ورد في الحديث قوله ﷺ «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولاصفر» (١) .
واختلف العلماء في قوله «لا عدوى»، فهل المراد النهي أو النفي؟.
قال ابن قيم الجوزية: (هذا يحتمل أن يكون نفيًا، أو يكون نهيًا، أي: لا تتطيروا، ولكن قوله في الحديث: «لا عدوى ولاصفر ولا هامة» يدل على أن المراد النفي، وإبطال هذه الأمور التي كانت الجاهلية تعانيها، والنفي في هذا أبلغ من النهي؛ لأن النفي يدل على بطلان ذلك، وعدم تأثيره، والنهي إنما يدل على المنع منه) ا. هـ (٢) .
وقال ابن رجب: (اختلفوا في معنى قوله: «لا عدوى»، وأظهر ما قيل في ذلك: أنه نفي لما كان يعتقده أهل الجاهلية، من أن هذه الأمراض تعدي بطبعها، من غير اعتقاد تقدير الله لذلك، ويدل على هذا قوله ﷺ: «فمن أعدى الأول»، يشير إلى الأول إنما جرب بقضاء الله وقدره، فكذلك الثاني وما بعده) ا. هـ (٣) .
قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ (٤) .
وأما قوله ﷺ: «ولا صفر»، فاختلف في تفسيره:
أولًا: قال كثير من المتقدمين: الصفر داء في البطن. يقال: أنه دود فيه كبار كالحيات، وهو أعدى من الجرب عند العرب، فنفى ذلك النبي ﷺ، وممن قال بهذا من
_________________
(١) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (١٠/٢١٥) كتاب الطب، حديث رقم (٥٧٥٧) .
(٢) - يراجع: مفتاح دار السعادة (٢/٢٣٤) .
(٣) - يراجع: لطائف المعارف ص (٦٨) .
(٤) - سورة الحديد: الآية٢٢.
[ ١٢٤ ]
العلماء: (ابن عيينة، والإمام أحمد، والإمام البخاري، والطبري) (١) .
وقيل: المراد بالصفر: الحية، لكن المراد بالنفي نفي ما كانوا يعتقدون أن من أصابه قتله، فردّ الشارع ذلك بأن الموت لا يكون إلا إذا فرغ الأجل.
وقد جاء هذا التفسير عن جابر وهو أحد رواة حديث: «ولاصفر» (٢) .
ثانيًا: وقالت طائفة: بل المراد بصفر هو شهر صفر. ثم اختلفوا في تفسيره على قولين:
أن المراد نفي ما كان أهل الجاهلية يفعلونه في النسيء فكانوا يحلون المحرم، ويحرمون صفر مكانه، وهذا قول الإمام مالك (٣)
_________________
(١) - يراجع: لطائف المعارف ص (٧٤)، وفتح الباري (١٠/١٧١) .
(٢) - يراجع: فتح الباري (١٠/١٧١)، وصحيح مسلم (٤/١٧٤٥) كتاب السلام، حديث رقم (٢٢٢٢) (١٠٩) . .
(٣) - يراجع: لطائف المعارف ص (٧٤)، وفتح الباري (١٠/١٧١) .
[ ١٢٥ ]
أن المراد أهل الجاهلية كانوا يستشئمون بصفر ويقولون أنه شهر مشئوم، فأبطل النبي ﷺ ذلك. ورجَّح هذا القول ابن رجب الحنبلي (١) .
ويجوز أن يكون المراد هو الدواب التي في البطن، والتي هي أعدى من الجرب بزعمهم، وأن يكون المراد تأخير الحرم إلى صفر وهو ما يسمى بالنسيء، وأن الصفرين جميعًا باطلان لا أصل لهما، ولا تصريح على واحد منهما.
وكذلك يجوز أن يكون المراد هو نفي التشاؤم بصفر؛ لأن التشاؤم صفر من الطيرة المنهي عنها؛ لقوله ﷺ: «لا طيرة» (٢) . لقوله ﷺ: «طيرة شرك، طيرة شرك» (٣) . ويكون قوله: «ولا صفر» من باب عطف الخاص على العام، وخصَّه بالذكر لاشتهاره.
فالنفي- والله أعلم- يشمل جميع المعاني التي فسر العلماء بها قوله ﷺ «لا صفر» والتي ذكرتها؛ لأنها جميعًا باطلة لا أصل لها ولا تصريح على واحد منها.
