الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أفضل الخلق أجمعين نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على هديهم إلى يوم الدين، أما بعد.
فإن ما منيت به الأمة الإسلامية على مختلف عصورها من انحرافات عقدية لعبت بأفكار بعض طوائفها بسبب جنوحهم عن الطريق القويم، وسلوك طرق ملتوية تؤدي إلى ما يريده أعداء الإسلام من إبعاد المسلمين عن دينهم وفك ارتباطهم بعقيدتهم، جعل علماء هذه الأمة يولون هذا الجانب اهتمامهم، حفاظًا على عقيدة الإسلام، وصيانة لها، ودفعًا لصولة أعدائها، فانبروا لبيان العقيدة الصحيحة التي يجب على المسلمين اعتناقها مدعومة بأدلتها الصريحة الواضحة من مصدرها الذي يجب على كل مسلم تعظيمه، والتسليم له، ألا وهو الوحي بقسميه كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ، مبتعدين في ذلك عن أوضار الأفكار المنحلة،
[ ٥ ]
والمذاهب المنحرفة، فألفوا الكتب لتقرير الحق بأدلته التي تحمل في منطوقها ومفهومها تهافت كل ما خالفها، وفضح عواره، ولست في حاجة إلى ضرب أمثلة لذلك فهذه المكتبة السلفية تزخر بمؤلفاتهم على مختلف العصور، كمؤلفات ابن منده وابن خزيمة، وابن قتيبة، واللالكائي، وقبل هؤلاء جميعًا إمام أهل السنة الإمام أحمد بن حنبل الذي أصطلى بنار الأفكار الهدامة والعقائد الباطلة، فقارع أصحابها حتى أظهره الله عليهم.
وبعد هؤلاء جميعًا شيخ الإسلام ابن تيمية الذي ألقم كل صاحب فكر ضال أو منهج منحرف ألف حجر وحجر، وبين هؤلاء وأولئك كان ثمة علماء أجلاء، ساروا على الطريق نفسه وخدموا الهدف ذاته، ومن هؤلاء الإمام الحافظ عبد الغني المقدسي الذي أسهم في خدمة هذا الهدف النبيل، حيث جاهد في سبيل ذلك، فامتحن كما امتحن غيره، وأوذي في عقيدته كما أوذي غيره من العلماء المخلصين، وقد ألف كتبًا قيمة، ولعل أهمها هذا الكتاب النفيس الذي يدل عنوانه على محتواه فهو كتاب يحمل في طياته إيضاحًا لعقيدة السلف، وأنها العقيدة المثلى التي يتبوأ أربابها الوسطية بين جميع الطوائف، ولذلك حمل هذا السفر النفيس اسم
[ ٦ ]
«الاقتصاد في الاعتقاد» وهو اسم على مسمى، فعقيدة السلف وسط بين الإفراط والتفريط، عقيدة تجمع ولا تفرق، لها من الخصائص العظيمة ما لم ولن يتوافر في ما سواها من العقائد المنحرفة، التي ضلت الطريق القويم باطراح دلالة الوحي، والجري وراء عقليات سقيمة، وفلسفات عقيمة، أدت إلى تعطيل الخالق عن صفات الكمال، وإلى نفي القدر، وإلى القول بالجبر، والتكفير لمذنبي الأمة ونفي الغيبيات الثابتة، وغير ذلك من الانحرافات المزرية.
وكان حامل لواء الانحراف رجل دخيل هو الجهم بن صفوان الترمذي، الذي ظهر في نهاية المئة الأولى، فحمل لواء التعطيل، وتولى كبر الجحود والإنكار، فعطل صفات الرب تعالى، وحارب تعاليم الإسلام، وانتشرت بعد ذلك المذاهب الكلامية، والمناهج الفلسفية، وتوزعت تركته بين أربابها، ولكن الحق يعلو ولا يعلى عليه فهو أبلج ناصع، سهل ميسور، أما تعقيدات القوم فلم تنطل إلا على من فسدت فطرته، أو عظم جهله، أو غلبت عليه شقوته، وقد أدى علماء الأمة ومن بينهم الإمام المقدسي واجب الإيضاح والبيان، والتحذير من مجانبة طريق أهل القرآن، وإنني إذ أقدم هذا السفر القيم بما حوى من تعليقات توضح غامضًا، أو تفصل مجملًا،
[ ٧ ]
لأرجو الله الكريم، رب العرش العظيم أن يجعل عملى خالصًا لوجهه، وأن يهئ لنا من أمرنا رشدًا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
د/ أحمد بن عطية الغامدي
المدينة المنورة في ٢٥/١٢/١٤١٣هـ.
[ ٨ ]
(التعربف بالمؤلف)
اسمه ونسبه
هو الإمام الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور بن رافع بن حسين بن جعفر المقدسي١، الجَمّاعيلي٢، ثم الدمشقي المنشأ، الصالحي٣، يكنى أبا محمد، ويلقب بتقي الدين.
_________________
(١) ١ المَقْدسي، بفتح الميم، وسكون القاف، وكسر الدال، هذه النسبة إلى بيت المقدس، وينسب إليه كثير من العلماء. انظر: اللباب ٣/٢٤٦. ٢ جَمَّاعيل: بالفتح وتشديد الميم، قرية من جبل نابلس، من أرض فلسطين، وإنما انتسب المقدسي المولود بها إلى بيت المقدس لقرب جَمَّاعيل منها، ولأن نابلس وأعمالها جميعًا من مضافات بيت المقدس، وبينهما مسيرة يوم واحد. معجم البلدان ٢/١٥٩-١٦٠. ٣ نسبة إلى الصالحية، وهي قرية كبيرة، ذات أسواق وجامع في جبل قاسيون من غوطة دمشق، كان أكثر سكانها من النازحين من بيت المقدس، ممن هم على مذهب الإمام أحمد بن حنبل. انظر: معجم البلدان ٣/٣٩٠.
[ ٩ ]
ولادته
ولد ﵀ بجَمَّاعيل من أرض نابلس، واختلف في تاريخ ولادته، فبينما يذكر ابن رجب عن الحافظ ضياء الدين المقدسي١ أن ولادته كانت في ربيع الآخر من سنة إحدى وأربعين وخمسمائة ٢ يذكر ابن طولون عن الضياء نفسه ترجيحه أنه ولد سنة أربع وأربعين وخمسمائة٣، وقال المنذري: ذكر عنه بعض أصحابه ما يدل على أن مولده كان سنة أربع وأربعين وخمسمائة٤، وهو ما ذكره ابن الدمياطي في المستفاد ٥.
_________________
(١) ١ محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور، ضياء الدين، أبو عبد الله السَّعْدي المقدسي الجًمَّاعيلي، ثم الدمشقي الصالحي، ولد سنة ٥٦٩هـ، وكان إمامًا حافظًا، كتب مجموعة سير للمقادسة، منها سيرة شيخيه الحافظ عبد الغني، والشيخ الموفق، توفي سنة٦٤٣هـ. انظر: السير ٢٣/١٢٦-١٣٠، وذيل طبقات الحنابلة ٢/٢٣٦-٢٤٠. ٢ انظر: ذيل طبقات الحنابلة ٢-٥، والسير ٢١/٤٤٤. ٣ انظر: القلائد الجوهرية ٢/٤٣٩. ٤ التكملة ٢/١٨. ٥ انظر: المستفاد من ذيل تاريخ بغداد ص١٦٩.
[ ١٠ ]
وذكر ابن رجب نقلًا عن ابن النجار في تاريخه أنه سأل الحافظ عبد الغني عن مولده فقال: إما في سنة ثلاث، أو في سنة أربع وأربعين وخمسمائة ١، فهذه ثلاثة أقوال متقاربة في تاريخ ولادته.
_________________
(١) ١ انظر: ذيل طبقات الحنابلة ٢/٥.
[ ١١ ]
أسرته
ترعرع ﵀ في أكناف أسرة كريمة، شغوفة بالعلم، نذرت نفسها لخدمته، وكانت هذه الأسرة تقيم في بيت المقدس، ثم رحلت بأبنائها إلى دمشق ونزلت عند مسجد أبي صالح، خارج الباب الشرقي أولًا، ثم انتقلوا إلى سفح جبل قاسيون، فعرفت محلة الصالحية بهم ١ وكان من أشهر هذه الأسرة وأجلهم الإمامان الحافظ عبد الغني، وابن خالته الإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي الذي وصف علاقته بالحافظ عبد الغني بقوله: " رفيقي في الصبا، وفي طلب العلم، وما كنا نستبق إلى خير إلا سبقني إليه إلا القليل " ٢.
وحين استقرت هذه الأسرة بسفح جبل قاسيون، بنوا دارًا
_________________
(١) ١ انظر: البداية والنهاية ١٣/٣٨. ٢ ذيل طبقات الحنابلة ٢/١١.
[ ١٢ ]
تحتوي على عدد كبير من الحجرات دعيت بدار الحنابلة، ثم شرعوا في بناء أول مدرسة في جبل قاسيون، وهي المعروفة بـ «المدرسة العمرية» ١.
ومن هذه الأسرة ظهر علماء أجلاء، أسهموا في نشر المذهب الحنبلي في الشام حيث انتشر هذا المذهب ومدارسه، لا في دمشق وحدها، بل حتى في المناطق المجاورة لها، وكان لهجرتهم الأثر البالغ في خدمة مذهب الإمام أحمد، حيث ألفوا فيه الكتب القيمة التي أصبحت عمدة في فقه المذهب حتى يومنا هذا، ومؤلفوها يعدون من جهابذة العلماء، كالحافظ عبد الغني، وابن خالته موفق الدين ابن قدامة صاحب أشهر كتاب في تاريخ الفقة الإسلامي ألا وهو كتاب المغني، وعميد أسرتهم العلامة الشيخ أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي خال الحافظ عبد الغني ٢.
_________________
(١) ١ انظر: القلائد الجوهرية ١/٢٥٠، وقد أنشأ هذه المدرسة الشيخ أبو عمر المقدسي، محمد بن أحمد بن قدامة، والد الموفق، وكانت من أشهر المدارس في ذلك العصر. ٢ انظر: مقدمة كتاب عمدة الأحكام ص١٨.
[ ١٣ ]
وأصبح لهذه الأسرة الكريمة شهرة عظيمة، سارت بها الركبان، وألفت في فضائلها وتاريخها الكتب، ومن أشهرها مؤلفات الضياء المقدسي وكتاب القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية لابن طولون، وغيرها.
