قال:" وفي سورة الكهف عند ذكر ذي القرنين «١». قال: حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ (٨٦) «٢» قال ابن عطية: على وزن
_________________
(١) - ١ - أن الله قادر على إلقاء الشبه من غير استحالة، ولا يخالف في ذلك إلا معاند لا يعترف بقدرة الله تعالى إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [سورة يس: ٨٢].
(٢) أن الحس إنما يعلم صورة الأمر لا حقيقته لأن ذلك إنما يعلم بقرائن الأحوال إن وجدت أو بأخبار الأنبياء﵈- عن الله تعالى، الذي أحاط بكل شيء علما وأحصى كل شيء عددا.
(٣) مما يدل على أن الحس لا يفرق بين المتماثلات ما قاله القرافي﵀- في الأجوبة الفاخرة [ص ٢٤٩ - ٢٥٠ بتحقيق الباحث]:" أنا لو وضعنا في إناء رطلا من الماء أو الزيت أو نحو ذلك، ثم أريناه لإنسان ثم رفعنا ذلك المائع ووضعنا فيه رطلا آخر من ذلك المائع ثم أريناه لذلك الإنسان وقلنا له هذا الماء هو عين الماء الأول أو مثله؟ فإنه إذا أنصف يقول: الذي أدركه بحسي أن هذا ماء بالضرورة، أما أنه عين الأول أو مثله فلا أعلم لكن الحس لا يحيط بذلك " اهـ.
(٤) يجوز أن يخرق الله العادة لعيسى﵇- بخلق شبهه في غيره- كما أخرق له العادة في إحياء الموتى وغير ذلك- ثم يرفعه ويصونه عن إهانة أعدائه، وهذا لائق بالأنبياء. وهو اللائق بالآية ولكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ [النساء: ١٥٧] والله أعلم.
(٥) أحد من ملكهم الله أمر الدنيا وحكى الله أمره في سورة الكهف من الآية رقم ٨٣ إلى ٩٨، واختلف في اسمه: فقيل هو الإسكندر المقدوني اليوناني، وقيل اسمه هرمس، وقيل: اسمه هرديس، وقيل غير ذلك، واختلف أيضا في تسميته" ذي القرنين" فقيل: كان ذا ظفيرتين من شعر فسمى بهما، وقيل: لأنه بلغ المغرب والمشرق فكأنه حاز قرني الدنيا، وقيل غير ذلك وهو أحد ملوك الدنيا كما قيل: ملوك الدنيا كلها أربعة مؤمنان وكافران، فالمؤمنان سليمان بن داود وذو القرنين، والكافران نمروذ وبختنصر. وقد اختلف في نبوته. [انظر تفسير القرطبي ١١/ ٤٦ - ٤٨، والبداية والنهاية ٢/ ١٠٢ - ١٠٩].
(٦) سورة الكهف، آية: ٨٦.
[ ١ / ٣٦٠ ]
فعلة أي ذات حمأة، وقرأ أبو بكر عاصم «١» والباقون: في عين حامية وذكر حديث/ أبي ذر «٢» نصا في ذلك. قال:" فدل على أن العين هناك حارة" «٣» /.
قال:" وفي سورة يس مثل هذا حيث يقول: والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها «٤» الآية. وذكر حديث البخاري عن أبي ذر حيث قال له النبي- صلى
_________________
(١) في (ش)، (م): أبو بكر عن عاصم. وأبو بكر عاصم بن أبي النجود اسم أبيه: بهدلة، الأسدي قرأ على زر بن حبيش على عبد الله بن مسعود﵁- على رسول الله ﷺ وقرأ أيضا على أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السلمي، معلم الحسن والحسين وقرأ أبو عبد الرحمن هذا على الإمام علي بن أبي طالب﵁- توفي عاصم بالكوفة سنة سبع أو ثمان وعشرين ومائة للهجرة. [انظر مناهل العرفان ١/ ٤٥١ - ٤٥٢، وسير أعلام النبلاء ٥/ ٢٥٦ - ٢٦١، وشذرات الذهب ١/ ١٧٥].
(٢) جندب بن جنادة الغفاري رابع من أسلم. كان من أوعية العلم زاهدا. مات سنة ٣٢ هـ. بفلاة وحده. [سير أعلام النبلاء ٢/ ٤٦ - ٧٨].
