أن الرسول ﷺ لم يصم يوم ولادته، وهو اليوم الثاني عشر من ربيع الأول - إن صح أنه كذلك -، وإنما صام يوم الاثنين الذي يتكرر مجيئه في كل شهر أربع مرات، وبناء على هذا فتخصيص يوم الثاني عشر من ربيع الأول، بعمل ما دون يوم الاثنين من كل أسبوع، يعتبر استدراكًا على الشارع، وتصحيحًا لعلمه، وما أقبح هذا إن كان!!! - والعياذ بالله - (٣) .
أن الرسول ﷺ لم يخص يوم الاثنين بالصيام، بل كان يتحرى صيام الاثنين والخميس (٤)، وقال ﷺ: «تُعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم» (٥) .
_________________
(١) - رواه الإمام أحمد في مسنده (٥/٢٩٧) . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٨١٩، ٨٢٠) كتاب الصيام، حديث رقم (١١٦٢) (١٩٧، ١٩٨) . ورواه ابن خزيمة في صحيحة (٣/٢٩٨، ٢٩٩) حديث رقم (٢١١٧) .
(٢) - يراجع: المدخل لابن الحاج (٢/٢، ٣)، وحوار مع المالكي ص (٤٧)، والرد القوي ص (٦١) .
(٣) - يراجع: الإنصاف للجزائري ص (٤٤) .
(٤) - رواه الإمام أحمد في مسنده (٦/٨٠) . ورواه الترمذي في سننه (٢/١٢٤) أبواب الصوم، حديث رقم (٧٤٢)، وقال: حديث حسن غريب من هذا الوجه. ورواه النسائي في سننه (٤/١٥٢، ١٥٣، ٢٠٢، ٢٠٣) كتاب الصيام، باب (٣٦)، وباب (٧٠) . ورواه ابن ماجه في سننه (١/٥٥٣) كتاب الصيام، حديث رقم (١٧٣٩) .
(٥) - رواه الإمام أحمد في مسنده (٥/٢٠١) . ورواه أبو داود في سننه (٢ /٨١٤) كتاب الصوم، حديث (٢٤٣٦) . ورواه الترمذي في سننه (٢/١٢٤) أبواب الصوم، حديث رقم (٧٤٤)، وقال: حديث حسن غريب. ورواه النسائي في سننه (٤/٢٠١، ٢٠٢) كتاب الصيام.
[ ١٧١ ]
فالاستدلال بصوم يوم الاثنين على جواز الاحتفال ببدعة المولد في غاية التكلف والبعد (١) .
إذا كان المراد من إقامة المولد هو شكر الله تعالى على نعمة ولادة الرسول ﷺ فيه، فإن المعقول والمنقول يحتم أن يكون الشكر من نوع ما شكر الرسول ﷺ ربه به، وهو الصوم وعليه فلنصم كما صام، غير أن أرباب الموالد لا يصومونه؛ لأنَّ الصيام فيه مقاومة لشهوات النفس بحرمانها من لذة الطعام والشراب، وهم يريدون ذلك-الطعام والشراب- فتعارض الغرضان، فآثارون ما يحبون على ما يحب الله، وهذا بعينه أعظم الزلل عند أهل البصرة (٢) .
أن الرسول ﷺ لم يضف إلى الصيام احتفالًا كاحتفال أرباب الموالد، من تجمعات ومدائح وأنغام وطعام وشراب، أفلا يكفي الأمة ما كفى نبيها ويسعها ما وسعه؟ وهل يقدر عاقل أن يقول: لا. وإذن فلم الافتيات على الشارع، والتقدم بالزيادة عليه، والله ﷾ يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣) .
ويقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٤)، وقال ﷺ: «إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلاله» (٥) .
وقال ﷺ: «إن الله حد حدودًا فلا تعتدوها، وفرض لكم فرائض فلا تضيعوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وترك أشياء في غير نسيان ولكن رحمة لكم فاقبلوها ولا تبحثوا عنها» (٦) .
_________________
(١) - يراجع: الرد القوي ص (٦٢) .
(٢) - يراجع: الإنصاف ص (٤٤)
(٣) - سورة الحشر: الآية٧.
(٤) - سورة الحجرات:١.
(٥) - رواه ابن ماجه في سننه مرفوعًا إلى النبي ﷺ (١/١٨) المقدمة. وفي سنده عبيده بن ميمون الدني، قال ابن حجر: مستور. تقريب التهذيب (١/٥٤٥) .
(٦) - رواه البيهقي في سننه (١٠/١٢، ١٣) كتاب الضحايا. مرة موقوفًا، ومرة مرفوعًا. وذكره النووي في الأربعين وقال: (حديث حسن رواه الدارقطني وغيره. وقال ابن رجب: وله علتان: إحدهما: أن مكحولًا لم يصح له السماع عن أبي ثعلبة. والثانية: أنه اختلف في رفعه ووقفه على أبي ثعلبة الخشني) ا. هـ. يراجع: جامع العلوم والحكم ص (٢٤٢) الحديث رقم (٣٠) .
[ ١٧٢ ]