يختلف حكم البدعة باختلاف تقسيمها، فالعلماء الذين قسَّمُوا البدعة إلى خمسة
_________________
(١) - وهي ناحية على ثمانية برد من المدينة لمن يريد الشام، يطلق هذا الاسم على الولاية وهي مشتملة على سبعة حصون ومزارع ونخل كثير، وخبير بلسان اليهود: الحصن، وقد فتحها النبي ﷺ في سنة سبع أو ثمان للهجرة، وفي خلافة عمر - ﵁ -، نفى أهلها إلى الشام. يُراجع: معجم البلدان (٢/٤٠٩- ٤١٠)، وهي الآن تابعة لإمارة المدينة النبوية.
(٢) - نجران من مخاليف اليمن من ناحية مكة، وسمي بذلك نسبة إلى نجران بن يعرب بن قحطان؛ لأنه أول من عمرها، وبها واد عظيم، وكان بها على زمن النبي ﷺ كعبة وبها أساقفة وهم الذين دعاهم ﷺ للمباهلة. وبها خُد الأخدود ولا زالت آثاره باقية. وهي الآن تابعة للمملكة العربية السعودية، وبها إمارة خاصة بمنطقة نجران وتبعد عن الرياض حوالي تسعمائة كيلوا متر عن طريق وادي الدواسر، وتشتهر بالزراعة. يراجع: معجم البلدان (٥/٢٦٦ - ٢٧٠) .
(٣) - يُراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/٥٨٩-٥٩٢) .
[ ٢٧ ]
أقسام بحسب الأحكام التكليفية- كالعز بن عبد السلام وغيره-لا إشكال عندهم﵏- في حكم البدعة، فهي عندهم تنقسم إلى بدعة واجبة وبدعة مندوبة، وبدعة مباحة وبدعة مكروهة وبدعة محرمة.
فالبدعة الواجبة حكمها الوجوب، والبدعة المندوبة حكمها الندب وهكذا باقي أقسام البدعة عندهم.
وأما على قول من قال إن البدع كلها مذمومة - وهو القول الراجح من أقوال العلماء -فإنهم قالوا بأن البدع حرام، ولكنها تتفاوت في التحريم:
أ- فمنها ما هو كفر لا يحتمل التأويل، كبدعة الجاهلية التي نبَّه عليها القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ (١) .
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ (٢) .
وقوله تعالى: ﴿َا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ﴾ (٣) .
وكذلك بدعة المنافقين في اتخاذ الدين ذريعة لحفظ النفس والمال وما أشبه ذلك من أنواع الكفر
ب- ومنها ما هو من المعاصي التي ليست بكفر، أو مختلف فيها هل هي كفر أم لا؟؛ كبدعة الخوارج، والقدرية (٤)،
_________________
(١) - سورة الأنعام: الآية١٣٦.
(٢) - سورة الأنعام: الآية١٣٩.
(٣) -سورة المائدة: الآية١٠٣.
(٤) - القدرية: فرقة ضالة تنفي صفات الله الأزلية كالعلم والقدرة والحياة والسمع والبصر وأنه ليس لله اسم ولا صفة، وأن الله لا يُرى، وأن كلام الله حادث مخلوق، وأن الله غير خالق لأكساب الناس، وأن الناس هم الذين يقدرون كسبهم، فهم ينكرون القدر فلذلك سمُّو قدرية. وبدعتهم هذه حدثت في آخر عصر الصحابة وكان أكثرهم في الشام والبصرة وفي المدينة أيضًا، وأصل هذه البدعة أحدثها مجوسي من البصرة ثم تلقَّاها عنه معبد الحهني. وقد أنكر الصحابة عليهم ذلك. يراجع: الفرق بين الفرق ص (٩٣- ٩٤)، ومجموع الفتاوى (٧/٣٨٤- ٣٨٦)، وكذلك (١٣/٣٦، ٣٧) .
[ ٢٨ ]
والمرجئة (١)، ومن أشبههم من الفرق الضَّالة.
ج- ومنها ما هو معصية؛ كبدعة التبتل، والصيام قائمًا في الشمس، والخصاء بقصد قطع شهوة الجماع.
د-ومنها ما هو مكروه، كبدعة التعريف - وهو اجتماع الناس في المساجد للدعاء عشية عرفة - وذكر السلاطين في خطبة الجمعة، ونحو ذلك.