(٣) هذه القراءة" حامية" هي قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي [انظر الاقناع في القراءات السبع ٢/ ٦٩٢، وتفسير القرطبي ١١/ ٤٩] ولم أجد في ذلك عن أبي ذر شيئا وسوف يشير الطوفي إلى غلط ذلك وأن الرواية عن ابن عباس. والذي وجدته عن أبي ذر هو ما رواه أبو داود في كتاب الحروف والقراءات حديث رقم (٤٠٠٢) قال:" كنت رديف رسول الله ﷺ وهو على حمار والشمس عند غروبها، فقال: «هل تدري أين تغرب هذه؟ قلت الله ورسوله أعلم، قال: فإنها تغرب في عين حامية».
(٤) سورة يس، الآية رقم: ٣٨.
[ ١ / ٣٦١ ]
الله عليه وسلم «١» -[حين غربت الشمس] «٢» أتدري أين تذهب هذه؟ قلت:
الله ورسوله أعلم. قال: «فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها» «٣».
قال:" وهذا كله بين البطلان لكل من له أدنى معرفة «٤» في الهيئة لأن الشمس تدور أبدا في فلكها، وهو الفلك الرابع، ولا تغرب في عين حامية ولا تجري لمستقر لها «٥»، لأنها ليس لها قرار".
قلت: الجواب عن هذا السؤال:
_________________
(١) كلمة" وسلم" ليست في (أ).
(٢) ما بين المعكوفتين زيادة من صحيح البخاري.
(٣) تتمة الحديث في البخاري:" فيقال لها: ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها. فذلك قوله تعالى: والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [يس: ٣٨] [كتاب بدء الخلق، باب صفة الشمس والقمر] وأخرجه في مواضع أيضا بألفاظ، وأخرجه مسلم في الإيمان حديث رقم ٢٥٠، باب بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان. عن أبي ذر بلفظ غير ألفاظ البخاري، وأخرجه الترمذي في الفتن، باب ما جاء في طلوع الشمس من مغربها عنه بغير لفظ البخاري أو مسلم، وقال:" وفي الباب عن صفوان بن عسال وحذيفة بن أسيد وأنس وأبي موسى، وهذا حديث حسن صحيح" وفي التفسير: باب من سورة يس بلفظ مقارب للفظه الأول، وسيورد المؤلف لفظه قريبا، وأخرجه أحمد في المسند (٥/ ١٤٥ - ١٦٥).
(٤) كلمة:" معرفة" ليست في (أ).
(٥) في (ش): لمستقرها.
[ ١ / ٣٦٢ ]
أما القراءتان:" حمئة"، من الحماة و" حامية" من الحرارة فهما قراءتان صحيحتان «١»، والأولى «٢» قراءة نافع «٣» وابن كثير «٤» وأبي عمرو «٥»، والثانية
_________________
(١) انظر تفسير الطبري ١٦/ ١١ - ١٢، وتفسير ابن كثير ٣/ ١٠٢، وتفسير الشوكاني ٣/ ٣٠٨، والإقناع في القراءات السبع ٢/ ٦٩٢.
(٢) أي قراءة:" حمئة".
(٣) هو أبو رويم نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم المدني أحد القراء السبعة، وهو من الطبقة الثالثة بعد الصحابة، أخذ القراءة عن أبي جعفر القاري وعن سبعين من التابعين وهم أخذوا عن ابن عباس وأبي هريرة عن أبي بن كعب عن رسول الله ﷺ، وقد انتهت إلى نافع رئاسة الإقراء بالمدينة وممن اشتهر بالرواية عنه. بلا واسطة قالون وورش. توفي نافع سنة تسع وستين ومائة وقيل تسع وخمسين ومائة بالمدينة. [انظر وفيات الأعيان ٥/ ٣٦٨، مناهل العرفان ١/ ٤٥٤، سير أعلام النبلاء ٧/ ٣٣٦ - ٣٣٨].
