ما ذكره الأزرقي، وقد ذكر ابن قتيبة في كتاب "المعارف" أنه كان بين إبراهيم وموسى سبع مائة سنة.
وأما قول ابن محمود: فضاق صدر موسى من تصرفه، وعيل صبره، فأراد أن يفارقه، فقال له ذو القرنين: يا موسى، أنت على علم من الله لا أعلمه أنا، وأنا على علم من الله لا تعلمه أنت.
فجوابه: أن يقال: إنما قال الخضر هذا لموسى أول ما اجتمع به، وقبل أن يفعل شيئًا مما أنكره عليه موسى، وقد جاء ذلك في حديث الخضر مع موسى؛ ففيه أن موسى لما سلم على الخضر قال له: أتيتك لتعلمني مما علمت رشدًا، قال: يا موسى، إني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه، وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه. ثم انطلقا يمشيان على ساحل البحر، فمرت بهما سفينة فذكر الحديث، وفيه ما فعله الخضر من خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار الذي أزاد أن ينقض، وما أخبر الله به عن الخضر أنه قال لموسى: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾.
وقد التبس الأمر على ابن محمود؛ فزعم أن قول الخضر لموسى أول ما اجتمعا إنما كان عند مفارقته له، وهذا الوهم مما حصل لابن محمود بعد توسعه في العلوم والفنون.
وقال ابن محمود في صفحة (١٤): "يا معشر العلماء والمتعلمين والناس أجمعين، إنه يجب علينا بأن يكون تعليمنا واعتقادنا قائمًا على أنه لا مهدي بعد رسول الله - ﷺ - كما لا نبي بعده، كما نعتقد بأن رسول الله - ﷺ - لم يخلف وراءه علمًا ولا دينًا يرتجى حصوله ووصوله على يد المهدي من بعده؛ لأن الله -سبحانه- قد أكمل لنا الدين، وأتم به النعمة".
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: من زعم أنه يجب على العلماء والمتعلمين والناس أجمعين أن يكون تعليمهم واعتقادهم قائمًا على أنه لا مهدي بعد رسول الله - ﷺ -، فقد أوجب عليهم من التعليم والاعتقاد ما لم يوجبه الله ولا رسوله - ﷺ -، وشرع لهم من الدين ما لم يأذن به الله، ودعاهم إلى تكذيب الأحاديث الثابتة عن النبي - ﷺ - في الخلفاء الراشدين المهديين، وفي المهدي الذي يخرج في آخر الزمان، وفي كون عيسى ابن مريم حكمًا عدلا وإمامًا مهديًا في آخر
[ ١١١ ]
الزمان، ودعاهم أيضًا إلى مخالفة الإجماع على أن عمر بن عبد العزيز أحد الخلفاء الراشدين المهديين، ولا شك أن هذا من الدعاء إلى الضلالة، وقد قال الله -تعالى- فيمن دعا إلى الضلالة: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾، وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله - ﷺ - قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا» رواه الإمام أحمد، ومسلم، وأهل السنن، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
الوجه الثاني: أن يقال: من قال إنه لا مهدي بعد رسول الله - ﷺ - فلازم قوله نفي المهدية عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي -﵃- وعن عمر بن عبد العزيز وغيره من أئمة العدل المتمسكين بالكتاب والسنة، وكذلك نفي المهدية عن نبي الله عيسى ابن مريم -عليهما الصلاة والسلام-، ومن قال بهذا القول الباطل واعتقده فقد كابر في رد الحديث الصحيح عن العرباض بن سارية -﵁- أن رسول الله - ﷺ - قال: «عليكم بسنتي وسنة الخفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ» رواه الإمام أحمد، وأهل السنن، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح"، وصححه الحاكم، والذهبي.
ويلزم على هذا القول الباطل أيضًا خرق الإجماع على أن عمر بن عبد العزيز أحد الخلفاء الراشدين المهديين، ويلزم عليه أيضًا رد ما جاء في الحديث الصحيح؛ أن عيسى ابن مريم -عليهما الصلاة والسلام- إذا نزل في آخر الزمان يكون إمامًا مهديًا وحكمًا عدلا، ويلزم عليه أيضًا رد الأحاديث الثابتة في خروج المهدي في آخر الزمان، وما لزم عليه ما ذكرنا من اللوازم السيئة فهو قول سوء، لا يصدر إلا عن اعتقاد فاسد.
الوجه الثالث: أن يقال: إذا كان ابن محمود يرى أنه يجب عليه أن يكون تعليمه واعتقاده قائمًا على أنه لا مهدي بعد رسول الله - ﷺ - مع ما يلزم على هذا القول الباطل من رد الأحاديث الثابتة عن النبي - ﷺ - ومخالفة الإجماع، فإن سائر المتمسكين بالكتاب والسنة يرون أنه يجب عليهم أن يكون تعليمهم واعتقادهم قائمًا على إثبات المهدية للخلفاء الأربعة الراشدين؛ وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي
[ ١١٢ ]