وهي أسرة جديرة بعناية المؤرخين، لما لها من دور بارز في نشر العلم وخدمته بشتى الوسائل، من تدريس، وتأليف، وإنشاء مدارس، وعناية بطلابه.
وقد رزق الإمام عبد الغني ثلاثة أولاد من زوجته إبنة خاله: رابعة بنت أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي وهم، محمد، وعبد الله، وعبد الرحمن، وبنت واحدة أسماها فاطمة.
وقد كان أولاده الثلاثة علماء أجلاء، لهم شأن كبير في ميدان الفقه والحديث.
١ - فأما محمد فكان أكبرهم، وهو محدث حافظ إمام رحال، يلقب بعز الدين ويكنى أبا الفتح، مات سنة ثلاث عشرة وستمائة.
[ ١٤ ]
٢ - وأما عبد الله، فهو المحدث الحافظ المصنف جمال الدين أبو موسى، رحل وسمع من ابن كُلَيب، وخليل الرَّاراني، مات في رمضان سنة تسع وعشرين وستمائة.
٣ - أما الابن الثالث وهو عبد الرحمن ويكنى أبا سليمان، فقد اشتغل بعلم الفقه حتى برز فيه، وأصبح من المفتين في مسائله، وسمع من البوصيري، وابن الجوزي ١.
وإذا علمنا أن زوجته رابعة كانت من المشتغلين بعلم الحديث، وكانت ذات دين وزهد وعبادة وصلاح فإنه يتضح لنا أن هذه الأسرة الفريدة كانت ذات سيرة حميدة ومكانة علمية مرموقة، أثرت في أبنائها بما جعلهم من أوعية العلم حفظًا، ومن حذاقه عناية وتدقيقًا ونشرًا.
فرحمهم الله، وجزاهم عن الإسلام وأهله خير الجزاء.
_________________
(١) ١ انظر عن هؤلاء الثلاثة: سير أعلام النبلاء ٢١/٤٦٨.
[ ١٥ ]
رحلاته العلمية
ما تحدثنا به كتب التاريخ عن الوسائل التي اتبعها علماؤنا الأجلاء من سلفنا الصالح في سبيل تحصيل العلم، وتتبع مصادره، وجمع شتاته، تحفز الهمم، وتبعث على الإعجاب والتقدير، فقد كانوا ﵏ يركبون الصعب والذلول، ويقطعون المفاوز، ويتعرضون للأخطار الجسام، في سبيل الوصول إلى العلماء في مواطن إقامتهم، والأخذ عنهم، وتدوين علمهم، وروايته ونشره، خدمة لهذا الدين، وأداءًا لواجب الأمانة، ونصحًا للأمة، وهداية لها بنور العلم الشرعي الأصيل.
والحافظ عبد الغني المقدسي لم يصل إلى ما وصل إليه من مكانة علمية سامقة، ولم يتمكن من النبوغ الفريد في علم الحديث، ويؤلف ما ألف فيه من كتب عظيمة، إلا بعد بذل جهد كبير، ومكابدة مشقة عظيمة، فقد سلك السنة المعروفة المميزة لجهابذة العلماء، ألا وهي الرحلة في سبيل الطلب، والإتصال بأئمة هذا
[ ١٦ ]
الشأن في ما تيسر له الوصول إليه من بقاع العالم الإسلامي في ذلك الوقت، والتتلمذ على أيديهم، وتدوين ما تيسر له من علومهم، وكان يفصل بين مواطن رحلاته مسافات شاسعة، فمن أصبهان شرقًا، إلى ثغر مصر غربًا، وهي مسافات تعد بمقاييس المواصلات في ذلك العصر شاسعة متباعدة، ولكن همة طالب العلم تستسهل الصعب، ولا تقف به دون بلوغ مطامحه، سيما بين أولئك العلماء الأفذاذ من أسلافنا الكرام، الذين كانوا يطلبون العلم لله بإخلاص وتجرد، لا يهمهم في ذلك بلوغ جاه، أو نيل دنيا.
ولذلك نرى أثار رحلاتهم انعكست على سعة تحصيلهم، وجودة تأليفهم، وعموم نفعها لمن بعدهم. فكلما تعددت الرحلات، وكثر الشيوخ، وطالت المدد، كلما كان صاحبها أوسع علمًا، وأكثر إتقانًا، وأحظى مكانة بين تلاميذه وأقرانه.
وتحدثنا كتب التاريخ عن رحلات كثيرة للحافظ عبد الغني، بدأها بهجرته مع أسرته من مسقط رأسه في فلسطين، إلى دمشق وهو صغير، وكان ذلك سنة إحدى وخمسين وخمسمائة، وكانت سنه آنذاك إحدى عشرة سنة على القول بأن ولادته كانت سنة
[ ١٧ ]
إحدى وأربعين وخمسمائة، وثمان سنين على القول بأن ولادته كانت سنة أربع وأربعين وخسمائة، وكان أول طلبه العلم بها، حيث سمع من أبي المكارم عبد الواحد بن محمد بن هلال، وأبي علي الحسن بن مكي بن جعفر الصوفي وغيرهما.
وكانت هذه الرحلة بداية الانطلاق لمراحل أرحب، ورحلات أشق وأوسع، ففي سنة ستين وقيل إحدى وستين وخمسمائة رحل إلى بغداد، وكانت حاضرة العلم والعلماء في ذلك الوقت، وقد صحبه في هذه الرحلة ابن خالته الإمام موفق الدين أبي محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي، وكان بين ميولهما العلمية اختلاف، فبينما فضل الإمام الموفق الاتجاه إلى الفقه والعناية به، والتبحر فيه، وجه الحافظ عبد الغني عنايته إلى الحديث.
وفيها نزلا على الشيخ عبد القادر الجيلي في مدرسته، وكان لا ينزل بها أحدًا، إلا أنه توسم فيهما الخير والنجابة والصلاح، وكان يراعيهما، ويحسن إليهما، وقرآ عليه شيئًا من الحديث والفقه، ودامت إقامتهما عنده أربعين يومًا - كما ذكر الشيخ الموفق، وقيل خمسين، توفي بعدها الشيخ عبد القادر، ثم تتلمذا بعده في الفقه
[ ١٨ ]
والخلاف على الشيخ نصر بن فتيان المعروف بابن المنى، وأكثرا فيها من السماع على عدد كبير من الشيوخ، ثم قدما دمشق بعد أربع سنوات.
ورحل الشيخ عبد الغني إلى مصر والاسكندرية وكان ذلك سنة ست وستين وخمسمائة فأقام هناك مدة، إلا أنه عاد إلى الاسكندرية سنة سبعين، وسمع بها من الحافظ أبي طاهر السلفي وأكثر عنه، حتى قيل: إنه كتب عنه ألف جزء.
وسمع بمصر من عدد كبير من العلماء من أبرزهم العلامة أبو محمد عبد الله بن بَرّي، وأبو عبد الله محمد بن علي الرحبي، وغيرهم.
وكانت له رحلة إلى الجزيرة ١ كما يذكر الإمام ابن كثير، ورحلة أخرى إلى بغداد، أما رحلته إلى أصبهان فكانت بعد
_________________
(١) ١ هي جزيرة أقُور، بالقاف، وهي بين دجلة والفرات، مجاورة الشام، تشتمل على ديار مضر، وديار بكر، سميت الجزيرة لأنها بين دجلة والفرات. معجم البلدان ٢/١٣٤.
[ ١٩ ]
السبعين، وفي هذه الرحلة كابد شظف العيش حيث لم يتيسر له فيها إلا القليل من المال الذي لا يكفيه لمؤنة سفره، إلا أن الله أعانه عليها لصفاء مقصده، حيث هيأ له من أعانه على أعباء المعيشة حتى دخل أصبهان، وحصّل بها الكثير من العلم، والنفيس من الكتب، وبها تتلمذ على أئمة أجلاء من أبرزهم الحافظ: أبو موسى محمد بن أبي بكر المَدِيني، وأبو سعد محمد بن عبد الواحد بن عبد الوهاب الصائغ، وخلق كثير سواهم.
أما رحلته إلى همذان، فلم أجد من أرّخها إلا أنه رحل إليها، ولعل رحلته إليها كانت بعد خروجه من أصبهان، حيث سمع بها من أبي المحاسن عبد الرزاق بن إسماعيل القرماني، وأبي سعيد المطهر بن عبد الكريم القومساني وسواهما.
ويذكر المنذري أنه حدث بدمياط، وهذا يدل على أنه رحل إليها أيضًا، ورحل إلى الموصل، وسمع من خطيبها أبي الفضل الطوسي. وله رحلات جانبية أخرى، إذ كان ﵀ عالي الهمة، شديد التعلق بكل ما يزيد في علمه، ويخدم هدفه ١.
_________________
(١) ١ انظر عن رحلاته: ذيل طبقات الحنابلة ٢/٥-٦، وسير أعلام النبلاء ٢١/٤٤٤-٤٤٥، والقلائد الجوهرية ٢/٤٤٠، وتذكرة الحفاظ ٤/١٣٧٣، والمستفاد من ذيل تاريخ بغداد ص١٦٨، والبداية والنهاية ١٣/٣٨-٣٩.
[ ٢٠ ]
وإذا كان الحافظ عبد الغني قد طوف حواضر العلم شرقًا وغربًا، وحصل بذلك العلم الغزير وتبحر فيه حتى أصبح من أعلامه البارزين، فإنه لابد من أن يبذل كما أخذ، فقد حدث بأكثر البلاد التي دخلها، وروى عنه خلق كثير ١.
_________________
(١) ١ انظر: ذيل طبقات الحنابلة ٢/٣٢.
[ ٢١ ]
شيوخه
لقد كان الإكثار من الشيوخ سمة بارزة بين علماء السلف الصالح، فما من عالم له شأن إلا ونجد وراء نبوغه عددًا غير قليل من العلماء الذين تتلمذ على أيديهم، والحافظ عبد الغني المقدسي ممن أكثر من الشيوخ، حيث حرص على أن لا يفوته السماع من مشاهير عصره، ورحلاته التي سبق الحديث عنها، كانت وسيلة رئيسة في الاتصال بهم، وفيما يلي أورد أهم شيوخه في كل بلد رحل إليه، كما ذكرهم المنذري وهو من تلاميذه، وهو لذلك كان من أكثر الناس معرفة به، وهم:
١ـ أبو المكارم عبد الواحد بن محمد بن هلال.