(٤) أبو محمد أو أبو معبد عبد الله بن كثير بن عمرو بن عبد الله الكناني الداري- بطن من لخم أو نسبة إلى دارين بالبحرين يجلب إليها المسك من الهند- وكان عطارا وأصله فارسي، كان إمام القراءة في مكة لقي من الصحابة عبد الله بن الزبير، وأبا أيوب الانصاري، وأنس بن مالك. روى القراءة عن مجاهد عن ابن عباس عن أبي عن رسول الله ﷺ. كانت ولادته أيام معاوية وتوفي سنة عشرين ومائة للهجرة [انظر كتاب الإقناع في القراءات السبع ١/ ٧٧ - ٧٩، ومناهل العرفان ١/ ٤٥٠، وسير أعلام النبلاء ٥/ ٣١٨ - ٣٢٢].
(٥) زبان بن العلاء بن عمار بن الغربان البصري، اختلف في اسمه فقيل زبان وقيل العريان وقيل يحيى وقيل غير ذلك كان من أعلم الناس بالعربية والقرآن والشعر وأيام العرب وأيام الناس، قرأ على جماعة منهم الحسن البصري، مات سنة أربع أو سبع وخمسين ومائة. (انظر كتاب الإقناع في القراءات السبع ١/ ٩٢ - ٩٤، وفوات الوفيات ٢/ ٢٨ - ٢٩).
[ ١ / ٣٦٣ ]
قراءة الباقين «١». والخبط في نقل «٢» مذهب القراء فيها لا أدري هل هو من هذا الخصم أو من غيره" وقد روى ابن عباس «٣» عن أبي بن كعب «٤»: أن النبي ﷺ قرأ: فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ رواه أبو داود «٥» والترمذي «٦». وقال: حديث غريب.
_________________
(١) ابن عامر وأبو بكر وحمزة والكسائي.
(٢) «نقل» ليست في (ش).
(٣) عبد الله بن العباس بن عبد المطلب ابن عم رسول الله ﷺ حبر الأمة وفقيه العصر، وإمام التفسير، ولد بشعب أبي طالب أيام الحصار أيام الحصار قبل الهجرة بثلاث سنوات تقريبا، مسح النبي ﷺ على رأسه ودعا له بالحكمة، وقال ﷺ" اللهم علمه تأويل القرآن" كان عمر يدنيه من مجلسه وهو صغير السن لكثرة علمه، ذهب بصره في آخر حياته. توفي سنة ثمان أو سبع وستين للهجرة. [انظر سير أعلام النبلاء ٣/ ٣٣١ - ٣٥٨] وغيره.
(٤) أبو منذر أبي بن كعب بن قيس بن عبيد سيد القراء الأنصاري البدري ويكنى أبا الطفيل، شهد العقبة وجمع القرآن في عهد النبي ﷺ وكان رأسا في العلم والعمل، قال له النبي ﷺ: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن» وفي لفظ (أمرني أن أقرئك القرآن) قال: الله سماني لك؟ قال: (نعم) قال وذكرت عند رب العالمين؟ قال: (نعم) فذفرت عيناه. قال عمر: أقضانا علي وأقرأنا أبي " مات﵁- سنة اثنتين وعشرين في المدينة وقيل: سنة ثلاثين، وقيل غير ذلك. [انظر الاستيعاب ١/ ٦٥ - ٦٩، وسير أعلام النبلاء ١/ ٣٨٩ - ٤٠٢].
(٥) تقدمت ترجمته في ص: ١٧٥ - ١٧٦ من قسم الدراسة.
(٦) تقدمت ترجمة الترمذي والحديث. أخرجه أبو داود في كتاب الحروف والقراءات بلفظ" سمعت ابن عباس يقول أقرأني أبي بن كعب كما أقرأه رسول الله ﷺ: فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ مخففة، وأخرجه الترمذي بلفظ الطوفي، في كتاب القراءات باب ومن سورة الكهف وقال:" هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه والصحيح ما روي عن ابن عباس قراءته. ويروى أن ابن عباس-
[ ١ / ٣٦٤ ]
قال والصحيح: أنها قراءة ابن عباس لأنه اختلف هو وعمرو بن العاص «١» فيها وترافعا إلى كعب الأحبار «٢»، ولو كان عنده فيها رواية لاكتفى بها.