فكثير من الجهال يتشاءم بصفر، وربما ينهى عن السفر فيه، وقد قال بعض هؤلاء الجهال: ذكر بعض العارفين أنه ينزل في كل سنة ثلاثمائة وعشرون ألفًا من البليات، وكل ذلك في يوم الأربعاء الأخير من صفر، فيكون ذلك اليوم أصعب أيام السنة كلها، فمن صلى في ذلك اليوم أربع ركعات، يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة، وسورة الكوثر سبع عشرة مرة والإخلاص خمس عشرة مرة، والمعوذتين مرة، ويدعو بعد السلام بهذا الدعاء، حفظه الله بكرمه من جميع البليات التي تنزل في ذلك اليوم ولم تحم حوله بلية في تلك السنة، وهذا هو الدعاء:
_________________
(١) - يراجع: لطائف المعارف ص (٧٤) .
(٢) - يراجع: شرح النووي على صحيح مسلم (١٤/٢١٥) .
(٣) - رواه الإمام أحمد في مسنده (١/٤٤٠) . ورواه أبو داود في سننه (٤/٢٣٠) كتاب الطب، حديث رقم (٣٩١٠) . ورواه الترمذي في سننه (٣/٨٤، ٨٥) أبواب السير، حديث رقم (١٦٦٣)، وقال: حديث حسن صحيح. ورواه ابن ماجه في سننه (٢/١١٧٠) كتاب الطب، حديث رقم (٣٥٣٨) . ورواه الحاكم في المستدرك (١/١٧، ١٨) كتاب الإيمان، وقال: حديث صحيح سنده، ثقات رواته ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
[ ١٢٦ ]
«بعد البسملة اللهم يا شديد القوة، ويا شديد المحال، يا عزيز، يا من ذلت لعزتك جميع خلقك. اكنفني من شر خلقك، يا محسن يا مجمل يا متفضل، يا منعم يا متكرم، يا من لا إله إلا أنت، ارحمني برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم بسر الحسن وأخيه وجده وأبيه وأمه وبنيه (١)، اكفني شر هذا اليوم وما ينزل فيه يا كافي المهمات ويا دافع البليات، فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين» (٢) .
وكذلك ما يفعله بعض الناس في اجتماعهم في آخر أربعاء من شهر صفر بين العشاءين في بعض المساجد، ويتحلقون إلى كاتب يرقم لهم على أوراق آيات السلام السبعة على الأنبياء؛ كقوله تعالى: ﴿سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ (٣) .
ثم يضعونها في الأواني، ويشربون من مائها، ويعتقدون أن سر كتابتها في هذا الوقت، ثم يتهادونها إلى البيوت.
ونظير هذا تشاؤم بعض الناس في بعض الأقطار الإسلامية من عيادة المريض يوم الأربعاء وتطيرهم منه (٤) .
ولا شك التشاؤم بصفر أو بيوم من أيامه هو من جنس الطيرة المنهي عنها (٥): فقد قال ﷺ: «لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولاصفر» (٦) .
وقال ﷺ «لا عدوى، ولا طيرة، ويعجبني الفأل» قالوا: وما الفأل؟ قال: «كلمة طيبة» (٧) .
_________________
(١) - وهل يتقرب إلى الله بهذه الألفاظ والتوسلات الشركية؟!. وإنما هذا دليل واضح على بدعية وضلالة هذه الأدعية التي هي من وضع بعض الجهال من الصوفية وأضرابهم.
(٢) - يراجع: رسالة روي الضمآن في فضائل الأشهر والأيام ص (٤) .
(٣) - سورة الصافات:٧٩.
(٤) - يراجع: إصلاح المساجد ص (١١٦) .
(٥) - يراجع: تيسير العزيز الحميد ص (٣٨٠) .
(٦) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (١٠/٢١٥) كتاب الطب، حديث رقم (٥٧٥٧) .
(٧) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (١٠/٢٤٤) كتاب الطب، حديث رقم (٥٧٧٦) واللفظ له. ورواه مسلم في صحيحه (٤/١٧٤٦) كتاب السلام، حديث رقم (٢٢٢٤) .
[ ١٢٧ ]
وقال ﵊ «طيرة شرك، طيرة شرك» (١) .
وقال ﷺ: «من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك»، قالوا: فما كفارة ذلك؟ قال: «أن تقول: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك» (٢) إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة في النهي عن الطيرة.