٢ـ أبو علي الحسن بن مكي بن جعفر الصوفي.
٣ـ أبو المعالي عبد الله بن عبد الرحمن بن صابر.
أبو عبد الله محمد بن حمزة بن أبي جميل.
[ ٢٢ ]
ومن هؤلاء وغيرهم كان سماعه بدمشق.
٥ـ الخطيب أبو الفضل عبد الله بن أحمد الطوسي. وكان سماعه منه بالموصل.
٦ـ أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلي - شيخه في الفقه.
٧ـ أبو طالب المبارك بن علي بن محمد بن خضير الصيرفي.
٨ـ أبو الفضل المبارك بن المبارك بن صدقه السّمْسَار.
٩ـ أبوالفتوح عبد القاهر بن محمد بن عبد الله بن الوكيل.
١٠ـ أبو بكر أحمد بن المُقَرَّب الكَرْخي.
١١ـ أبو المعالي أحمد بن عبد الغني بن محمد الباجِسرائي.
١٢ـ أبو الحسن سعد الله بن نصر بن الدَّجَاجي.
١٣ـ الحافظ أبو أحمد معمر بن عبد الواحد بن الفاخر.
١٤ـ أبو الفتح محمد بن عبد الباقي بن سلمان.
١٥ـ أبو المظفر يحيى بن علي بن خطاب الخِيَميّ.
١٦ـ أبو بكر عبد الله بن محمد ابن النقور.
١٧ـ أبوالقاسم يحيى بن ثابت بن بُنْدار.
١٨ـ أبو زرعة طاهر بن محمد المقدسي.
أبو المكارم المبارك بن محمد بن المُعَمَّر البادرائي.
[ ٢٣ ]
٢٠ـ أبو الحسن علي بن المبارك بن الحسين الواسطي.
٢١ـ أبو محمد عبد الله بن أحمد بن أحمد ابن الخشّاب.
ومن هؤلاء وغيرهم سمع في بغداد.
٢٢ـ أبو المحاسن عبد الرزاق بن إسماعيل.
٢٣ـ أبو سعيد المُطَهَّر بن عبد الكريم.
٢٤ـ أبو الفرج إسماعيل بن محمد بن إسماعيل القومساني.
ومن هؤلاء وغيرهم سمع في همذان.
٢٥ـ أبو موسى محمد بن أبي بكر المَدِينِيّ.
٢٦ـ أبو سعد محمد بن عبد الواحد بن عبد الوهاب الصائغ.
٢٧ـ أبو الفتح عبد الله بن أحمد بن أبي الفتح الخِرَقي.
٢٨ـ ابو العباس أحمد بن أبي منصور أحمد بن محمد بن يَنَال.
٢٩ـ أبو رشيد حبيب بن إبراهيم بن عبد الله المقرئ.
٣٠ـ ابو رشيد إسماعيل بن غانم بن خالد البيّع.
٣١ـ أبو غالب محمد بن محمد بن ناصر.
٣٢ـ أبو القاسم عبد الله سفيان وأبو القاسم عليّ ابني أبي الفضل بن طاهر الخرقي.
أبو بكر بنيمان بن أبي الفوارس بن أبي الفتح السبّاك. وسمع
[ ٢٤ ]
من هؤلاء وسواهم في أصبهان.
٣٤ـ العلامة أبو محمد عبد الله بن بَرّي.
٣٥ـ أبو عبد الله محمد بن علي الَّرحْبي.
٣٦ـ أبو الحسن علي بن هبة الله بن عبد الصمد الكاملي. وكان سماعه منهم في مصر. وسمع بالاسكندرية من
٣٧ـ الحافظ أبي طاهر أحمد بن محمد الأصبهاني. وهو من أشهر مشايخه الذين أكثر عنهم.
٣٨ـ وأبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن العثماني.
٣٩ـ وأبي القاسم عبد الرحمن بن خلف المقري.
٤٠ـ وأبي الحسين يحيى بن أبي عبد الله محمد بن أحمد الرازي، وغيرهم ١.
هؤلاء هم بعض أبرز مشايخه، وهم كثر، ولم يدع أحد من المؤرخين أنه استوعب ذكر مشايخه في أي بلد من البلدان التي رحل
_________________
(١) ١ التكملة لوفيات النقلة ٢/١٨-١٩، وانظر السير ٢١/٤٤٤-٤٤٥، والمستفاد من ذيل تاريخ بغداد ١٦٨-١٦٩، والقلائد الجوهرية ٢/٤٣٩-٤٤٠، وغيرها من مصادر ترجمته.
[ ٢٥ ]
إليها. إلا أن أكثر مشايخه كان في بغداد، ولعل السبب في ذلك أنها كانت عامرة بعدد كبير من جهابذة العلماء، فكانت تُعد بحق عاصمة العلم في ذلك العصر، إذ لم يجتمع من العلماء بذلك العدد الضخم، والشهرة الواسعة في أي بلد كما اجتمع فيها. والله أعلم.
[ ٢٦ ]
تلاميذه
إن عالمًا جليلًا مثل الإمام عبد الغني المقدسي بلغ مرتبة الحفاظ المتقنين لا بد أن يتطلع إليه طلاب العلم للتتلمذ على يديه والإفادة منه، ولا بد أن يكون نشر العلم أحد أهدافه السامية التي أراد تكريس حياته لها، إلا أنه انشغل في طلب العلم وجمعه، وحينما اتجه لنشره توفاه الله قبل أن يتم ما عزم عليه، ولذلك يقول عنه ابن خالته الإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي: " رزق العلم وتحصيل الكتب الكثيرة، إلا أنه لم يعمر حتى يبلغ غرضه في روايتها ونشرها "١ ومع ذلك حدث وعقد حلق العلم، وتتلمذ على يديه الكثير، ومن أشهرهم إبناه أبو موسى عبد الله بن عبد الغني المقدسي الملقب بجمال الدين الذي نال ثناء العلماء وإعجابهم ٢، وأبو الفتح محمد بن عبد الغني الملقب بعزالدين.
_________________
(١) ١ ذيل طبقات الحنابلة ٢/١١. ٢ انظر: السير ٢٢/٣١٨، وتذكرة الحفاظ ٤/١٤٠٨.
[ ٢٧ ]
وممن تتلمذ على يديه محمد بن الواحد بن أحمد المقدسي الجماعيلي الدمشقي الصالحي المعروف بالضياء المقدسي. الذي جمع سيرة الإمام عبد الغني في مجلدين، وابن خالته الإمام موفق الذين أبي محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي وكان من أقرانه.
ويوسف بن خليل بن قراجا عبد الله شمس الدين أبو الحجاج الدمشقي الأدمي. وعثمان بن مكي الشارعي، وعبد القادر الرهاوي ومحمد بن مهلهل الحسني، وهو آخر من سمع منه ١ وغيرهم.
ويذكر المنذري أنه حدث ببغداد، ودمشق، ومصر، ودمياط، والإسكندرية ولم يزل يَجمع ويَسْمع ويُسْمع، وذكر أنه ممن حضر عنده وسمع منه ٢، وإذا كان ﵀ قد حدّث في جميع هذه البلدان، وهو بالمكانة التي لا تخفى على أحد، فلنا أن نتصور العدد الهائل من طلاب العلم الذين سمعوا منه وتتلمذوا على يديه، إلا إن كتب التاريخ لم تسعفنا عنهم إلا بأمثلة قليلة ذكرت
_________________
(١) ١ انظر عن تلاميذه تذكرة الحفاظ ٤/١٣٧٣، والقلائد الجوهرية ٢/٤٤٢. ٢ انظر: التكملة ٢/١٩.
[ ٢٨ ]
بعضًا منها.
وكان ﵀ ذا عناية بتلاميذه، يكرمهم، ويحسن إليهم، ويتعهد النابهين منهم ويرشدهم إلى الرحلة من أجل الطلب، بل ويحملهم عليها ويعينهم على أعبائها ١؛ لأنه ﵀ يرى فيها أنجح السبل لتحصيل العلم، من واقع تجربته التي عاشها، وكابدها.
_________________
(١) ١ انظر: السير ٢١/٤٥٠.
[ ٢٩ ]
ثقافته وثناء العلماء عليه
كان الإمام المقدسي شغوفًا بالحديث وعلومه، فقد قضى جل طلبه في هذا الميدان حتى برز فيه، وفاق مشايخه وأقرانه، وأصبح من جهابذته وأعلامه، وإنتاجه العلمي في هذا الفن تميز بالجودة والدقة والإتقان، فكتابه الشهير الضخم في الرجال المعروف بـ «الكمال» والكتاب الذي ألفه مستدركًا فيه بعض الأوهام التي وقع فيها الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتابه «معرفة الصحابة» يدلان على نبوغ وبراعة وإتقان، فعمله في كتاب «تبيين الإصابة» كان عملًا جسورًا هابه جهابذة سواه، فهذا شيخه أبو موسى محمد بن أبي بكر المديني تمنى أن يقوم بهذا العمل فلم يجسر عليه كما ذكر الضياء المقدسي حين قال: فكان الحافظ أبو موسى يشتهي أن يأخذ على أبي نعيم في كتابه الذي في الصحابة فلم يجسر، فلما قدم الحافظ عبد الغني أشار إليه بذلك، قال: فأخذ على أبي نعيم نحوًا من مئتين وتسعين موضعًا ١.
_________________
(١) ١ السير ٢١/٤٥٨.
[ ٣٠ ]
ووصف الذهبي عمله فيه بأنه يدل على براعته وحفظه١.
وللحافظ عبد الغني اهتمامات علمية أخرى، وإن كان اشتهر عنه نبوغه في الحديث بحيث لا يعرف عنه إلا أنه محدث نحرير لا يشق له غبار، فقد درس الفقه والخلاف وأخذ منه بنصيب وافر حتى أصبح فيه متكلمًا، وفي مسائله مناظرًا، وكان أبرز شيوخه في هذا الفن هو وابن خالته الإمام موفق الدين ابن قدامة الشيخ نصر بن فتيان المشهور بابن المنى، والشيخ عبد القادر الجيلي في بغداد، وكان عالمًا في عقيدة السلف متمكنًا فيها واسع الدراية بها، وكان ذا دراية بالمذاهب المخالفة، وكتابه هذا أكبر شاهد على معرفته بعقيدة السلف وتضلعه في مسائلها، وإحاطته بالمذاهب الأخرى.