ووجه الجمع بين القراءتين: أن تلك العين حارة، وهي ذات حماة، فإن اجتماع الأمرين جائز غير ممتنع. وأما حديث أبي ذر فلفظه على ما رواه الترمذي وغيره قال:" دخلت المسجد حين غابت الشمس، والنبيﷺ- «٣» جالس. فقال [النبيﷺ- «٤»] «أتدري يا أبا ذر
_________________
(١) - وعمرو بن العاص اختلفا في قراءة هذه الآية وارتفعا إلى كعب الأحبار في ذلك، فلو كانت عنده رواية عن النبي ﷺ لاستغنى بروايته ولم يحتج إلى كعب" اهـ. قلت: أبو داود والترمذي اتصل سندهما إلى محمد بن دينار عن سعد بن أوس عن مصدّع أبي يحيى عن ابن عباس عن أبي.
(٢) عمرو بن العاصي- بالياء وبحذفها- بن وائل بن هاشم القرشي السهمي أسلم سنة ثمان من الهجرة مع خالد بن الوليد، كان من شيعة معاوية، وأحد الحكمين، وداهية قريش، ورجل العالم، يضرب به المثل في الفطنة والدهاء، فتح فلسطين ومصر، توفي سنة ثلاث وأربعين. [انظر سير أعلام النبلاء ٣/ ٥٤ - ٧٧، والاستيعاب ٤/ ١١٨٤ - ١١٨٩، وتهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٣٠].
(٣) كعب بن ماتع الحميري اليماني العلامة الحبر، كان يهوديا فأسلم بعد وفاة النبي ﷺ وقدم المدينة في خلافة عمر﵁- فجالس الصحابة، وكان يحدثهم عن الكتب الإسرائيلية، ويأخذ السنن عن الصحابة، وكان حسن الإسلام متين الديانة من نبلاء العلماء، طعن فيه بعض كتاب العصر الحاضر مثل أحمد أمين ومحمد رشيد رضا، ورد الطعن محمد حسين الذهبي، توفي كعب في خلافة عثمان﵁- سنة اثنتين وثلاثين بحمص (انظر سير أعلام النبلاء ٣/ ٤٨٩ - ٤٩٤، والتفسير والمفسرون ١/ ١٨٧ - ١٩٤).
(٤) " وسلم" ليست في (أ).
(٥) زيادة من الترمذي في التفسير.
[ ١ / ٣٦٥ ]
أين تذهب هذه؟ " قال: قلت الله ورسوله أعلم. قال/: فإنها تذهب فتستأذن في السجود فيؤذن لها وكأنها قد قيل لها: اطلعي من حيث جئت. فتطلع من مغربها" قال: ثم قرأ (ذلك مستقر لها) «١» قال: وذلك قراءة عبد الله «٢»، قال الترمذي: هو حسن صحيح «٣». وأخرجاه في الصحيحين، ورواه أبو داود والنسائي «٤».
ووصف الشمس بالسجود وخطا بها من الحقائق الإلهية التي لا يستقل العقل بدركها، فيجب تلقيها عن أصحاب الشرائع بالقبول، كما سبق تقريره في المقدمة الثانية في صدر الكتاب.
_________________
(١) في (أ) وفي رواية الترمذي الأخرى في الفتن، (وذلك مستقر لها) وما أثبته من روايته الأخرى في التفسير ومن صحيح البخاري [كتاب التوحيد باب:" وكان عرشه على الماء "].
(٢) أي عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب، أبو عبد الرحمن الهذلي البدري، حليف بني زهرة، سادس من دخل في الإسلام، وفقيه الأمة وحبرها، قال له النبي ﷺ: «إنك غليّم معلم» طلب المشركون ذات يوم من النبي ﷺ أن يطرده وبعض الصحابة معه فأنزل الله تعالى: ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ والْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ الآية [الأنعام ٥٢، ٥٣] خدم النبي ﷺ، وهو من أقرأ الناس لكتاب الله. مات بالمدينة ودفن بالبقيع سنة اثنتين وثلاثين﵁-[انظر سير أعلام النبلاء ١/ ٤٦١ - ٥٠٠، والاستيعاب ٣/ ٩٨٧ - ٩٩٤].
