ٥ البخاري: التوحيد (٧٥٣٢)، ومسلم: الإيمان (٨٦) . ٦ مسلم: الإيمان (٥٤)، والترمذي: الاستئذان والآداب (٢٦٨٨)، وأبو داود: الأدب (٥١٩٣)، وابن ماجه: المقدمة (٦٨) والأدب (٣٦٩٢)، وأحمد (٢/٣٩١،٢/٤٤٢،٢/٤٧٧،٢/٤٩٥،٢/٥١٢) . ٧ كذا في الأصل.
[ ١٢٢ ]
أن لا يمد إليه يده؛ ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-. وذهب بعضهم إلى كراهة تقبيل اليد مطلقا كالإمام مالك -﵀-، وقال سليمان بن حرب: هي السجدة الصغرى. هذا إذا لم يفض إلى التعظيم والخضوع وتغيير السنة.
أما إذا اقترن بمثل هذه الأمور التي تدخل في نوع من الشرك والبدع، فلا يجوز أن ينسب إلى أحد من الأئمة تجويزه. قال في زاد المعاد: وأشرف عبودية الصلاة، وقد تقاسمها الشيوخ -يعني من المتصوفة- والمتشبهون بالعلماء والجبابرة: فأخذ الشيوخ أشرف ما فيها، وهو السجود. وأخذ المتشبهون بالعلماء منها بالركوع، فإذا لقي بعضهم بعضا ركع كما يركع المصلي لربه، وأخذ الجبابرة منها القيام فيقوم الأحرار والعبيد على رؤوسهم عبودية لهم، وهم جلوس. فقد نهى رسول الله ﷺ عن هذه الأمور الثلاثة على التفصيل؛ فتعاطيها مخالفة صريحة له؛ فنهى عن السجود لغير الله -تعالى- فقال: "لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد" وأنكر على معاذ لما سجد له، وقال: (مه) .
فتحريم هذا معلوم من دينه بالضرورة، وتجويز من جوزه لغير الله مراغمة لله ولرسوله. وهو من أبلغ أنواع العبودية، فإذا جوز هذا المشرك هذا النوع للبشر، فقد جوز عبودية غير الله. وأيضا فالانحناء عند التحية سجود، ومنه قول الله تعالى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ ١ أي: منحنين، وإلا فلا يمكن الدخول على الجباه. انتهى.