وله مؤلفات أخرى تدل على تمكنه في هذا العلم العظيم، مثل كتاب التوحيد، وكتاب الصفات، وغيرها.
كما أن تأليفه في مشكل الحديث يدل على أنه عالم لغوي متمكن حيث ألف في ذلك كتابه «غنية الحفاظ في تحقيق مشكل
_________________
(١) ١ نفس المصدر ص٤٤٨.
[ ٣١ ]
الألفاظ» وإن كنت لم أطلع عليه إلا أن عنوانه يدل على أنه في علم الغريب الذي لا يؤلف فيه عادة إلا من كان له من علم العربية نصيب.
أما مكانته بين العلماء وثناؤهم عليه فكان مداره على ما اشتهر به وتبحر فيه، ألا وهو علم الحديث ورجاله، إذ أنه - يرحمه الله - أولاه العناية الكبرى حتى أصبح إمامًا فيه، وجهبذًا من أبرز جهابذته، وعلمًا من أعلامه ومشاهيره. ولذلك وصفه الحافظ الضياء بقوله: كان الحافظ عبد الغني أمير المؤمنين في الحديث ١.
ووصفه ابن النجار بقوله: كان غزير الحفظ، من أهل الحفظ والإتقان والتجويد، قيّمًا بجميع فنون الحديث، عارفًا بقوانينه وأصوله، وعلله، وصحيحه وسقيمه، وناسخه ومنسوخه، وغريبه، ومشكله، وفقهه، ومعانيه، وضبط أسماء رواته، ومعرفة أحوالهم ٢.
_________________
(١) ١ ذيل طبقات الحنابلة ٢/٧، وسير أعلام النبلاء ٢١/٤٤٨. ٢ نقلًا عن ذيل طبقات الحنابلة ٢/٩.
[ ٣٢ ]
ووصفه الحافظ ابن كثير قارنًا بينه وبين شيخه المزي حيث قال: لقد كانا نادرين في زمانهما في أسماء الرجال، حفظًا وإنقانًا، وسماعًا وإسماعًا وسردًا للمتون وأسماء الرجال ١.
وقد دون شيخه أبو موسى المديني ثناءه على الحافظ على كتاب «تبيين الإصابة» حيث قال: قَلَّ من قدم علينا يفهم هذا الشأن كفهم الشيخ الإمام ضياء الدين أبي محمد عبد الغني المقدسي، وقد وفق لتبيين هذه الغَلَطات، ولو كان الدارقطني وأمثاله في الأحياء لصوبوا فعله، وقَلّ من يفهم في زماننا ما فهم. ٢
وقال عنه الضياء: كان شيخنا الحافظ لا يكاد يُسأل عن حديث إلا ذكره وبيَّنه وذكر صحته أو سقمه، ولا يُسأل عن رجل إلا قال: هو فلان بن فلان الفلاني ويذكر نسبه ٣.
هذا قليل من كثير قيل بحق هذا الجهبذ الفذ، فقد نال إعجاب العلماء في عصره وفي كل عصر جاء بعده إلى يومنا هذا، وكتبه تعد مرجعًا أمينًا وكنزًا ثمينًا من كنوز هذا العلم العظيم.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ١٣/٣٩. ٢ سير أعلام النبلاء ٢١/٤٤٩. ٣ نفس المصدر ص٤٤٨.
[ ٣٣ ]
مؤلفاته
لقد كان لبنوغ الحافظ المقدسي، وسعة علمه، وفرط عنايته بجمع كل ما تيسر له من الكتب، أثر بارز في وفرة إنتاجه سيما في مجال الحديث ورجاله، وفي بعض المجالات الأخرى التي لا تنفك عن السنة والتي تعتبر أحد مصادرها مثل علم العقيدة على منهج السلف الصالح.
وفيما يلي أورد ما تيسر لي من عناوين مصنفاته:
١ـ كتاب التوحيد: حقق ضمن رسالة علمية بالجامعة الإسلامية، وله صورة بمكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة والمنورة رقم «١٥٤٤» ضمن مجموعة مصورة عن أصلها بالمكتبة الظاهرية في دمشق.
الجامع الصغير لأحكام البشير النذير: لم يتمه المصنف، ويوجد منه عدة أجزاء مصورة بمكتبة الجامعة الإسلامية برقم
[ ٣٤ ]
«٢٣٢٤»، و«٥٤٨» وأصلها في المكتبة الظاهرية في دمشق.
٣ـ الأحكام: وهو كتاب غير مسند صنفه على أبواب الفقه يقع في ستة أجزاء.
٤ـ الأربعين من كلام رب العالمين: وقد ذكر الحافظ ابن رجب أربعة كتب بعنوان الأربعين، ولم يميز منها في الاسم إلا هذا العنوان الذي أوردت ولعلها أحاديث مختارة في موضوعات متعددة في كل موضوع أربعين حديثًا.
٥ـ الترغيب في الدعاء والحث عليه: وقد حقق ضمن رسالة علمية بالجامعة الإسلامية وله نسخة مصورة عن أصلها بالظاهرية، محفوظة بقسم المخطوطات بالجامعة الإسلامية برقم «٢٣١٢» و«٢٣١٣» ضمن مجموعة.
٦ـ التوكل وسؤال الله ﷿: ومنه نسخة مصورة بمكتبة الجامعة الإسلامية برقم «٢٣١٥» ضمن مجموعة، مصورة عن أصلها بظاهرية دمشق.
الآثار المرضية في فضائل خير البرية: أربعة أجزاء.
[ ٣٥ ]
٨ـ أحاديث الأنبياء: منه صورة في مكتبة الجامعة الإسلامية رقم «١٥٤٤» .
٩ـ أحاديث الشعر: مصور بالجامعة الإسلامية عن أصله في المكتبة الظاهرية ورقمه في الجامعة «٨٧٣» .
١٠ـ كتاب الجواهر: مصور بمكتبة الجامعة الإسلامية برقم «٥٤٩» وأصله في المكتبة الظاهرية.
١١ـ أخبار الحسن البصري: مصور بمكتبة الجامعة الإسلامية عن أصله في المكتبة الظاهرية ورقمه في الجامعة «٧٧٨» ضمن مجموعة.
١٢ـ أخبار الصلاة: مصور بمكتبة الجامعة الإسلامية ضمن مجموعة رقم «٩٦٤» .
١٣ـ كتاب التهجد: جزءان.
١٤ـ كتاب الأسرار: جزءان.
١٥ـ الروضة: أربعة أجزاء.
كتاب الفرج: جزءان.
[ ٣٦ ]
١٧ـ الصلات من الأحياء إلى الأموات، جزءان.
١٨ـ الصفات: جزءان.
١٩ـ اعتقاد الإمام الشافعي، جزء كبير.
٢٠ـ الاقتصاد في الاعتقاد: جزء غير مسند، وهو موضوع عملي هذا.
٢١ـ الأقسام التي أقسم بها النبي ﷺ، جزء.
٢٢ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: جزء.
٢٣ـ المصباح، في عيون الأحاديث الصحاح، ثمانية وأربعين جزءًا يشتمل على أحاديث الصحيحين، يوجد منه بعض أجزاء مصورة في قسم المخطوطات بالجامعة الإسلامية.
٢٤ـ النصيحة في الأدعية الصحيحة: جزء غير مسند.
٢٥ـ اليواقيت في المواقيت: مجلد.
تبيين الإصابة لأوهام حصلت في معرفة الصحابة: ويعني بمعرفة الصحابة كتاب الحافظ أبي نعيم الأصبهاني، وقد عد عمل الحافظ عبد الغني في هذا الكتاب دليل براعته وتمكنه.
[ ٣٧ ]
(راجع الحديث عن ثقافته) .
٢٧ـ تحريم القتل وتعظيمه: يوجد له نسخة مصورة بمكتبة الجامعة الإسلامية رقمها «١٥٤٤» .
٢٨ـ تحفة الطالبين في الجهاد والمجاهدين.
٢٩ـ تذكرة مختصرة في أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد: منها نسخة مصورة في مكتبة الجامعة الإسلامية ضمن مجموع رقم «١٥٣١» .
٣٠ـ جزء في ذكر القبور.
٣١ـ حديث الإفك: يوجد له نسخة مصورة بمكتبة الجامعة الإسلامية فيلم رقم «٣٦٦٧/٢٠» .
٣٢ـ كتاب الحكايات: سبعة أجزاء.
٣٣ـ درر الأثر: على حروف المعجم. غير مسند، ويقع في تسعة أجزاء.
٣٤- ذكر الإسلام: حقق ضمن رسالة علمية بالجامعة الإسلامية،
[ ٣٨ ]
ويوجد له نسخة مصورة بمكتبة الجامعة الإسلامية رقمها «١٥٤٤» ضمن مجموعة.
٣٥ـ ذكر النار: حقق ضمن الرسالة العلمية المشار إليها آنفًا، وله نسخة مصورة بمكتبة الجامعة الإسلامية، ضمن مجموعة رقمها «١٤٩٩» .
٣٦ـ ذم الرياء: جزء كبير.
٣٧ـ ذم الغيبة: جزء كبير.
٣٨ـ رسالة في الجواب عن سؤال معنى لا إله إلا الله المعبود بكل مكان: يوجد منه نسخة مصورة بمكتبة الجامعة الإسلامية برقم «٩٥٥/٤» ضمن مجموعة.
٣٩ـ سيرة النبي ﷺ، جزء كبير، غير مسند.
٤٠ـ عمدة الأحكام من كلام خير الأنام: طبعة بتحقيق محمود الأرناؤط. وهو غير مسند.
٤١ـ غنية الحفاظ في تحقيق مشكل الألفاظ: مجلدان.
٤٢- فضائل الحج: جزء.
[ ٣٩ ]
٤٣ـ فضائل حسان ومقتل عثمان: يوجد له صورة بمكتبة الجامعة ضمن مجموع رقم «٥٦٣» وأصلها في المكتبة الظاهرية.
٤٤ـ فضائل الصدقة: جزء.