(٣) هذا اللفظ للترمذي، وأخرجه البخاري ومسلم وأحمد كما ذكرت في ص: ٣٦٢، وأما الذي أخرجه أبو داود فهو حديث أبي ذر:" هل تدري أين تغرب هذه"؟ قلت الله ورسوله أعلم. قال: «فإنها تغرب في عين حامية" [انظر الهامش رقم ٣ ص ٣٦١ من هذا الكتاب، والنسائي لم يخرج حديث سجود الشمس في الصغرى، ولكن أخرجه في التفسير من السنن الكبرى وفيه اختلاف في الألفاظ وزيادات [انظر فتح الباري ٨/ ٥٤١، تحفة الأشراف ٩/ ١٨٩].
(٤) تقدمت ترجمته في الدراسة ص: ٦١.
[ ١ / ٣٦٦ ]
وأما معنى غروبها في عين حامية، [ففيه تأويلات:
أحدها: أنها تغرب فيها في رأي العين «١»، لا الحقيقة كما يرى كأنها تغرب في البحر أو من وراء الجبل،/ بل من وراء جدار صغير، بحسب اختلاف مناظرها وأوضاع الناظرين إليها.
الثاني: أن" في" بمعنى على: أي تغرب على عين حامية،] «٢» أي تكون مقابلة لها، وحروف الصفات يقع بعضها موقع بعض كما قال تعالى: ولَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ «٣» أي عليها «٤»، وقال عنترة «٥»:
بطل كأن ثيابه في سرحة «٦»
أي عليها.
وعلى بمعنى" في"، كقول «٧» أبي كبير الهذلي «٨»
_________________
(١) انظر تفسير القرطبي ١١/ ٥٠.
(٢) ما بين المعكوفتين ليس في (ش).
(٣) سورة طه، آية: ٧١.
(٤) انظر تفسير القرطبي ١١/ ٢٢٤، وتفسير الشوكاني ٣/ ٣٧٦.
(٥) تقدمت ترجمته في الدراسة ص: ١٨١.
(٦) عجز البيت: يحذى نعال السّبت ليس بتوأم وهو من معلقته الميمية المشهورة. والسرحة: شجرة لا ثمر لها إنما يستظل بها وتعرف بطول ساقها. [انظر شرح المعلقات السبع للزوزني، ولسان العرب ٢/ ٤٨٠، وجمهرة أشعار العرب ٢/ ٤٩٨].
(٧) في (أ): لقول.
(٨) عامر بن ثابت بن عبد شمس الهذلي، من بني سهل بن هذيل. شاعر فحل من شعراء الحماسة. قيل: إنه أدرك الإسلام وأسلم، له ديوان شعر مطبوع لم يعرف تاريخ وفاته. [انظر الإصابة قسم الكنى الترجمة (٩٦١)، والأعلام ٣/ ٢٥٠].
[ ١ / ٣٦٧ ]
ولقد سريت على الظلام بمغشم «١»
أي في الظلام.
الثالث: أنها بمعنى عند «٢». أي تغرب عند عين حامية. وقد ترد بمعنى عند، ومع في العربية. فكلام يحتمل هذه «٣» التأويلات السابقة في اللغة التي ورد بها، لا ينبغي أن يتهجم على القدح فيه.
وقد نقل بعض المفسرين عن كعب أنه قال:" في التوراة إنها تغرب في ماء وطين" «٤».
وأصحاب الهيئة يعترضون على هذا بناء على ما قرروه من أن الشمس مثل كرة الأرض مائة وإحدى «٥» وستين مرة ونصف/ وربع «٦» فكيف تسعها عين من عيون الأرض؟ والجواب بما سبق. وأما قوله:" إن هذا كله بين البطلان، لمن له أدنى معرفة بالهيئة" فجوابه: أن علم الهيئة مبني على مقدمتين:
_________________
(١) عجز البيت: جلد من الفتيان غير مثقّل والمغشم: الجريء الماضي الذي لا يثنيه شيء عما يريد ويهوى من شجاعته. [انظر الحماسة لأبي تمام ١/ ١٣ رقم (١٢، ولسان العرب ١٢/ ٤٣٨].
(٢) انظر تفسير القرطبي ١١/ ٥٠.
(٣) في (أ): لهذه.