وتخصيص الشؤم بزمان دون زمان؛ كشهر صفر وغيره صحيح، لأن الزمان كله خلق الله تعالى، وفيه تقع أفعال بني آدم، فكل زمان شغله المؤمن بطاعة الله فهو زمان مبارك عليه، وكل زمان شغله العبد بمعصية الله فهو مشؤم عليه.
فالشؤم في الحقيقة هو معصية الله تعالى، واقتراف الذنوب، فإنها تسخط الله ﷿، فإذا سخط على عبده، شقي في الدنيا والآخرة، كما أنه إذا رضي عن عبده سعد في الدنيا والآخرة.
فالعاصي مشؤم على نفسه، وعلى غيره، فإنه لا يؤمن أن ينزل عليه عذاب فيعم الناس، خصوصًا من لم ينكر عليه عمله، فالبُعد عنه متعين (٣) .
أما قوله ﷺ: «لا عدوى، ولا طيرة، والشؤم في ثلاث: المرأة، والدار، والدابة» (٤) .
فقد اختلف العلماء فيه:
فروي عن عائشة - ﵂ - أنها أنكرت هذا الحديث أن يكون من
_________________
(١) - رواه الإمام أحمد في مسنده (١/٤٤٠) . ورواه أبو داود في سننه (٤/٢٣٠) كتاب الطب، حديث رقم (٣٩١٠) . ورواه الترمذي في سننه (٣/٨٤، ٨٥) أبواب السير، حديث رقم (١٦٦٣)، وقال: حديث حسن صحيح. ورواه ابن ماجه في سننه (٢/١١٧٠) كتاب الطب، حديث رقم (٣٥٣٨) . ورواه الحاكم في المستدرك (١/١٧، ١٨) كتاب الإيمان، وقال: حديث صحيح سنده، ثقات رواته ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
(٢) - رواه الإمام أحمد في مسنده (٢/٢٢٠)، ورواه ابن السني في عمل اليوم والليلة والطبراني وفيه ابن لهيعة، وحديثه حسن، وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات. قلت: (ولكن الذي روي عن ابن لهيعة في رواية ابن السني هو عبد الله بن وهب بن مسلم المصري، قال ابن حبان في معرض كلامه عن ابن لهيعة: وكان أصحابنا يقولون: سماع من يمع منه قبل احتراق كتبه مثل العبادلة - عبد الله بن وهب، وابن مبارك، وعبد الله بن يزيد المقرئ، وعبد الله بن مسلمة القعنبي - فسماعهم صحيح) ا. هـ. يراجع: ميزان الاعتدال (٢/٤٨٢)، فيكون إسناد رواية ابن السني صحيح.
(٣) - يراجع: لطائف المعارف ص (٧٤-٧٧) .
(٤) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (١٠/٢١٢) كتاب الطب، حديث رقم (٥٧٥٣) . ورواه مسلم في صحيحه (٤/ ١٧٤٦، ١٧٤٧) كتاب السلام، حديث رقم (٢٢٢٥) .
[ ١٢٨ ]
كلام النبي ﷺ: إنما قال: «كان أهل الجاهلية يقولون: الطيرة في المرأة والدار والدابة»، ثم قرأت عائشة: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (١) . (٢)
وقال معمر: سمعت من يفسر هذا الحديث يقول: (شؤم المرأة إذا كانت غير ولود، وشؤم الفرس إذا لم يغز عليه في سبيل الله، وشؤم الدار جار السوء)
ومنهم من قال: قد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «لا شؤم، وقد يكون اليمن في الدار والمرأة والفرس» (٣) .
والتحقيق: أن يقال في إثبات الشؤم في هذه الثلاث ما ورد في النهي عن إيراد المريض على الصحيح (٤)، والفرار من المجذوم (٥)، ومن أرض الطاعون (٦): أن هذه
_________________
(١) - سورة الحديد:٢٢.
(٢) - رواه الإمام أحمد في مسنده (٦/٢٤٦) . ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٤٧٩) كتاب التفسير، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
(٣) - رواه الترمذي في سننه (٤/٢٠٩) أبواب الاستئذان والآداب، حديث رقم (٢٩٨٠) . ورواه ابن ماجه في سننه (١/٦٤٢)، كتاب النكاح، حديث رقم (١٩٩٣) . قال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح، رجاله ثقات، وليس لمحمد بن معاوية عند ابن ماجه سوى هذا الحديث، وليس له شيء في الخمسة الأصول. يراجع: مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه (٢/١٢٠) . قال ابن حجر: وأما ما أخرجه الترمذي - وذكر هذا الحديث - ففي إسناده ضعف مع مخالفته للأحاديث الصحيحة. يراجع فتح الباري (٦/٦٢) .
