ندعي أن الله تعالى إذا كلف العباد فأطاعوه لم يجب عليه الثواب، بل إن شاء أثابهم وإن شاء عاقبهم وإن شاء أعدمهم ولم يحشرهم، ولا يبالي لو غفر لجميع الكافرين وعاقب جميع المؤمنين، ولا يستحيل ذلك في نفسه ولا يناقض صفة من صفات الإلهية، وهذا لأن التكليف تصرف في عبيده ومماليكه، أما الثواب ففعل آخر على سبيل الابتداء، وكونه واجبًا بالمعاني الثلاثة غير مفهوم ولا معنى للحسن والقبيح، وإن أريد له معنى آخر فليس بمفهوم إلا أن يقال إنه يصير وعده كذبًا وهو محال، ونحن نعتقد الوجوب بهذا المعنى ولا ننكره.
فإن قيل: التكليف مع القدرة على الثواب وترك الثواب قبيح، قلنا: إن عنيتم بالقبح أنه مخالف غرض المكلف فقد تعالى المكلف وتقدس عن الأغراض، وإن عنيتم به أنه مخالف غرض المكلف مسلم لكن ما هو قبيح عند المكلف لم يمتنع عليه فعله إذا كان القبيح والحسن عنده وفي حقه بمثابة واحدة. على أنا لو نزلنا على فاسد معتقدهم فلا نسلم أن من يستخدم عبده يجب عليه في العادة ثواب، لأن الثواب يكون عوضًا عن العمل فتبطل فائدة الرق وحق على العبد أن يخدم مولاه لأنه عبده، فإن كان لأجل عوض فليس ذلك خدمة، ومن العجائب قولهم: إنه يجب الشكر على العباد لأنهم عباد، قضاءً لحق نعمته، ثم يجب عليه الثواب على الشكر وهذا محال؛ لأن المستحق إذا وفى لم يلزمه فيه عوض، ولو جاز ذلك للزم على الثواب شكر مجدد وعلى هذا الشكر ثواب مجدد ويتسلسل إلى غير نهاية، ولم يزل العبد والرب كل واحد منهما أبدًا مقيدًا بحق الآخر، وهو محال. وأفحش من هذا قولهم: إن كل من كفر فيجب على الله تعالى أن يعاقبه أبدًا ويخلده في النار، بل كل من قارف كبيرة ومات قبل التوبة يخلد في النار،
[ ١٠٠ ]
وهذا جهل بالكرم والمروءة والعقل والعادة والشرع وجميع الأمور، فإنا نقول: العبادة قاضية والعقول مشيرة إلى أن التجاوز والصفح أحسن من العقوبة، والانتقام وثناء الناس على العافي أكثر من ثنائهم للمنتقم، واستحسانهم للعفو أشد، فكيف يستقبح العفو والإنعام ويستحسن طول الانتقام! ثم هذا في حق من أذته الجناية وغضت من قدره المعصية، والله تعالى يستوي في حقه الكفر والايمان والطاعات والعصيان فهما في حق إلاهيته وجلاله سيان، ثم كيف يستحسن أن سلك طريق المجازاة واستحسن ذلك تأييد العقاب خالدًا مخلدًا في مقابلته العصيان بكلمة واحدة في لحظة. ومن انتهى عقله في الاستحسان إلى هذا الحد كانت دار المرضى أليق به من مجامع العلماء. على أنا نقول: لو سلك سالك ضد هذا الطريق بعينه كان أقوم قيلا وأجرى على قانون الاستحسان والاستقباح الذي تقضي به الأوهام والخيالات كما سبق، وهو أن نقول: الانسان يقبح منه أن يعاقب على جناية سبقت وجناية تداركها إلا لوجهين: أحدهما، أن يكون في العقوبة زجر ورعاية مصلحة في المستقبل فيحسن ذلك خيفة من فوات غرض في المستقبل، فإن لم يكن فيه مصلحة في المستقبل أصلًا فالعقوبة بمجرد المجازاة على ما سبق قبيح لأنه لا فائدة فيه للمعاقب ولا لأحد سواه، والجاني متأذ به ودفع الأذى عنه أحسن، وإنما يحسن الأذى لفائدة ولا فائدة، وما مضى فلا تدارك له فهو في غاية القبح.
والوجه الثاني، أن نقول: إنه إذا تأذى المجني عليه واشتد غيظه فذلك الغيظ مؤلم وشفاء الغيظ مريح من الألم، والألم بالجاني أليق، ومهما عاقب الجاني زال منه ألم الغيظ واختص بالجاني فهو أولى، فهذا أيضًا له وجه ما وإن كان دليلًا على نقصان العقل وغلبة الغضب عليه. فأما إيجاب العقاب حيث لا يتعلق بمصلحة في المستقبل لأحد في عالم الله تعالى ولا فيه دفع أذى عن المجني عليه ففي غاية القبح، فهذا أقوم من قول من يقول إن ترك العقاب في غاية القبح، والكل باطل واتباع الموجب الأوهام التي وقعت بتوهم الأغراض، والله تعالى متقدس عنها ولكنا أردنا معارضة الفاسد ليتبين به بطلان خيالهم.