(٤) انظر تفسير الطبري ١٦/ ١١، وتفسير القرطبي ١١/ ٤٩.
(٥) في (أ): وأحد.
(٦) في مفتاح دار السعادة ١/ ١٩٨:" وقد اتفق أرباب الهيئة على أن الشمس بقدر الأرض مائة مرة ونيفا وستين مرة" اهـ.
[ ١ / ٣٦٨ ]
إحداهما: أن حركة «١» الأفلاك متصلة متشابهة يستحيل أن يعرض لها البطء أو السرعة «٢» أو الرجوع أو الانقطاع «٣».
والثانية: اعتبار الرصد «٤».
وقد قدح المحققون فيهما بما لا يسع هذا المكان ذكره «٥». ومنه: أن حاصل الرصد: الاعتماد على أبصار الآحاد، [والبصر لا يفيد اليقين لكثرة ما يعرض للبصر من الغلط، خصوصا مع البعد المفرط، وخبر الآحاد] «٦» إنما يفيد ظنا
_________________
(١) في (ش): حركات.
(٢) في (ش)، (أ):" والسرعة" بدون همزة.
(٣) قال الله تعالى: وهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ سورة الأنبياء: ٣٣] وقال سبحانه: وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) والْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ ولَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [سورة يس: ٣٧ - ٤٠].
(٤) مأخوذ من رصد أي ترقب. والراصد بالشيء: الراقب له. والمعنى رصد حركة الكواكب والأفلاك. [انظر لسان العرب ٣/ ١٧٧].
(٥) الذي يعلم بالحس حركة الأجسام المنظورة، فترى الشمس متحركة والقمر متحركا، والكواكب متحركة أما العلم بقدر حركاتها وبكسوف بعضها لبعض ونحو ذلك فليس مداره على الأرصاد. وغايته أن بعض الناس قد رأى هذا فأخبر به غيره، وليس هذا خبرا متواترا، بل غالبه خبر واحد. [انظر الرد على المنطقيين ص ٣٨٨ - ٣٨٩].
(٦) ما بين المعكوفتين ليس في (ش).
[ ١ / ٣٦٩ ]
ضعيفا «١»، ودعوى أهل الهيئة: أن علمهم ثابت بالبراهين الهندسية كذب وزور وبهتان. إذ لو كان كذلك لما وقع الخلاف العظيم بينهم في تفاصيل علمهم وجمله.
وإذا اتجه القدح في مقدمات الهيئة لم يبق بها وثوق، وصار خبر الشرع أوثق منها، على ما قدمت أنت أيها الخصم في بيان ضرورة النبوة من كلام" أرسطو" وغيره.
ثم نقول: إن علم الهيئة على تقدير صحته وثبوته لا ينفي ما فسرناه به كيفية غروب الشمس في العين الحامية.
وأما قوله:" إن الشمس تدور أبدا في فلكها،/ وهو الرابع، ولا تجري لمستقر لها" لأنه ليس لها قرار.
فجوابه من وجهين:
أحدهما: أن يقال له: أنت إما أن تكون فيلسوفا محضا، أو مشرعا تقول
_________________
(١) هذا في غير نقل أحكام الشريعة أما في أحكامها فإن خبر الواحد المسلم المكلف العدل الذي تلقته الأمة بالقبول يعتمد عليه، وقد أخرج ابن خزيمة وصححه، وابن حبان عن ابن عباس قال:" جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: إني رأيت الهلال. فقال: «أتشهد ألا إله إلا الله؟» قال: نعم. قال: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم، قال فأذن في الناس يا بلال أن يصوموا غدا» وأخرجه أبو داود في الصوم، باب في شهادة الواحد على رؤية هلال رمضان حديث رقم ٢٣٤٠، ٢٣٤١، والترمذي في الصوم، باب ما جاء في الصوم بالشهادة حديث رقم ٦٩١، والنسائي في الصوم، باب قبول شهادة الرجل الواحد على هلال رمضان ..، وابن ماجه في الصيام، باب ما جاء في الشهادة على رؤية الهلال، والدارمي في الصوم باب الشهادة على رؤية الهلال، وأحمد في المسند (٣/ ١١).