(٤) - في حديث رواه مسلم في صحيحه (٤/ ١٧٤٣، ١٧٤٤) كتاب السلام، حديث رقم (٢٢٢١) .
(٥) - رواه البخاري تعليقًا في صحيحه مع فتح الباري (١٠/ ١٥٨) كتاب الطب، حديث رقم (٥٧٠٧) . قال ابن حجر: وقد وصله أبو نعيم وابن خزيمة في صحيحه. ا. هـ. يراجع: فتح الباري (١٠/١٥٨) .
(٦) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (١٠/١٧٨، ١٧٩) كتاب الطب، حديث رقم (٥٧٢٨) . ورواه مسلم في صحيحه (٤/ ١٧٣٧، ١٧٤١)، حديث رقم (٢٢١٩) .
[ ١٢٩ ]
الثلاث أسباب يقدر الله تعالى بها الشؤم واليمن ويقرنه.
والشؤم بهذه الثلاثة إنما يلحق من تشاءم بها، فسيكون شؤمها عليه، ومن توكل على الله ولم يتشاءم ولم يتطير، لم يكن مشؤومة عليه، ويدلُّ على ذلك حديث أنس - ﵁ -: «الطيرة على من تطير» (١) .
وقد يجعل الله ﷾ تطير العبد، وتشاؤمه سببًا لحلول المكروه، كما يجعل الثقة به، والتوكُّل عليه وإفراده بالخوف والرجاء من أعظم الأسباب التي يدفع بها الشر المتطير به، وسر هذا أن الطيرة إنما تتضمن الشرك بالله تعالى، والخوف من غيره، وعدم التوكل عليه والثقة به، فكان صاحبها غرضًا لسهام الشر والبلاء، فيتسرع نفوذها؛ لأنّه لم يتدرع بالتوحيد والتوكل، والنفس لابد أن تتطير، ولكن المؤمن القوي الإيمان يدفع موجب تطيره بالتوكل على الله، فإن من توكل على الله وحده كفاه من غيره، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ *إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ (٢) . (٣) .
قال ابن الجوزية: (فإخباره ﷺ بالشؤم أنه يكون في هذه الثلاثة، ليس فيه
_________________
(١) - رواه ابن حبان في صحيحه. يُراجع: موارد الظمآن ص (٣٤٥، ٣٤٦)، حديث رقم (١٤٢٨) . قال ابن حجر: وفي صحته نظر؛ لأنه من رواية عتبة بن حميد عن عبيد الله بن أبي بكر عن أنس، وعتبة مختلف فيه. يراجع: فتح الباري (٦/٦٣) .
(٢) - سورة النحل: الآيات ٩٨- ١٠٠.
(٣) - يراجع: مفتاح دار السعادة (٢/٢٥٦) .
[ ١٣٠ ]
إثبات الطيرة التي نفاها، وإنما غايته أن الله سبحانه، قد يخلق منها أعيانًا مشؤمة على من قاربها وسكنها وأعيانًا مباركة لا يلحق من قاربها منها شؤم ولا شر، وهذا كما يعطي سبحانه الوالدين ولدًا مباركًا، يريان الخير على وجهه، ويعطي غيرهما ولدًا فكذلك الدار والمرأة والفرس. والله سبحانه خالق الخير والشر من قارنها، وحصول اليمن له والبركة، ويخلق بعض ذلك نحوسًا يتنحس بها من قارنها، وكل ذلك بقضائه وقدره، كما خلق سائر الأسباب، وربطها بمسبباتها المتضادة والمختلفة، فكما خلق المسك (١) وغيره من حامل الأرواح الطيبة، ولذذ بها من قارنها من الناس، وخلق ضدها وجعلها سببًا لإيذاء من قارنها من الناس، والفرق بين هذين النوعين يدرك بالحس، فكذلك في الديار والنساء والخيل، فهذا لون والطيرة الشركية لون آخر (٢) .