٤٥ـ فضائل رمضان: جزء ويوجد له نسختان مصورتان عن أصلهما في الظاهرية ورقمها بالجامعة الإسلامية «٥٥٤،٤٨٤» ضمن مجموعة.
٤٦ـ فضائل الصدقة: جزء.
٤٧ـ فضائل عشر ذي الحجة: جزء.
٤٨ـ فضائل عمر بن الخطاب، ويوجد له نسخة مصورة في مكتبة الجامعة الإسلامية رقمها «٣٦٦٧/١٩» .
٤٩ـ فضائل مكة: أربعة أجزاء.
٥٠- فضل الجهاد: منه نسخة مصورة عن أصلها في الظاهرية، وتوجد في مكتبة الجامعة الإسلامية ضمن مجموع رقم «٥٤٥/٣٧» .
[ ٤٠ ]
٥١ـ الكمال في معرفة الرجال: على رجال الكتب الستة، وهو الذي هذبه الحافظ أبو الحجاج المزي في كتابه «تهذيب الكمال» .
٥٢ـ محنة الإمام أحمد بن حنبل: نشرت بتحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي.
٥٣ـ نهاية المراد من كلام خير العباد في السنن يقع في نحو مائتي جزء، ويوجد منه قطعة مصورة بمكتبة الجامعة الإسلامية ورقمها «٤٩٠» وأصلها في المكتبة الظاهرية.
٥٤ـ مناقب عمر بن عبد العزيز: جزء.
٥٥ـ وفاة النبي ﷺ: جزء١.
وما أوردته ليس حصرًا لمصنفاته فهناك الكثير مما لم يتم، والكثير مما جمعه ولم يبيضه
_________________
(١) ١ مصادري عن هذه المؤلفات: ذيل طبقات الحنابلة ٢/١٨-١٩، والمنهج الأحمد للعليمي ص٣٢٦/خ، وسير أعلام النبلاء ٢١/٤٤٦-٤٤٨، وهدية العارفين ٥/٥٨٩، وفهارس المخطوطات بمكتبة الجامعة الإسلامية.
[ ٤١ ]
وهكذا نرى أن إنتاجه وفير، ومنهجه في التأليف يميل إلى إفراد مهمات المسائل والموضوعات بمؤلفات خاصة، فرحمه الله رحمة واسعة وأجزل له الأجر والثواب، إنه سميع مجيب.
[ ٤٢ ]
محنته
لقد ابتلي كثير من العلماء المخلصين على مر التاريخ بكثير من المحن، لثباتهم على الحق وصمودهم في وجه أعدائه، وعدم ممالاة الحكام والسلاطين، ومجاراتهم في أهوائهم، فهذا إمام أهل السنة أحمد بن حنبل اصطلى بنار المبتدعة من أرباب الإعتزال في عصره وسلطانهم الذي سخروه لخدمة فكرهم، فما انقاد لما يريدون، ولا ضعف أمام بطشهم ولا استكان، بل صمد صمود الرواسي، فأظهر الله الحق على يديه في مسألة من أخطر ما تكلم فيه المبتدعة في ذلك العصر، ألا وهي مسألة القول بخلق القرآن، فكان لموقفه العظيم هذا أثره الكبير في قمع البدعة وانحسار سلطانها، وظهور الحق على الباطل في ملحمة تاريخية فريدة، سجلها رجل واحد بسبب صموده وتحديه لأئمة البدعة والضلال وسلطانهم الذي كان يناصرهم، ويحمل على اعتناق فكرهم لا بالإقناع - ففكرهم متهافت مصادم لفطر العقول المستقيمة والأفكار المستنيرة بنور
[ ٤٣ ]
والوحي - بل بالقتل والضرب والتعذيب، وهذا شأن كل مفلس من الحق، لا يتورع أن يسلك ما استطاع من وسائل لنشر باطله، وقمع خصومه.
ولنا مثل آخر ناصع الدلالة والبيان على إفلاس أرباب الأفكار المتهوكة من كل إقناع يؤيد فكرهم، ويظهر باطلهم، فهذا الإمام الحافظ أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري الهروي المتوفي سنة٤٨١هـ، تألب عليه المبتدعة لإظهاره الحق ووقوفه بحزم في وجه الباطل، وحاولوا بما استطاعوا من حيل ووسائل لاستخدام السلطان وإيغار صدره عليه لينتقم منه ويبطش به، لأنهم أفلسوا فكريًا، وما استطاعوا أن يدافعوا عن باطلهم أمام صولة الحق الدامغ الذي كان يقرره الإمام الهروي، مستندًا إلى أنصع دليل وأوضح حجة، من خلال كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فبلغ بهم الإسفاف والحقد إلى أن يحيكوا ضده مؤامرة قذرة تمثلت في حملهم صنمًا صغيرًا من نحاس، جعلوه في المحراب تحت سجادة الشيخ الهروي، ودخلوا على السلطان مستغيثين مولولين بأن الشيخ مجسم، ودليلهم على ذلك الصنم الذي وضعوه سجادته وقالوا - ظلمًا وزورًا وبهتانًا - بأنه هو الذي وضعه لأنه يزعم أن الله
[ ٤٤ ]
على صورته. ولكن الله أبطل مكيدتهم، ورد كيدهم إلى نحورهم فانكشف للسلطان مكرهم وخبثهم وكذبهم، وأقروا بصنيعهم فارتد كيدهم إلى نحورهم ١.
وهذه محنة الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية الذي مات في السجن لدفاعة عن الحق وصموده في وجه الباطل.
تلك أمثلة يسيرة مما حصل لعلماء الأمة المخلصين، ليس الإمام المقدسي بدعًا من هؤلاء، فقد أراد الله له الخير بأن جعله من المبتلين الصابرين، فالإبتلاء سنة الله في أهل الخير والصلاح، فالأنبياء ﵈ أكثر الناس ابتلاءًا يليهم الأمثل فالأمثل من أتباعهم. وهذه قصة الإمام المقدسي في محنته كما روتها لنا كتب التاريخ، وموقفه فيها، وصموده في وجه طغاتها، مثل آخر على حقد المبتدعة على أهل السنة والجماعة وعلمائهم، فقد كان الإمام المقدسي متأثرًا بالإمام أحمد وسيرته العطرة وآرائه السديدة تأثرًا كبيرًا، حتى إنه دعا الله تعالى أن يرزقه سيرة مثل سيرته، فقد ذكر الذهبي نقلًا عن الحافظ الضياء المقدسي أحد تلامذة الإمام عبد الغني
_________________
(١) ١ انظر هذه القصة في تذكرة الحفاظ للذهبي ٣/١١٨٨.
[ ٤٥ ]
قال: سمعت أبا محمد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الجبار يقول: سمعت الحافظ يقول: سألت الله أن يرزقني مثل حال الإمام أحمد، فقد رزقني صلاته قال: ثم ابتلي بعد ذلك وأوذي.١
ونظرًا لما للحافظ من مكانة علمية عالية لم تتوفر لأحد من أبناء عصره، وما كان يبذله من جهد في نشر العلم الصحيح، متمسكًا في ذلك بالكتاب والأثر، فقد كثر حساده ومخالفوه من المبتدعة، الذين لا يفتأون على مر التاريخ يحاربون أهل السنة والجماعة، فجعلوا يجتهدون في إيذائه والنيل منه، ذكر الحافظ ابن رجب أن الحافظ عبد الغني كان يحدث بدمشق، وينتفع الناس به إلى أن تكلم في الصفات والقرآن بشيئ أنكره عليه أهل التأويل من الفقهاء، وشنعوا عليه٢فضايقوه في جامع دمشق، وكادوا له كثيرًا، ودبروا له بعض المؤامرات التي أثاروا بها أنصار الفريقين، ثم أغروا به الوالي زاعمين أنه هو وأصحابه من الحنابلة إنما يريدون الفتنة، وذكروا مخالفته
_________________
(١) ١ السير ٢١/٤٥٨، وتذكرة الحفاظ ٤/١٣٧٨، وذيل طبقات الحنابلة ٢/١٩. ٢ انظر: ذيل طبقات الحنابلة ٢/٩.
[ ٤٦ ]
لهم في الاعتقاد، وطلبوا مناظرته، وأرادوا حمله على أن يقول بقولهم، ويعتقد عقيدتهم، ويسجل ذلك لهم بخط يده، ولكنه صمد في وجوههم فناظرهم وأظهره الله عليهم، فما كان منهم إلا أن رفعوا كل ما يختص به وبأصحابه من جامع دمشق بإذن من واليها، وكسروا منبره ومنعوه من الجلوس، ومنعوا أصحابه حتى من الصلاة في الجامع، وكادت تحصل فتنة عظيمة، لولا أن الحافظ كان حكيمًا، فآثر الخروج من دمشق درءًا لشرهم فمضى إلى بعلبك، ومنها إلى مصر، فلاحقه أهل دمشق الذين أرسلوا إلى ملكها العزيز عثمان رسولًا حاملًا إليه افتراءاتهم وتشنيعاتهم على الحافظ، ولكن الله وقاه شر هذه المكيدة، فأقام في مصر معززًا مكرمًا في حماية ملكها الجديد الملك العادل، رغم ما بذله المخالفون في مصر من جهد في سبيل إيذائه، حيث حاولوا إيغار صدر الملك عليه، حتى يقال إنه قد بلغ الأمر ببعضهم أن بذل أموالًا طائلة من أجل قتله، ولكن الله نجاه من مكيدتهم، فلما سافر الملك العادل إلى دمشق وحل محله الملك الكامل، عزم هذا على إخراج الحافظ من مصر لكثرة ما قاله فيه عنده المخالفون، واعتقل في دار سبع ليال، وصفها ﵀
[ ٤٧ ]
بقوله: " ما وجدت راحة بمصر مثل تلك الليالي ".١
إلا أنه بعد أن تأكد للملك سوء مقاصد مخالفيه وخبث طويتهم وأنهم حاسدون له، وحانقون عليه بسبب تشبثه القرآن والسنة في الاعتقاد خلى سبيله وأمر بعدم التعرض له ٢.
فما أشبه موقف هؤلاء من الحافظ المقدسي بموقف اسلافهم من المبتدعة من إمام أهل السنة الإمام أحمد، الذي دعا الحافظ الله أن يرزقه حالًا مثل حاله، فكان له ما أراد.
وليست هذه هي المحنة الوحيدة التي حصلت للإمام المقدسي بل حصلت له محنتان أخريان، إحداهما في أصبهان، والأخرى بالموصل.