[ ١ / ٣٧٠ ]
بصحة الشرائع، وما جاءت به النبوات./ فإن كنت فيلسوفا ورد عليك كثير مما تقول به من أحكام التوراة والإنجيل مما تعتقد الفلاسفة فسادها.
منها: دعواك في المسيح/ أن لاهوت الله اتحد بنا سوته فصارا حقيقة واحدة، أو أن الله- سبحانه- واحد بالذات، متعدد بالأقانيم «١» التي هي الله «٢» والابن وروح القدس «٣». وإن كنت مشرعا فيلزمك تجويز أن الشمس يمكن أنها تستقر وتقف، فإنه قد ثبت باتفاقنا: أن يوشع بن نون وقفت له الشمس عن سيرها ليلة السبت، حتى فرغ من قتال الجبارين. وقد ذكرته أنت في كتابك هذا عند بيان وجود النبوة «٤».
وثبت أيضا في الأصحاح الثامن عشر «٥» من مصحف أشعياء أن الله سبحانه
_________________
(١) الأقانيم: جمع أقنوم، وهو الأصل، وهي كلمة سريانية، معناها: شخص أساسي، أو شخص رئيس، وهي الكلمة اليونانية" نوموس ومعناها قانون، ولذا فضلت الكنائس الشرقية استعمال لفظ أقنوم على لفظ شخص، لأن المقصود في التثليث بالأقنوم كيان ذاتي أو في الذات. [انظر أقانيم النصارى للدكتور أحمد السقا ص ٩، نقلا عن كتاب دراسات في الكتاب المقدس، وانظر هامش ص ٧٥ من كتاب بين الإسلام والمسيحية للخزرجي، ولسان العرب ١٢/ ٤٩٦].
(٢) في (أ): التي هي اللات والابن وفي (ش): الأب.
(٣) وهذا مذهب الملكانية واليعاقبة من النصارى. [انظر الفصل في الملل والنحل ١/ ١١٠ - ١١٢، وتاريخ ابن البطريق ص ١٥٦، ٢٠١].
(٤) انظر ص: ٢٥٢ من هذا الكتاب.
(٥) الأصحاح الثامن والثلاثون من سفر أشعياء في التراجم الحديثة.
[ ١ / ٣٧١ ]
رد الشمس إلى خلفها عشر درجات علامة لحزقيا «١» ملك بني إسرائيل على أنه ينفس له في عمره خمس عشرة سنة بعد أن حضره الموت والقصة «٢» مشهورة «٣».
ومثل هذا لا يصح في علم الهيئة بناء على المقدمة المذكورة، وأن حركة الأفلاك متصلة. ويقال: إن من حين وقوف الشمس لهذين النبيين «٤» تخبط حساب المنجمين، واختلط رأيهم فالله أعلم.
وأما أنك تكون تارة فيلسوفا وتارة مشرعا. فهذا مما لا يمكن لأن الفلسفة والتشريع لا يجتمعان. وقد حاول قوم منهم أبو الوليد بن رشد الجمع بينهما فلم يحصل إلا على الحيرة «٥»، وظهر أمره فكاد أهل المغرب يقتلونه وأحسبه مات في حبس الشرع «٦»، وأنا أحسبك أيها الخصم حائرا مترددا، لا نصرانيا ولا مسلما
_________________
(١) حزقيا: أحد الملوك في عصر النبي اشعياء ﵊ كما في كتب أهل الكتاب. والأنس الجليل ١/ ١٤٧، واسمه في الكامل لابن الأثير (١/ ١٤٣): صدقيا.
(٢) " والقصة" ليست في (أ).
(٣) انظر البداية والنهاية ٢/ ٣٢ - ٣٣، والأنس الجليل ١/ ١٤٧، والكامل في التاريخ ١/ ١٤٣ - ١٤٤.
(٤) يقصد: اشعيا وحزقيا. ولكن حزقيا ليس بنبي كما في النص الوارد في مصحف أشعياء وإنما هو ملك من ملوك بني إسرائيل في عهد أشعياء. أما النبي فهو حزقيل. [انظر البداية والنهاية ٢/ ٢].