فهذه البدع ليست في رتبة واحدة، وليس حكمها واحد.
وكما أن المعاصي منها ما هو صغيرة، ومنها ما هو كبيرة ويعرف ذلك بكونها واقعة في الضروريات أو الحاجيات أو التكميليات - التحسينات - فإن كانت الضروريات- وهي الدين، والنفس، والنسل، والعقل، والمال - فهي أعظم الكبائر، وإن وقعت في التحسينات فهي أدنى رتبة بلا إشكال، وإن وقعت في الحاجيات فمتوسطة بين الرتبتين.
والبدع من جملة المعاصي، وقد ثبت التفاوت في المعاصي، فكذلك يتصور مثله في البدع:
فمنها ما يقع في الضروريات، ومنها ما يقع في الحاجيات، ومنها ما يقع في التحسينات.
وما يقع في رتبة الضروريات: منه ما يقع في الدين أو النفس أو النسل أو العقل أو المال.
_________________
(١) - المرجئة: من الفرق الضَّلَّة التي تقوم: لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، والإرجاء هو: التأخير، وسمُّوا مرجئة لتأخيرهم العمل عن النية، أو لتأخير حكم صاحب الكبيرة إلى يوم القيامة، ويقولون: إنَّ الإيمان لا يزيد ولا ينقص. وإنه يكون في القلب واللسان. يراجع: الفرق بين الفرق (١٩٠- ١٩٥)، والملل والنِّحل للشهرستاني ص (١٣٩-١٤٦) .
[ ٢٩ ]
فمثال وقوعه في الدين: ما تقدم من اختراع الكفار، وتغييرهم ملة إبراهيم - ﵇ - من نحوه قول تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ﴾ (١) .
قال سعيد بن المسيب﵀-: البحيرة: التي يمنح درّها للطواغيت، فلا يحلبها أحد من الناس.
والسَّائبة: كانوا يسبونها لآلهتهم فلا يحمل عليها شيء.
والوصيلة: الناقة البكر، تُبكّر في أول نتاج الإبل بأنثى، ثم تثنى بعد بأنثى، وكانوا يُسيبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بالأخرى، ليس بينهما ذكر.
والحام: فحل الإبل يضرب الضراب المعدود، فإذا قضى ضرابه، ودعوه للطواغيت، وأعفوه من الحمل فلم يُحمل عليه شيء، وسموه الحامي (٢) .
ففي الآية السابقة نفي لفعل أهل الجاهلية وتغييرهم ملة إبراهيم - ﵇-، حيث اخترعوا أشياء من أنفسهم، ونسبوه إلى الدين، وجعلوها من شعائرهم.
ومثال ما يقع في النفس: ما ذكر من نحل الهند في تعذيبها أنفسها بأنواع العذاب الشنيع والقتل بالأصناف التي تفزع منها القلوب، كل ذلك على استعجاب الموت لنيل الدرجات العلى بزعمهم. ومنها قتل العرب أولادهم في الجاهلية خشية الفقر أو العار، قال تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ (٣) .
وقال تعالى ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ*بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ (٤) .
_________________
(١) -سورة المائدة: الآية١٠٣.
(٢) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٢/٢٨٣)، كتاب التفسير، حديث (٤٦٢٣) .
(٣) -سورة الاسراء: الآية٣١.
(٤) -سورة التكوير: الآيتان ٨، ٩.
[ ٣٠ ]
ومثال ما يقع في النسل: نكاحات الجاهلية، فجاء عن عائشة أم المؤمنين - ﵂ -: «أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء: فنكاح منها نكاح الناس اليوم، يخطب الرجل إلى الرجل وليّته أو ابنته فيصدقها ثم ينكحها. ونكاح آخر: كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها: أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه، ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبدًا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب، وإنَّما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد، فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع. ونكاح آخر: يجتمع الرهط ما دون العشرة، فيدخلون على المرأة كلهم يُصيبها، فإذا حملت ووضعت ومرّ ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع، حتى يجتمعوا عندها، تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت فهو ابنك يا فلان، تُسمي من أحبت باسمه، فيلحق به ولدها، لا يستطيع أن يمتنع به الرجل. ونكاح الرابع: يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمنع من جاءها، وهنَّ البغايا، كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علمًا، فمن أرادهن دخل عليهنَّ، فإذا حملت إحداهن، ووضعت حملها، ج معوا لها ودعوا لهم القافة، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون فالتاطته به (١)
ودعي ابنه لا يمتنع من ذلك. فلما بُعث محمد ﷺ بالحق هدم نكاح الجاهلية كله، إلا نكاح الناس اليوم» (٢) .