فأما بالموصل: فيذكر الحافظ الضياء أن الإمام عبد الغني حينما استدرك على أبي نعيم في كتابه معرفة الصحابة نحوًا من مئتين وتسعين موضعًا، استاء لذلك صدر الدين أبو بكر محمد بن
_________________
(١) ١ انظر: ذيل الطبقات ٢/٢١،٢٥، والسير ٢١/٤٥٩-٤٦١. ٢ انظر ما ذكره ابن رجب من قصص تؤيد ذلك ٢/٢٦من الذيل.
[ ٤٨ ]
عبد اللطيف بن محمد الخجندي، رئيس الشافعية بأصبهان، وكان أشعريًا متعصبًا لأبي نعيم، فطلب الحافظ عبد الغني فأراد هلاكه لذلك فاختفى. ١
أما بالموصل فيحكي الحافظ قصته قائلًا: كنا بالموصل نسمع الضعفاء للعقيلي، فأخذني أهل الموصل وحبسوني، وأرادوا قتلي من أجل ذكر شيئ فيه، فجاءني رجل طويل ومعه سيف، فقلت: يقتلني وأستريح، قال: فلم يصنع شيئًا، ثم اطلقوني ٢.
وسبب خلاصه: أن أحد من كان يسمع معه قلع ذلك الشيئ الذي أغضب أهل الموصل - من الكراس - ولعله كان يتصل بأبي حنيفة - فلما أرسلوا وفتشوا عما يريدون لم يجدوا شيئًا ٣.
وهكذا نرى أن الحافظ عبد الغني قد ناله أذى كثير من أجل ثباته على عقيدته، وعدم مداهنته للمبتدعة، فقد كان ﵀ لا يخاف في الله لومة لائم.
_________________
(١) ١ انظر: السير ٢١/٤٥٨-٤٥٩. ٢ نفس المصدر ص٤٥٩. ٣ نفس المصدر.
[ ٤٩ ]
عقيدته
الإمام عبد الغني المقدسي ﵀ رزقه الله العلم الشرعي الخالي من شوائب الآراء السقيمة والأهواء العقيمة، فقد ترعرع في أحضان السنة النبوية الشريفة، ورتع من رياضها الورافة، حتى أصبح علمًا من أعلامها، إذا تحدث أنصت له الناس، وإذا ألف تقلى طلاب العلم، بل والعلماء تأليفاته بالقبول، فذاعت بينهم ونفع الله بها، وأصبحت مثالًا يحتذى في الدقة والإلتزام، وإذا كان هذا هو مرتعه فلن يكون له إلى غيره معدلًا، ولا يمكن أن يرضى بسواه بدلًا وكان قد دعى - كما سبق أن أسلفت - أن يرزقه الله حالًا كحال إمام أهل السنة أحمد بن حنبل، فكان له ما أراد، فقد تأثر به تأثرًا كبيرًا في مسلكه ومنهجه، والإمام أحمد كان إمامًا في العلم والعمل، والمنهج والسلوك، فقد كان قدوة صالحة بأسلوبه المميز في إيضاح العقيدة الصحيحة، والجهاد في إقرارها والدفاع عنها، فقد كافح ونافح، ووقف سدًا منيعًا في وجه الدخلاء على عقيدة الأمة،
[ ٥٠ ]
الذين حاولوا النيل منها، وزعزعة منهجها القويم، واشتهر هو وأتباعه بالتمسك بعقيدة السلف، والذب عنها، وتأليف الكتب في إيضاحها وترسيخها، ولجم خصومها، بالحجج الدامغة، والأدلة الواضحة، ولذلك كانت مؤلفات الإمام عبد الغني المقدسي تقصد إلى الهدف نفسه، حيث سار على منهج السلف في التأليف في العقيدة، فقد جعل من نصوص الكتاب والسنة مدارًا لما يهدف إليه، مجانبًا للكلام المذموم، فمنها ما هو سرد للنصوص بأسانيدها، كما هو الحال في كتاب التوحيد إلا أن عقيدته تتضح لنا أكثر من ثنايا هذا الكتاب الذي هو موضوع دراستي هذه، حيث ألفه بأسلوب يقرر به عقيدته التي هي عقيدة السلف، ويتضمن الرد على الخصوم، مستندًا في كل ما يقول إلى نصوص الكتاب والسنة، وأقوال سلف الأمة، فيقول في أوله: " اعلم وفقنا الله وإياك لما يرضيه من القول والنية والعمل، وأعاذنا وإياك من الزيغ والزلل، أن صالح السلف وخيار الخلف، وسادة الأئمة، وعلماء الأمة، اتفقت أقوالهم، وتطابقت آراؤهم على الإيمان بالله ﷿، وأنه أحد فرد صمد، حي قيوم، سميع بصير، لا شريك له ولا وزير، ولا شبيه ولا نظير، ولا عِدْل، ولا مثل، وأنه ﷿ موصوف بصفاته القديمة التي نطق بها
[ ٥١ ]
كتابه العزيز الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيد﴾ وصح بها النقل عن نبيه، وخيرته من خلقه، محمد سيد البشر ولم يدع لملحد مجالًا، ولا لقائل مقالًا. . فآمنوا بما قال الله سبحانه في كتابه، وصح عن نبيه، وأمَرّوه كما ورد من غير تعرض لكيفية، أو اعتقاد شبهة أو مثلية، أو تأويل يؤدي إلى التعطيل، ووسعتهم السنة المحمدية، والطريقة المرضية، ولم يتعدوها إلى البدعة المُرْدية الرّديّة، فحازوا بذلك الرتبة السنية والمنزلة العلية " ١.
ثم شرع بعد ذلك في تفصيل القول في الصفات بإيراد أدلتها من الكتاب والسنة، وأقوال سلف الأمة مثل صفتي العلو والاستواء، الذي قال بعد إيراد أدلتهما: " وفي هذه المسألة أدلة من الكتاب والسنة يطول بذكرها الكتاب، ومنكر أن يكون الله في جهة العلو بعد هذه الآيات والأحاديث، مخالف لكتاب الله، منكر لسنة رسول الله "
_________________
(١) ١ راجع ص٧٩،٨٠.
[ ٥٢ ]
وقال ﵀ معقبًا على حديث الجارية التي سألها الرسول ﷺ: أين الله؟ فقالت: في السماء: " ومن أجهل جهلًا، وأسخف عقلًا، وأضل سبيلًا ممن يقول إنه لا يجوز أن يقال: أين الله، بعد تصريح صاحب الشريعة بقوله " أين الله "؟! ١
وقال معقبًا على ما أورده من أدلة لإثبات صفة الوجه: " فهذه صفة ثابتة بنص الكتاب وخبر الصادق الأمين، فيجب الإقرار بها، والتسليم، كسائر الصفات الثابتة بواضح الدلالات "٢.
وفي صفة النزول سار على المنوال نفسه، فأثبت بالأدلة، ونفى جواز التأويل حيث قال: " وتواترت الأخبار، وصحت الآثار، بأن الله ﷿ ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، فيجب الإيمان به، والتسليم له وترك الإعتراض عليه، وإمراره من غير تكييف، ولا تمثيل، ولا تأويل، ولا تنزيه ينفي حقيقة النزول ولا يصح حمله على نزول القدرة، ولا الرحمة، ولا نزول الملك "٣.
_________________
(١) ١ راجع ص٨٩. ٢ راجع ص٩٨. ٣ راجع ص١٠٠، ١٠١
[ ٥٣ ]
وهكذا في بقية ما أورده من صفات، إثبات مقرون بالتحذير من التشبيه والتعطيل، وهذا هو مذهب السلف الذي به يقولون، وعنه ينافحون، ألا ترى إلى قول الحافظ أبي عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني ﵀: " إن أصحاب الحديث المتمسكين بالكتاب والسنة، يعرفون ربهم ﵎ بصفاته التي نطق بها كتابه وتنزيله، وشهد له بها رسوله، على ما وردت به الأخبار الصحاح، ونقله العدول الثقات، ولا يعتقدون تشبيهًا لصفاته بصفات خلقه، ولا يكيفونها تكييف المشبهة، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه تحريف المعتزلة والجهمية، وقد أعاذ الله سبحانه أهل السنة من التحريف والتكييف، ومَنَّ عليهم بالتفهم والتعريف، حتى سلكوا سبيل التوحيد والتنزيه، وتركوا القول بالتعطيل والتشبيه"١، وهذا هو المنهج الذي سار عليه الإمام عبد الغني المقدسي ﵀ فهو سلفي العقيدة منهجًا وتقريرًا، وجميع ما ورد في كتابه هذا، وفي غيره من الكتب المؤلفة في مسائل العقيدة
_________________
(١) ١ ذكره عنه بسنده الإمام ابن قدامة المقدسي في ذم التأويل ص١٦، وانظر عقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني ضمن الرسائل المنيرية ١/١٠٦-١٠٧.
[ ٥٤ ]
دليل على ذلك، فقد اشتملت على بيان مجمل لعقيدة السلف، بأسلوب تميز بالإلتزام بمنهج الوحي، وعدم تجاوزه إلى الكلام الممقوت، الذي ارتضاه المتأخرون، فجانبوا به طريق الحق، ووقعوا في حبائل الكائدين من أعداء الإسلام، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
[ ٥٥ ]
وفاته
توفي ﵀ يوم الإثنين، الثالث والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ستمائة من الهجرة النبوية، ودفن بالقرافة١ في مصر يوم الثلاثاء، وشيعه خلق كثير من الأئمة والأمراء ٢.
وكانت وصيته ﵀ لابنه موسى هو: المحافظة على علم الحديث الذي تعب في جمعه وخدمته، وتقوى الله تعالى، والمحافظة على طاعته٣، وكانت أمنيته الجنة والنظر إلى وجه الله الكريم، فأنعم بها من وصية تهم كل مسلم يرجو أن يلقى الله تعالى
_________________
(١) ١ القَرَافَةُ: خطة بالفسطاط من مصر، وقرافة بطن من المعافر نزلوها فسميت باسمهم، وكانت في ذلك الوقت مقبرة أهل مصر. انظر: معجم البلدان ٤/٣١٧. ٢ انظر: سير أعلام النبلاء ٢١/٤٦٧، وذيل طبقات الحنابلة ٢/٢٩، والمنهج الأحمد ص٣٢٧ خ، والقلائد الجوهرية ٢/٤٤٢، والبداية والنهاية ١٣/٣٩. ٣ نفس المصادر.