ولهذا يشرع لمن استفاد زوجة أو أمة أو دابة، أن يسأل الله تعالى من خيرها، وخير ما جبلت عليه، ويستعيذ به من شرها وشر ما جبلت عليه، كما ورد ذلك عن النبي ﷺ (٣)، وكذلك ينبغي لمن سكن دارًا أن يفعل ذلك، وقد أمر ﷺ قومًا سكنوا دارًا فقلَّ عددهم، وقلَّ مالهم أن يتركوها ذميمة (٤) .
فترك ما لا يجد الإنسان فيه بركة، من دار أو زوجة أو دابة، منهي عنه، وكذلك من اتّجر في شيء فلم يربح فيه، لقوله ﷺ: «إذا كان لأحدكم رزق في شيء فلا يدعه حتى يتغير له أو يتنكر له» (٥) .
_________________
(١) - المسك: ضرب من الطيب مذكر. يُراجع: لسان العرب (١٠/٤٨٧) مادة (مسك) .
(٢) - يراجع: مفتاح دار السعادة (٢/٢٥٧) .
(٣) - رواه أبو داود في سننه (٢/٦١٦، ٦١٧) كتاب النكاح، حديث رقم (٢١٦٠) . ورواه ابن ماجه في سننه (١/٦١٧، ٦١٨) كتاب النكاح، حديث رقم (١٩١٨) . ورواه ابن السني في عمل اليوم والليلة ص (٢٢٤) حديث رقم (٦٠٥) . ورواه الحاكم في المستدرك (٢/١٨٥، ١٨٦) كتاب النكاح، وقال: حديث صحيح ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
(٤) - رواه مالك في الموطأ (٢/٩٧٢) كتاب الاستذان، حديث رقم (٢٣) . ورواه أبو داود في سننه (٤/٢٣٨، ٢٣٩) كتاب الطب، حديث رقم (٣٩٢٤) . ورواه البيهقي في سننه (٨/١٤٠) كتاب القسامة.
(٥) - رواه الإمام أحمد في مسنده (٦/٢٤٦) . ورواه ابن ماجه في سننه (٢/٧٢٧) كتاب التجارات، حديث رقم (٢١٤٨) . قلت: وهذا الحديث ضعيف؛ لأنُّ فيه الزبير بن عبيد وهو مجهول. يراجع: تقريب التهذيب (١/٢٥٨) .
[ ١٣١ ]
فالتطير والتشاؤم بوقت أو شخص أو دار أو غير ذلك، من الشرك كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ في الأحاديث السابق ذكرها.
والتشاؤم من الاعتقادات الجاهلية التي انتشرت - وللأسف الشديد - بين كثير من جهال المسلمين، نتيجة جهلهم بالدين عمومًا، وضعف عقيدة التوحيد فيهم خصوصًا، وسبب ذلك الجهل، ونقص التوحيد، وضعف الإيمان، هو عدم انتشار الوعي الصحيح فيهم، ومخالطة أهل البدع والضلال، وقلة من يرشدهم ويبين لهم الطريق المستقيم، وما يجب اعتقاده، وما لا يجوز اعتقاده، وما هو شرك أكبر يخرج المسلم عن الملة الإسلامية وما هو شرك أصغر، وما هو ذريعة إلى الشرك ينافي كمال التوحيد، ويوصل الفاعل في النهاية إلى الشرك الأكبر، الذي لا يغفر الله لصاحبه إن مات ولم يتب، ويكون مخلدًا في النار، وتحبط جميع أعماله الصالحة، كما قال تعالى: ﴿ إنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (١) . وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ (٢) . (٣) .
ومع ذلك لا زال كثير من الناس يتشاءمون من شهر صفر، ومن السفر فيه، فلا يقيمون فيه مناسبة ولا فرحًا، فإذا جاء في نهاية الشهر، احتفلوا في الأربعاء الأخير، احتفالًا كبيرًا، فأقاموا الولائم والأطعمة المخصوصة والحلوى، خارج القرى والمدن، وجعلوا يمشون على الأعشاب للشفاء من الأمراض (٤) .
وهذا لا شك أنه من الجهل الموقع في الشرك - والعياذ بالله - ومن البدع الشركية، ويتوقف بالدرجة الأولى على سلامة العقيدة. فهذه الأمور لا تصدر إلا ممن يشوب اعتقاده بعض الأمور الشركية، التي يجر بعضها بعضًا كالتوسلات الشركية، والتبرك بالمخلوقين، والاستغاثة بهم.