ومثال ما يقع في العقل: أن الشريعة بَّينت أن حكم الله على العباد لا يكون إلا بما شرع في دينه على ألسِنة أنبيائه ورسله، ولذلك قال تعالى ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ
_________________
(١) - فالتاطته به: أي استلحقته به، وأصل اللوط - بفتح اللام -: اللصوق. يراجع: النهاية لابن الأثير (٤/٢٧٧) باب اللام مع الواو، وفتح الباري (٩/١٨٥) .
(٢) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٩/١٨٢، ١٨٣)، كتاب النكاح، حديث رقم (٥١٢٧)، ورواه أبو داود في سننه (٢/٧٠٢) كتاب الطلاق، حديث رقم (٢٢٧٢) .
[ ٣١ ]
إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (١) .
وقال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ (٢) .
فخرجت أقوام عن هذا الأصل فزعموا أن العقل له مجال في التشريع وأنه مُحسن ومُقبح، فابتدعوا في دين الله ما ليس فيه.
ومثال ما يقع في المال: أالكفار قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ (٣) .
فإنهم لما استحلوا العمل به احتجُّوا بقياس فاسد، فقالوا: إذا فسخ العشرة التي اشترى بها إلى شهر في خمسة عشر إلى شهر، فهو كما لو باع بخمسة عشر إلى شهرين فأكذبهم الله تعالى ورد عليهم فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ (٤)؛ أي: ليس البيع مثل الربا، فهذه محدثة أخذوا بها مستندين إلى رأي فاسد، فكان من جملة المحدثات كسائر ما حدثوا في البيوع الجارية بينهم المبنية على الخطر والغرر.
ومن ذلك أيضًا ما شرعوه في الأموال كالحظوظ التي كانوا يخصُّون بها الأمير، وسموها بأسماء مختلفة بينها شاعرهم بقول:
لك المرباع فيها والصفايا وحكمك والنشيطة والفضول (٥)
فلما أنزل الله القرآن بقسمة الغنيمة في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآية (٦)، ارتفع حكم هذه البدعة (٧) .
ويرى الشاطبي أن البدعة لا تكون صغيرة إلا إذا توفرت فيها عدة شروط؛ منها:
_________________
(١) -سورة النساء: لآية٥٩.
(٢) -سورة الأنعام: الآية٥٧.
(٣) - سورة البقرة: الآية٢٧٥.
(٤) - سورة البقرة: الآية٢٧٥.
(٥) - المرباع: ربع المغنم. والصفايا: ما يصفيه الأمير لنفسه من المغنم. والنشيطة: ما يغنمه الغزاة في الطريق. والفضول: ما عجز عن أن يُقسم لقتله وخص به. يراجع: لسان العرب (٨/١٠١)، مادة (ربع) .
(٦) - سورة لأنفال: الآية٤١.
(٧) - يراجع: الاعتصام للشاطبي (٢/٣٧-٤٨) .
[ ٣٢ ]
١- أن لا يداوم عليها، فإنَّ الصغيرة من المعاصي لمن داوم عليها تكبر بالنسبة إليه؛ لأن ذلك ناشئ عن الإصرار عليها، والإصرار على الصغيرة يُصيِّرها كبيرة.
٢- أن لا يدعو المبتدع إلى بدعته، فإن البدعة قد تكون صغيرة بالإضافة ثم يدعو مبتدعها إلى القول بها والعمل على مقتضاها، فيكون إثم ذلك كله عليه.
٣- أن لا يفعلها في المواضع التي هي مجتمعات الناس أو المواضع التي تقام فيها السنن، وتظهر فيها أعلام الشريعة، فأما إظهارها في المجتمعات ممن يُقتدى به أو ممن يحسن الظن به، فذلك من أضر الأشياء على سنة الإسلام؛ لأنه إما أن يقتدي العوام بصاحبها فيها، وإذا اقتدى بصاحب البدعة الصغيرة كبرت بالنسبة إليه، أو أن يتوهم الناس أن ما أظهره هو من شعائر الإسلام فكأنه بإظهاره لها يقول: هذه سنة فاتبعوها.