[ ٥٦ ]
وهو عنه راض، وأنعم بها من أمنية هي غاية عمل العاملين. فرحم الله هذا الإمام الجِهْبذ، الذي قضى عمره خادمًا لسنة رسول الله، مجاهدًا من أجل حماية عقيدة السلف، آمرًا بالمعروف، وناهيًا عن المنكر، لا يهمه من الدنيا إلا ما يقيم صلبه، مستعينًا به على طاعة الله، فقد كانت سيرته مثلًا يحتذى، واجتهاده في تحصيل العلم مثلاُ يضرب، وهاهم طلاب العلم - إلى يومنا هذا - ينهلون من معين علمه، ويفيدون من اجتهاده وجهاده، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
[ ٥٧ ]
(التعريف بالكتاب)
موضوع الكتاب
للإمام الحافظ عبد الغني المقدسي مؤلفات عظيمة في خدمة عقيدة السلف الصالح، فقد سار على منهاجهم فيها تأليفًا لنصوصها، وتقريرًا وإيضاحًا لمسائلها، وله جهاد بارز في مقارعة المبتدعة، حيث ناله بسبب عقيدته السلفية الملتزمة كثير من الأذى - كما تقدم عند الكلام عن محنته - فأصابه فيها ما أصاب أسلافه، وإذا كان ﵀ قد ألف قدرًا لا بأس به من الكتب في إيضاح عقيدة السلف وتقريرها، مثل كتاب التوحيد الذي سار فيه على طريقة السلف، حيث ساق أدلة مسائله بإسنادها، دون أن يعلق عليها، لأنه من عادة علماء السلف أن يوردوا النصوص مسندة، ولا يخوضوا في بيان معانيها، لأنهم يرون ذلك من الأمور المسلمة، إذ من منهجهم الذي رسموه لأنفسهم في هذا الباب أن يوردوا النصوص ويقفوا عليها لوضوح معناها، وجلاء دلالتها.
إلا أنهم قد يضطرون إلى الخروج عن هذه القاعدة بسبب ما
[ ٥٨ ]
ابتلوا به من طوائف ندّت عن منهج السلف، الذي هو منهج القرآن، وفضلوا اتباع أساليب الأدعياء من فلاسفة اليونان، وحذروا من الاعتماد على ما في نصوص الوحي من البيان يقول ابن المرتضي اليماني واصفًا حالهم: " نبغ في هذا الزمان من عادى علوم القرآن، وفارق فريق الفرقان، وصنف في التحذير من الإعتماد على ما فيه من التبيان، في معرفة الديان، وأصول قواعد الأديان، وحث على الرجوع في ذلك إلى معرفة قواعد المبتدعة واليونان، منتقصًا لمن اكتفى بما في معجز التنزيل من البرهان، مقبحًا لتلقي كثير من محكماته بالقبول والإيمان، لا جرم أن الله تعالى وإن وصفه بأنه لقوم هدى، فقد وصفه بأنه على قوم عمى، فحسبوه حين عموا عنه وصموا أنه لأمر يرجع إلى ذاته، ولخلل يعود إلى بَيّن آياته، ولم يعلموا أن ذلك يخصهم، لما في قلوبهم من العمه والعمى، والرداءة والرديء، فكأنهم المنافقون ريبًا وخبثًا وبهتانًا، حين قالوا أيكم زادته هذه إيمانًا.
ومن يك ذا فم مرّ مريض يجد مُرًا به الماء الزلالا "١
_________________
(١) ١ ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان ص٨.
[ ٥٩ ]
وهؤلاء لم يكونوا في عهد ابن المرتضي الذي عاش في القرنين الثامن والتاسع وحسب بل ظهروا بين المسلمين في وقت مبكر. ولذلك ألف بعض علماء السلف كتبًا في الرد على هذه الطوائف، على طريقتهم المعهودة التي تتمثل في إيراد الأدلة من الكتاب والسنة والأثر، وقد يُتْبعون الأدلة بعض الايضاحات، ويشرعون في تفنيد باطلهم بطريقة تستند إلى نصوص الكتاب والسنة، وأقوال سلف الأمة وإلى العقل الذي يوافق النقل.
والإمام المقدسي ﵀ ألف كتابه هذا لغرضين:
١ - تقرير المذهب الحق في المسائل العقدية التي تحدث عنها، بأدلته من الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة.
٢ - الرد على المبتدعة، ليس بعرض آرائهم، وأدلتهم ومناقشتها، بل بسوق الأدلة النقلية، بل والعقلية أحيانًا، وهو يفترض أنه إنما يخاطب مسلمين يريدون الحق، فبأيضاحه بأدلته من نصوص الوحي، يكون قد أوضح بطلان ما سواه الذي لاحظ له من أدلة الكتاب والسنة، بل وأبطل بصريح العبارة ووضوح الاستدلال دعوى من يزعم أن ما يذهب إليه من القول بالتأويل، أو التفويض هو
[ ٦٠ ]
مذهب السلف. لأنه حينما يذكر في بداية كتابه هذا إجماع السلف، وخيار الخلف، وسادة الأئمة، وعلماء الأمة على أنه سبحانه موصوف بصفات الكمال التي وردت بها أدلة الوحي من نصوص الكتاب والسنة، من غير تعرض لكيفية أو اعتقاد شبهة أو مثلية، أو تأويل يؤدي إلى التعطيل، فإنه يشير بذلك إلى تفرق من سواهم وتعدد آرائهم، وتنوع مشاربهم، وهذا أكبر الشواهد على مجانبتهم للحق، لزيغهم عن الطريق الموصلة إليه، شرع ﵀ بعد ذلك في تفصيل القول في الصفات صفة صفة، فتحدث عن الإستواء، والعلو، والنزول، والوجه واليدين، وصفة الكلام، وغير ذلك من الصفات، موردًا أدلتها مفصلة من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة.
وله على بعضها تعقيبات تتضمن إيضاح تهافت آراء المخالفين، ومما اشتمل عليه الكتاب من مسائل العقيدة: الحديث عن القضاء والقدر، والإسراء والمعراج، والحوض، وعذاب القبر، ومسألة منكر ونكير، والجنة والنار، والإيمان بالميزان، ثم تحدث عن مسائل الإيمان، وخروج الدجال، ونزول عيسى، والإيمان بملك الموت، وأنه يذبح يوم القيامة على هيئة كبش أملح، ثم تحدث عن خصائص الرسول
[ ٦١ ]
ﷺ والمفاضلة بين الخلفاء وسائر الصحابة، والشهادة لمن شهد له الرسول ﷺ بالجنة، وعن فضل الإتباع وخطر الإبتداع.
وقد حاول أن يكون كتابه هذا شاملًا لجميع مسائل العقيدة، مظهرًا في حديثه أصالة مذهب السلف، وأنه مذهب مقتصد حيث أحب أن يحمل كتابه هذا اسم «الاقتصاد في الاعتقاد» لأن مذهب السلف كان وسطًا بين طرفي الإفراط والتفريط، وهذا هو معنى الاقتصاد كما ذكر الإمام ابن القيم ﵀ حين قال: " والفرق بين الاقتصاد والتقصير: أن الاقتصاد هو التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط، وله طرفان هما ضدان له: تقصير، ومجاوزة، فالمقتصد قد أخذ بالوسط وعدل بين الطرفين والدين كله بين هذين الطرفين بل الإسلام قصد بين الملل، والسنة قصد بين البدع، ودين الله بين الغالي فيه والجافي عنه.. وما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: فإما إلى غلو ومجاوزة، وإما إلى تفريط وتقصير، وهما آفتان لا يخلص منهما في الاعتقاد والقصد والعمل إلا من مشى خلف رسول الله ﷺ، وترك أقوال الناس وآراءهم لما جاء به، لا من ترك ما جاء به لأقوالهم وآرائهم، وهذان المرضان الخطران قد استوليا على أكثر بني آدم، ولهذا حذر السلف منهما أشد التحذير، وخوفوا
[ ٦٢ ]
من بلى بأحدهما بالهلاك، وقد يجتمعان في الشخص الواحد كما هو حال أكثر الخلق، يكون مقصرًا مفرّطًا في بعض دينه، غاليًا متجاوزًا في بعضه، والمهدي من هداه الله "١.
وهذا هو الاقتصاد الذي أراده المصنف عنوانًا لهذا الكتاب، وقد أدى كتابه هذا ما هدف إليه من إيضاح الحق بأدلته الناصعة من القرآن والسنة، وأقوال أئمة السلف، وبيان أن السلف ﵏ أعدل الطوائف في باب الاعتقاد، حيث ساروا خلف رسول الله ﷺ وأصحابه، ضاربين بكل ما يخالف منهج الوحي عرض الحائط، متمسكين بنصوصه، ولم يغلو في إثبات ما جاءت به على خلاف منطوقها في الإثبات، ومفهوم القواعد العامة التي وضعت لهذا الإثبات، حيث تجاوزوا الإفراط في الإثبات الذي يؤدي إلى التشبيه، والتفريط فيه الذي أدى إلى التعطيل، فسلكوا مسلك الوحي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، كما أنهم لم يُفْرطوا في إثبات القدر إلى حد القول بالجبر، كما فعلت الجبرية،
_________________
(١) ١ الروح ص٣٨٤.
[ ٦٣ ]
ولم يُفرّطوا تفريط المعتزلة الذي أداهم إلى ادعاء أن العبد يخلق فعله سالبين الله القدرة على ذلك، بل اثبتوا للعبد قدرة واختيارًا في حدود علم الله السابق ومشيئته النافذة ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ .
وكذا الحال في الإيمان، كانوا وسطًا بين من يقول بأنه كل لا يتجزأ، فكَفّروا من أخل بشيئ منه كما يقول الخوارج، وبين من يقول بأنه مجرد المعرفة، وأنه لذلك لا تضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة. لأن الإيمان عندهم لا يزيد ولا ينقص ولا يتفاضل أهله فيه، كما يقوله المرجئة الخالصة.
أما السلف فكان قولهم وسطًا بين الفريقين حين قالوا: إنه يزيد وينقص ويتفاضل أهله فيه والعاصي مؤمن فاسق، واقع تحت مشيئة الله تعالى مستحق لعقابه.
