أن هذا الخبر رواه البخاري مرسلًا في باب: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ (١)، و«يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (٢) من صحيحة، بعد أن ذكر الحديث بسنده عن عروة بن الزبير، أن زينب بنت أبي سلمة أخبرته أن أم حبيبة بنت أبي سفيان أخبرتها أنها قالت: يا رسول الله! انكح أختي بنت أبي سفيان، فقال: «أو تحبين
_________________
(١) - سورة النساء: الآية٢٣.
(٢) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٥/٢٥٣) كتاب الشهادات، حديث رقم (٢٦٤٥)، واللفظ له. ورواه مسلم في صحيحه (٢/١٠٧١) كتاب الرضاع، حديث رقم (١٤٤٧) .
[ ١٦٦ ]
ذلك؟» . فقلت: نعم، لست لك بِمُخلية، وأحب من شاركني في خير أختي. فقال النبي ﷺ: «إن ذلك لا يحل لي» . قلت: فإنا نُحدَّث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة. قال: «بنت أم سلمة؟» . قلت: نعم. فقال: «لو أنها لم تكن ربيبتي (١) في حجري ما حلَّت لي، إنها لابنة أخي من الرضاعة، أرضعتني وأبا سلمة ثويبة، فلا تعرضن
_________________
(١) - الربيبة: بنت الزوجة من غير زوجها الذي معها. يراجع: النهاية (٢/١٨٠) باب الراء مع الباء.
[ ١٦٧ ]
على بناتكن ولا أخواتكنّ» (١) .
قال عروة: وثويبة مولاة لأبي لهب، وكان أبو لهب أعتقها فأرضعت النبي ﷺ فلما مات أبو لهب أريه بعض أهله بشر حيبة (٢)، قال له: ماذا لقيت؟ قال: أبو لهب: لم ألق بعدكم، غير أني سقيت في هذه بعتاقتي ثويبة (٣) .
قال الحافظ ابن حجر: وفي الحديث دلالة على أن الكافر قد ينفعه العمل الصالح في الآخرة، لكنه مخالف لظاهر القرآن، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ (٤) .
وأجيب عن هذا من وجوه منها:
أن الخبر مرسل أرسله عروة ولم يذكر من حدثهُ به - كما تقدم -.
وعلى تقدير أن يكون موصلًا، فالذي في الخبر رؤيا منام فلا حجة فيه، ولعلَّ الذي رآها لم يكن إذ ذاك أسلم بعد فلا يحتج به (٥) .
أن ما ورد في مرسل عروة هذا من إعتاق أبي لهب ثويبة كان قبل
_________________
(١) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٩/١٤٠) كتاب النكاح، حديث رقم (٥١٠١)، واللفظ له. ورواه مسلم في صحيحه (٢/١٠٧٢) كتاب الرضاع، حديث رقم (١٤٤٩) .
(٢) - الحيية - بكسر الحاء المهملة وفتح الباء -، أي: بشر حال، والحيبة والحوبة: الهم والحزن. يراجع: النهاية (١/٤٦٦) باب الحاء مع الياء. وقال ابن منظور: أي بحال سوء، وقيل: إذا بات بشدة، وحال سيئة لا يقال إلا في الشر. يراجع: لسان العرب (١/٣٣٩) مادة (حوب) .
(٣) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٩/١٤٠) كتاب النكاح، حديث رقم (٥١٠١) .
(٤) - سورة الفرقان:٢٣.
(٥) - يراجع: فتح الباري (٩/١٤٥) .
[ ١٦٨ ]
إرضاعها النبي ﷺ، وما ذكره ابن الجزري من أنه أعتقها عندما بشرته بولادة النبي ﷺ (١): يخالف ما عند أهل السير من أن إعتاق أبي لهب إياها كان بعد ذلك الإرضاع بدهر طويل.
قال ابن سعد: (وأخبرنا محمد بن عمر - الواقدي - عن غير واحد من أهل العلم، وقالوا: وكان رسول الله ﷺ يصلها وهو بمكة، وكانت خديجة تكرمها،
_________________
(١) - وهذا وجه الاستشهاد عند القائلين ببدعة الاحتفال بالمولد النبوي، وأن ما حصل لأبي لهب كان بسبب فرحه بولادة النبي ﷺ وإعتاقه لثويبة بشرته بولادة النبي ﷺ بسبب هذا الفرح. وهذا باطل حقيقة ومعنى.
[ ١٦٩ ]
وهي يومئذٍ مملوكة، وطلبت إلى أبي لهب أن تبتاعها منه لتعتقها، فأبي أبو لهب، فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، أعتقها أبو لهب، وكان رسول الله ﷺ يبعث إليها بصلة وكسوة، حتى جاءه خبرها أنها قد تُوفيت سنة سبع مرجعة من خيبر) (١) .
وقال الحافظ ابن عبد البر في ترجمة النبي ﷺ بعد أن ذكره إرضاع ثويبة للرسول ﷺ: (وأعتقها أبو لهب بعدما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة) (٢) ا. هـ.
وقال ابن الجوزي: (وكانت ثويبة تدخل على رسول الله ﷺ بعدما تزوج خديجة فيكرمها رسول الله ﷺ وتكرمها خديجة، وهي يومئذٍ أمة، ثم أعتقها أبو لهب) (٣) ا. هـ.
أنه لم يثبت من طريق صحيح أن أبا لهب فرح بولادة النبي ﷺ ولا أن ثويبة بشرته بولاته، ولا أنه أعتق ثويبة من أجل البشارة بولادة النبي ﷺ وتقدم ذلك - فكل هذا لم يثبت، ومن ادّعى ثبوت شيء من ذلك، فعليه إقامة الدليل على ما ادَّعاه، ولن يجد إلى الدليل الصحيح سبيلًا (٤) .،
_________________
(١) -يراجع: الطبقات (١/١٠٨، ١٠٩) .
(٢) - يراجع: الاستيعاب (١/١٢) .
(٣) - يراجع: الوفا بأحوال المصطفى (١/١٧٨، ١٧٩) .
(٤) - يراجع: الرد القوي ص (٥٧) .
[ ١٧٠ ]