(٥) ولذلك قال في كتابه:" تهافت التهافت" مبينا الحيرة التي وصل إليها هو وغيره من الفلاسفة: " ومن الذي قال في الإلهيات شيئا يعتد به؟ " والغزالي لما رأى حيرته أعرض في آخر حياته عن الفلسفة وأقبل على حديث رسول الله ﷺ فمات وصحيح البخاري على صدره. واعترف الرازي والشهرستاني والجويني والخونجي وغيرهم بأنهم وصلوا إلى الحيرة، فكانوا في آخر حياتهم بمنزلة أتباع أهل العلم من الصبيان والنساء والأعراب. [انظر درء تعارض العقل والنقل ١/ ١٥٩ - ١٦٤، وشرح العقيدة الطحاوية ص ٢٢٧ - ٢٢٩].
(٦) لم أجد هذا فيما اطلعت عليه من مراجع في ترجمته.
[ ١ / ٣٧٢ ]
ولا فيلسوفا.
الوجه الثاني: أن قوله" لمستقر لها" له أربع «١» محامل صحيحة:
أحدها: أن" اللام" بمعنى في: أي تجري في مستقر لها «٢»، وهو فلكها تجري فيه ما بين/ طرفي مشارقها ومغاربها من ناحية الشمال والجنوب لا تجاوز ذلك.
الثاني: أن تكون بمعنى إلى أي تجري إلى مستقر لها «٣»، وهو حين تستقر بزوال «٤» حركتها عند قبض الله السموات والأرض وتكوير الشمس والقمر.
وانكدار النجوم عند خراب العالم على ما جاء به شرع الإسلام وأخبر به النبي الصادق﵇- وأشار إليه المسيح في الإنجيل حيث يقول:" إذا جاء ابن الإنسان في مجده علا الغمام «٥» والملائكة حوله هنالك من عرفني اليوم عرفته ومن أنكرني أنكرته" «٦». معنى هذا الكلام.
_________________
(١) في (ش): أربعة.
(٢) انظر تفسير الطبري ٢٣/ ٦، وتفسير القرطبي ١٥/ ٢٨. وتفسير الشوكاني ٤/ ٣٦٩.
(٣) انظر تفسير الطبري ٢٣/ ٥، وتفسير القرطبي ١٥/ ٢٨ - ٢٩، وتفسير الشوكاني ٤/ ٣٦٩.
(٤) في (ش)، (أ):" تستقر زوال".
(٥) «علا الغمام» ليست في (ش).
(٦) انظر انجيل متى الاصحاح الخامس والعشرين.
[ ١ / ٣٧٣ ]
ويكون هذا معنى قوله﷾/- وسَخَّرَ الشَّمْسَ والْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى «١».
الثالث: أن بعض أئمة السلف قرأ هذه الآية: والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها أي: لا تقف ولا تفتر «٢»، وهو معنى قوله تعالى: وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والْقَمَرَ دائِبَيْنِ (٣٣) «٣» أي لا يفتران من الدأب «٤»، وهو السعي الشديد وتكون هذه القراءة مفسرة للمراد من الأخرى.
وكل هذا محتمل لا يقدح بمثله في فروع شريعة فضلا عن أصولها.
الرابع: أن يكون مستقرها موضع سجودها. كما جاء في الحديث وقد بينا جواز وقوفها عن السير، بقصة يوشع وحزقيا «٥». وأن هذا مما يجب أن يتسلم عن النبوات ويتلقى بالقبول،/ ولا يقابل بشبه العقول القاصرة عن إدراك الحقائق الإلهية. والله أعلم.
_________________
(١) بعض آية في سورة فاطر الآية رقم ١٣، وفي سورة الزمر الآية رقم (٥) وفي سورة لقمان الآية (٢٩): «إلى أجل مسمى» ..
(٢) هذه قراءة عبد الله بن مسعود، وابن عباس﵃-[انظر تفسير ابن كثير ٣/ ٥٧٢، وتفسير الشوكاني ٤/ ٣٦٩] وضعف القرطبي في تفسيره (١٥/ ٢٨). سند هذه القراءة إلى ابن عباس﵄- ولعلها من القراءات الشاذة- والله أعلم-.
(٣) سورة إبراهيم، آية رقم: ٣٣.
(٤) في (أ): من الذات.
(٥) في (م): حزقيال. انظر هامش ص: ٣٧٢.
[ ١ / ٣٧٤ ]