أما من أنعم الله عليه بسلامة العقيدة، وصحتها، فإنه دائمًا متوكِّل على الله، معتمدٌ عليه، موقنٌ بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن
_________________
(١) -سورة المائدة: الآية٧٢.
(٢) - سورة النساء:٤٨.
(٣) - يراجع: تطهير المجتمعات ص (٧٤، ٧٥) .
(٤) - يراجع: تحذير المسلمين ص (٢٨١) .
[ ١٣٢ ]
التشاؤم والطيرة، واعتقاد النفع أو الضر في غير الله، ونحو ذلك كله من الشرك الذي هو من أشد الظلم، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (١) .
والتشاؤم مما ينافي تحقيق التوحيد، وتحقيق التوحيد منه ما يكون واجبًا، ومنه ما يكون مندوبًا.
فالواجب: تخليصه وتصفيته عن شوائب الشرك والبدع والمعاصي، فالشرك ينافيه بالكلية، والبدع تنافي كماله الواجب، والمعاصي تقدح فيه وتنقص ثوابه.
فلا يكون العبد محققًا التوحيد حتى يسلم من الشرك بنوعيه ويسلم من البدع والمعاصي (٢) .
والمندوب: تحقيق المقربين (٣)، وهو انجذاب الروح إلى الله محبة وخوفًا، وإنابة وتوكلًا، ودعاءً وإخلاصًا وإجلالًا وهيبة، وتعظيمًا وعبادةً، فلا يكون في قلبه شيء لغير الله، ولا إرادة لما حرَّم الله، ولا كراهة لما أمر الله، وذلك هو حقيقة لا إله إلا الله (٤) .
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد - باب من حقق التوحيد
_________________
(١) -سورة لقمان: الآية١٣.
(٢) - تراجع: حاشية الشيخ ابن قاسم على كتاب التوحيد ص (٣٧) .
(٣) - الذين قال الله فيهم: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [سورة الواقعة: ١٠ - ١٢] .
(٤) - يراجع: تيسير العزيز الحميد ص (٧٦) .
[ ١٣٣ ]
دخل الجنة بغير حساب (١)، وذكر فيه حديث ابن عباس - ﵄ - عن النبي ﷺ قال: «عرضت على الأمم، فأخذ النبي يمر معه الأمة، والنبي يمر معه النفر، والنبي يمر معه العشرة، والنبي يمر معه الخمسة، النبي يمر وحده، فنظرت فإذا سواد كثير، قلت: يا جبريل! هؤلاء أمتي؟ قال: لا ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد كثير قال: هؤلاء أمتك قال: هؤلاء أمتك، وهؤلاء سبعون ألفًا قدّامهم لا حساب عليهم ولا عذاب. قلت: ولِم؟ قال: كانوا لا يكتوون (٢)، ولا يسترقون (٣)، ولا يتطيِّرون (٤)، وعلى ربهم يتوكلون» الحديث (٥) .
فذكر الرسول ﷺ من صفات الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، الذين لا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون، والتوكل على الله هو الأصل الجامع الذي تفرعت عنه هذه الأفعال.
فخلاصة الكلام أن التشاؤم بصفر وغيره من الأزمنة ونحو ذلك، من البدع الشركية، التي يجب تركها والابتعاد عنها، لما ورد في ذلك من الترغيب والترهيب. والله أعلم.
_________________
(١) - يراجع: كتاب التوحيد بحاشية ابن قاسم ص (٣٧) .
(٢) - أي: لا يسألون غيرهم أن يكويهم بالنار، استسلامًا للقضاء، وتلذذًا بالبلاء مع أن الكي في نفسه جائز. يراجع: حاشية الشيخ ابن قاسم على كتاب التوحيد ص (٤٥، ٨٦) .
(٣) - أي لا يطلبون من يرقيهم استسلامًا للقضاء، وتلذذًا بالبلاء. والرقية: قراءة القرآن على المريض ونحوه. يراجع: حاشية الشيخ ابن قاسم على كتاب التوحيد ص (٤٥، ٨٦) .
(٤) - سبق الكلام عن التطير.
(٥) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (١١/٤٠٥، ٤٠٦) كتاب الرقاق، حديث رقم (٦٥٤١)، واللفظ له. ورواه مسلم في صحيحه مطولًا (١/ ١٩٩، ٢٠٠) كتاب الإيمان، حديث رقم (٢٢٠) .
[ ١٣٤ ]
الفصل الثالث