(الثالث): ما ورد في يوم الجمعة من الخصائص، هل يختص بما قبل الزوال أم لا، مثل قراءة سورة الكهف وغيرها؟ لو قال: قبل الصلاة كان أولى.
_________________
(١) ١ البخاري: الوضوء (١٦٢) . ٢ مسلم: الطهارة (٢٧٨)، والنسائي: الطهارة (١)، وأبو داود: الطهارة (١٠٥)، وأحمد (٢/٢٤١،٢/٤٧١)، والدارمي: الطهارة (٧٦٦) . ٣ البخاري: الوضوء (١٦٢) . ٤ الترمذي: الطهارة (٢٤)، والنسائي: الغسل والتيمم (٤٤١)، وابن ماجه: الطهارة وسننها (٣٩٣) .
[ ١٢٧ ]
والجواب): خصائص الجمعة على ثلاثة أضرب:
الأول: محله قبل الصلاة كالاغتسال والطيب ولبس أحسن الثياب، وتأكد السواك، ومنع من تلزمه الجمعة إذا دخل وقتها من السفر، ونحو ذلك.
الثاني: ما لا يختص بما قبل الصلاة كاستحباب كثرة الصلاة على النبي –ﷺ-، ومزية الذكر، والصدقة، ونحو ذلك.
الثالث: متردد بينهما بحسب ما ورد كقراءة سورة الكهف، وساعة الإجابة. فأما قراءة سورة الكهف فورد في قراءتها ما يقتضي أن ليلة الجمعة كيومها محلا لحصول الفضل الوارد لما اقتضاه مجموع هذه الآثار، فروى الدارمي عن أبي سعيد موقوفا: "من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق". ومنها ما يقتضي تخصيصه باليوم كما روى أبو بكر ابن مردويه في تفسيره من حديث ابن عمر -﵄- عن النبيﷺ-: "من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدمه إلى عنان السماء يضيء له يوم القيامة، وغفر له ما بين الجمعتين".
قال الحافظ المنذري: إسناده لا بأس به، وقال ابن كثير: في رفعه نظر، وذكر في المغني عن خالد بن معدان: "من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة قبل أن يخرج الإمام كانت له كفارة ما بين الجمعة، وبلغ نوره البيت العتيق" ١ وظاهر كلام الفقهاء أنه كالذي قبله لا يختص بما قبل الصلاة.
أما ساعة الإجابة ففيها أقوال تزيد على ثلاثين ذكرها ابن حجر في الفتح، والجلال السيوطي في شرح الموطأ. وذكر العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- كثيرا منها، ثم قال: وأرجح الأقوال فيها قولان تضمنتهما الأحاديث الثابتة، أحدهما أرجح من الآخر: الأول: أنها ما بين جلوس الإمام إلى انقضاء الصلاة، رجحه البيهقي، وابن العربي، والقرطبي، وقال
_________________
(١) ١ الدارمي: فضائل القرآن (٣٤٠٧) .
[ ١٢٨ ]
النووي: إنه الصحيح أو الصواب. قال ابن القيم: الثاني: أنها بعد العصر، وهذا أرجح القولين، وهو قول عبد الله بن سلام، وأبي هريرة، والإمام أحمد، وخلق، وساق ما يدل على ذلك كحديث عبد الله بن سلام، ثم قال: وهذا القول هو قول أكثر السلف، ويليه القول بأنها ساعة الصلاة، وبقية الأقوال لا دليل عليها. انتهى ملخصا..
وقال المحب الطبري: إن أصح الحديث فيها حديث أبي موسى في مسلم، وأشهر الأقوال فيها قول عبد الله بن سلام. قال ابن حجر: وما عداهما إما ضعيف الإسناد، أو موقوف استند صاحبه إلى اجتهاد دون توقيف. انتهى. والله أعلم.
وأما حديث: "من مس الحصى فقد لغا" ١ فرواه مسلم في صحيحه، وليس فيه: "ومن لغا فلا جمعة له" ٢ ولفظه "من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة، فاستمع وأنصت، غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصى فقد لغا" ٣، لكن روى الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- في مسنده من حديث علي: "ومن قال لصاحبه: صه! فقد تكلم، ومن تكلم فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له" ٤ قال النووي في شرح حديث مسلم: فيه النهي عن مس الحصى وغيره من أنواع العبث في حال الخطبة، وفيه إشارة إلى إقبال القلب والجوارح على الخطبة. انتهى، وهو واف بالمقصود والله أعلم..