وهكذا الشأن في مسائل العقيدة كلها، كانوا فيها وسطًا بين جميع الطوائف، لأن منبع رأيهم الإتباع لا الابتداع، وذلك بالسير على هدي خير العباد صلوات الله وسلامه عليه.
_________________
(١) أما مخالفوهم من الفرق الكلامية التي زاغت عن المنهج الحق،
[ ٦٤ ]
والطريق الأقوم، فإنهم سلكوا مناهج عقلية سقيمة، بعيدة كل البعد عن منهج الإسلام الصحيح، وهي مناهج هزيلة، تعجز حتى عن اقناع أصحابها، فضلًا عن قدرتها على إقناع الآخرين، لأنها مجرد جدل عقيم لا فائدة منه، فهي في غاية التهافت والقصور، وفي غاية التباين والاختلاف، وذلك من أبرز سمات المناهج العقلية المجردة.
ومن أمعن النظر في مناهج المتكلمين يجدها تثير من الشبه ما تعجز معه عن الإقناع، لأنها تمثل منهجًا شيطانيًا يؤدي إلى الفرقة والاختلاف، ولذلك كان مصير أساطينه الحيرة والإعتراف بالعجز وعدم الاهتداء، ورجوع كثير منهم إلى مذهب السلف بعد أن أدركوا إفلاس مناهجهم، وتملكتهم الحيرة، فأعلنوا التوبة، وعضوا أصابع الندم على ما فات من حياتهم التي قضوها في القيل والقال، الذي يهدم ولا يبني، ويفسد ولا يصلح، ويفرق ولا يجمع ١.
فعلم التوحيد لا يؤخذ من عقول الرجال، لأنه أساس الدين الذي عليه تنبني فروعه، فالمصدر الأوحد له هو الوحي المتمثل في
_________________
(١) ١ انظر: مقدمة إثبات صفة العلو ص٣٩-٤٠.
[ ٦٥ ]
الكتاب والسنة ومفهوم السلف الصالح لنصوصه.
أما المذاهب الكلامية فهي مذاهب دخيلة هدامة لا تمت إلى الإسلام بصلة. نسأل الله الهداية إلى الحق والثبات عليه
[ ٦٦ ]
اسم الكتاب ونسبته إلى مؤلفه
النسخ التي بين أيدينا افتتحت بنسبة محتواها إلى عبد الغني المقدسي، وكتب عليها: " هذه عقيدة الشيخ الحافظ تقي الدين أبي محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي ".
وهذا بالتأكيد ليس هو العنوان الذي اختاره له مؤلفه، وإنما هو عنوان وضعه النساخ باعتبار أن الموضوع عقيدة، والمؤلف هو عبد الغني المقدسي ولكنني بعد تتبع مؤلفاته وما ورد في وصفها، تبين لي أن هذا الكتاب عنوانه الصحيح «الاقتصاد في الاعتقاد» ودليلي على ذلك ما يأتي:
١ - أن هذا العنوان ذكر ضمن مؤلفات الحافظ عبد الغني المقدسي، ذكره كل من:
ابن رجب في ذيل طبقات الحنابلة، وعبد الرحمن العليمي في المنهج الأحمد، وابن طولون في القلائد الجوهرية، ووصفوه
[ ٦٧ ]
بأنه جزء، ووصفه ابن رجب بأنه كبير، واتفقوا على أنه غير مسند١. وذكره أيضًا إسماعيل باشا في هداية العارفين ٢.
٢ - هذا الوصف لا ينطبق إلا على هذا الكتاب من مؤلفات المقدسي في العقيدة، لأن بقية مؤلفاته فيها وصفت بأنها مسندة، وقد وجدتها جميعًا مسندة، عدا كتاب الصفات الذي وصف بأنه جزءان وذكر ضمن المؤلفات المسندة، وهذا يعني أنه ضعف حجم هذا الكتاب، وإذا كان كتاب «الاقتصاد في الاعتقاد» هو الوحيد من مصنفاته في العقيدة الذي وصف بأنه غير مسند، فإن هذا يقطع بأنه هذا الكتاب الذي بين أيدينا لأنه جزء في العقيدة غير مسند، ولم يوصف بهذا الوصف غيره من مؤلفات المقدسي في هذا الفن.
٣ - أن شمول الكتاب وطريقة مؤلفه في عرض مسائله تتفق تمامًا مع هذا الاسم، لأنه عبارة عن عرض لعقيدة السلف في جميع المسائل العقدية تقريبًا بأدلتها من الكتاب والسنة وأقوال سلف
_________________
(١) ١ انظر: ذيل طبقات الحنابلة ٢/١٩، والمنهج الأحمد للعليمي ص٢٢٦ خ، والقلائد الجوهرية ٢/٤٤١. ٢ ٥/٥٨٩.
[ ٦٨ ]
الأمة، وقد تقدم بيان معنى الاقتصاد وملائمته لموضوع الكتاب.
٤ - لم أجد من ذكر للمقدسي كتابًا في العقيدة يتسم بالشمول، وغير مسند بحيث يمكن أن يلتبس مع هذا الكتاب. فجميع ما ورد من معلومات تؤيد ما ذهبت إليه من أن عنوان الكتاب هو الاسم الذي ذكر ضمن مؤلفاته «الاقتصاد في الاعتقاد» .
أما عن نسبة الكتاب إلى مؤلفه فإن النسخ الخطية التي بين أيدينا كتب عليها نسبة هذا الكتاب إلى الإمام المقدسي، وقد ذكر كما اسلفت بعنوان الاقتصاد في الاعتقاد ونسبه إليه كل من ذكره ضمن مؤلفاته بهذا الاسم، فلا أشك في صحة هذه النسبة سيما إذا علمنا أن بعض الألفاظ التي أخذها المبتدعة عليه وامتحنوه بسببها موجودة في هذا الكتاب، مثل ما أورده ابن رجب وهو قوله: " ولا أنزهه تنزيهًا ينفي حقيقة النزول "١.
_________________
(١) ١ راجع ص١٠٠.
[ ٦٩ ]
ومسألة الحرف والصوت، وقد تحدث عنها في هذا الكتاب حيث أثبت أن الله يتكلم بحرف وصوت ١.
_________________
(١) ١ راجع ص١٤٩.
[ ٧٠ ]
نسخ الكتاب
لقد تيسر لي الحصول على نسختين خطيتين لهذا الكتاب:
النسخة الأولى:
من محفوظات المكتبة السعودية العامة بالرياض، التابعة للرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد برقم «٦٨٦/٨٦» ضمن مجموعة، وهي بخط نسخ جيد مكتوبة بقلم القاضي الشيخ إبراهيم بن حمد بن محمد بن عيسى المتوفي سنة ١٢٢٨هـ، وتقع في ست عشرة صفحة، عدد أسطر الصفحة الواحدة ما بين «٢١-٢٢» سطرًا، كلمات السطر الواحد ما بين «١٨-٢٠» كلمة.
وقد اعتمدت هذه النسخة أصلًا لوضوحها ودقتها، ورمزت لها بكلمة «الأصل» .
[ ٧١ ]
النسخة الثانية:
أهداها إلي - مشكورًا مأجورًا إن شاء الله - فضيلة الشيخ الوليد بن عبد الرحمن آل فريان، وهي أيضًا بخط نسخ جيد وتقع في ثلاث وعشرين صفحة، عدد أسطر كل صفحة «٢٠» سطرًا، وكلمات كل سطر ما بين «١١-١٣» كلمة. وسجل في نهايتها الشهر واليوم الذي فرغ من نسخها فيه، ولم يذكر العام. وقد رمزت لهذه النسخة بحرف «ل» .
وقد طبع هذا الكتاب بعنوان «عقيدة الحافظ تقي الدين عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي» بتحقيق فضيلة الشيخ / عبد الله البصيري عام ١٤١١هـ، ونشرته دار الإفتاء السعودي بالرياض، وسبق أن ذكرت عنوانه الصحيح، وقد وصلني بعد أن أوشكت على الإنتهاء من عملي، وأترك الحكم في الفرق بين العملين للقارئ الكريم فسيتبين له ذلك إن شاء الله.
[ ٧٢ ]
عملي في الكتاب
اتبعت في خدمة هذا الكتاب الخطوات التالية:
١ - تحقيق النصوص الواردة فيه حتى يخرج على أقرب صورة تركه عليها المصنف - قدر الإمكان - ولذلك قمت بمقابلة النسختين وإثبات الفروقات بينهما في الهامش، معتمدًا عبارة الأصل، ما لم يكن لفظ النسخة الأخرى أصح فأثبته وأشير إلى لفظ الأصل في الهامش، وهذا قليل جدًا، لأن نسخة الأصل أكثر دقة، وقد أستعين في الضبط بمصادر الحديث.
٢ - تخريج الأحاديث والآثار التي أوردها المصنف، بإحالتها إلى مواضعها من كتب السنة ما استطعت إلى ذلك سبيلًا.
٣ - دراسة الأحاديث والآثار من حيث الصحة أو الضعف معتمدًا كلام العلماء فيها.
٤ - الإشارة إلى مواضع الآيات من السور بذكر اسم السورة ورقم الآية.
٥ - الترجمة لبعض الأعلام الذين ورد ذكرهم في الكتاب.
[ ٧٣ ]
٦ - قدمت للكتاب بدراسة تناولت فيها حياة المصنف الإجتماعية والعلمية، وبعض العناصر الأخرى المتعلقة بالمؤلف والكتاب.
٧ - قمت بالتعليق على بعض المواضع التي تحتاج إلى ذلك، وقد يطول التعليق حسب ما يقتضيه الحال ويتطلبه المقام من تفصيل أو إيضاح.
٨ - شرحت الكلمات الغريبة التي وردت في ثنايا نصوص الكتاب.
٩ - وضعت عناوين جانبية لموضوعاته.
١٠ - ختمت عملي بالفهارس الآتية:
١ـ فهرس الآيات القرآنية.
٢ـ فهرس الأحاديث والآثار.
٣ـ فهرس للأعلام المترجم لهم.
٤ـ فهرس للمراجع.
٥ـ فهرس موضوعات المقدمة.
٦ـ فهرس موضوعات الكتاب.
أسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه وأن يكتب للجميع الأجر والثواب. والله الهادي إلى سواء السبيل.
[ ٧٤ ]