شهادة العدل برؤية هلال ذي الحجة
الرابع: إذا شهد شاهد عدل برؤية هلال ذي الحجة، ولم يُرَ ليلة إحدى وثلاثين إلى آخره.
الجواب: إن الذي نص عليه العلماء -﵏- أن الناس إذا وقفوا
_________________
(١) ١ مسلم: الجمعة (٨٥٧)، والترمذي: الجمعة (٤٩٨)، وأبو داود: الصلاة (١٠٥٠)، وابن ماجه: إقامة الصلاة والسنة فيها (١٠٩٠)، وأحمد (٢/٤٢٤) . ٢ أبو داود: الصلاة (١٠٥١)، وأحمد (١/٩٣) . ٣ مسلم: الجمعة (٨٥٧)، والترمذي: الجمعة (٤٩٨)، وأبو داود: الصلاة (١٠٥٠)، وابن ماجه: إقامة الصلاة والسنة فيها (١٠٩٠)، وأحمد (٢/٤٢٤) . ٤ أبو داود: الصلاة (١٠٥١)، وأحمد (١/٩٣) .
[ ١٢٩ ]
الثامن أو العاشر خطأ أجزأهم، نص عليه الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- دليله حديث أبي هريرة مرفوعا "فطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون" ١.
ورواه أبو داود والدارقطني، وروي أيضا من حديث عائشة مثله، قال الخطابي في معالم السنن: معنى الحديث أن الخطأ موضوع عن الناس فيما سبيله الاجتهاد، فلو أن قوما اجتهدوا فلم يروا الهلال إلا بعد الثلاثين، فلم يفطروا حتى استوفوا العدد؛ ثم ثبت أن الشهر كان تسعا وعشرين، فإن صومهم وفطرهم ماض. وكذلك هذا في الحج إذا أخطؤوا يوم عرفة فإنهم ليس عليهم إعادة وتجزئهم ضحاياهم.
غيَّر الطريق النافذ مسجدا
(الخامس): إذا غير الطريق النافذ مسجدا، فهل هو جائز أم لا؟ إلى آخره.
(الجواب): أن الذي رأينا من كلام العلماء-رحمهم الله تعالى- كصاحب الإنصاف وغيره، أنه لا يجوز البناء في طريق نافذ مطلقا، قال في المغني والشرح: لا نعلم فيه خلافا، قال شيخ الإسلام في الفتاوى المصرية: لا يجوز لأحد أن يخرج في طريق المسلمين شيئا من أجزاء البناء حتى إنه يُنْهى عن تجصيص الحائط إلا أن يدخل في حده بقدر الجص. انتهى. فعلى هذا يكون مغصوبا لا تصح الصلاة فيه.
صلى بجماعة وبعد فراغه رأى في ثوبه أو بدنه نجاسة
(السادس): إمام صلى بجماعة، وبعد فراغه رأى في بقعته أو ثوبه أو بدنه نجاسة فما حكم صلاته وصلاة من خلفه إلى آخره.
الجواب: أما حكم صلاته فعدم الصحة على الصحيح من المذهب، لأن اجتناب النجاسة شرط للصلاة فلم تسقط بالنسيان، ولا بالجهل كطهارة الحدث. وعن الإمام –﵀- أنها تصح إذا نسي، أو جهل قال في الإنصاف: وهي الصحيحة عند أكثر المتأخرين، اختارها المصنف والمجد والشيخ تقي
_________________
(١) ١ الترمذي: الصوم (٦٩٧)، وأبو داود: الصوم (٢٣٢٤)، وابن ماجه: الصيام (١٦٦٠) .
[ ١٣٠ ]
الدين، لكن قال الشيخ: الروايتان في الجاهل، أما الناسي فليس عن الإمام نص فيه قال في الإنصاف: والصحيح أن الخلاف جارٍ في الجاهل والناسي، قاله المجد، وحكى الخلاف فيهما أكثر المتأخرين والله أعلم. وأما المأموم فصلاته صحيحة.