٤-أن لا يستصغرها ولا يستحقرها، فإن ذلك استهانة بها، والاستهانة بالذنب أعظم من الذنب فكان ذلك سببًا لعظم ما هو صغير
فإذا تحققت هذه الشروط، فإن ذلك يرجى أن تكون صغيرتها صغيرة، فإذا تخلف شرط منها أو أكثر، صارت كبيرة، أو خيف أن تكون كبيرة، كما أن المعاصي كذلك (١) .
وبعد أن تكلمنا عن حكم البدع نورد بشكل موجز موقف السلف الصالح من البدع عمومًا وتحذيرهم منها، فمن ذلك:
قول ابن مسعود -﵁ -: «الاقتصاد في السنة، أحسن من الاجتهاد في البدعة» (٢) .
وقول ابن عباس﵄ -: «ما أتى على الناس عام إلا أحدثوا فيه بدعة، وأماتوا فيه سنة حتى تحيا البدع، وتموت السنن» (٣) .
_________________
(١) - يراجع: الاعتصام للشاطبي (٢/٦٥- ٧٢) .
(٢) - رواه الحاكم في مستدركه (١/١٠٣) كتاب العلم. وقال: هذا حديث مسند صحيح على شروطهما ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في تلخيصه.
(٣) - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/١٨٨): رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثّقون. ورواه ابن وضاح في كتابه البدع والنهي عنها ص (٣٨) .
[ ٣٣ ]
وكذلك قول ابن مسعود -﵁ -: «اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كُفيتم» (١) .
وقال معاذ بن جبل - ﵁ -: «إن من ورائكم فتنًا يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن، حتى يأخذه المؤمن والمنافق، والرجل والمرأة والصغير والكبير، والعبد والحر، فيوشك قائل أن يقول: ما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن؟ ما هم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره. فإياكم وما ابتدع، فإن ما ابتدع ضلالة، وأحذركم زيغة الحكيم (٢)، فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق» (٣) .
فموقف السلف من البدع صريح وواضح، وهو التحذير من البدع والحرص الشديد على التمسك بالسنة والاعتصام بها، ولهذا قال أئمة الإسلام؛ كسفيان الثوري وغيره، أن البدع أحب إلى إبليس من المعصية؛ لأن البدعة لا يتاب منها، والمعصية يتاب منها.
ومعنى قولهم أن البدعة لا يتاب منها: أن المبتدع الذي يتخذ دينًا لم يشرعه الله ولا
_________________
(١) - رواه الدارمي في سننه (١/٦٩) . وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١/١٨١)، وقال: رواه الطبراني في الكبير رجال الصحيح.
(٢) - أي انحراف العالم عن الحق، فإذا انحرف العالم عن الحق فلا يُتبع. يراجع: عون المعبود (١٢/٣٦٤)، باب لزوم السنة.
(٣) - رواه أبو داود في سننه (٥/١٧)، كتاب السنة موقوفًا على معاذ.
[ ٣٤ ]
رسوله، قد زين له سوء عمله فرآه حسنًا، فهو لا يتوب ما دام يراه حسنًا لأن أول التوبة العلم بأن فعله سيئ ليتوب منه أو بأنه ترك حسنًا مأمورًا به أمر إيجاب أو استحباب ليتوب ويفعله، فما دام يرى فعله حسنًا وهو سيء في نفسه الأمر فإنه لا يتوب.
ولكن التوبة منه ممكنة وواقعة، بأن يهديه الله ويرشده حتى يتبين له الحق كما هدى ﷾ من هدى من الكفار والمنافقين، وطوائف من أهل البدع والضلال (١) .
وسئل الإمام أحمد بن حنبل - ﵀ -: (الرجل يصوم ويعتكف أحب إليك، أو يتكلم في أهل البدع؟ فقال: إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين هذا أفضل) (٢) .
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - (أن تحذير الأمة من البدع والقائلين بها واجب باتفاق المسلمين) (٣) .
وقال أيضًا - ﵀ -: (إن أهل البدع شر من أهل المعاصي الشهوانية بالسنة والإجماع، فإن النبي ﷺ أمر بقتال الخوارج ونهى عن قتال أئمة الظلم، وقال في الذي يشرب الخمر: «لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله» (٤) .
_________________
(١) - يراجع: مجموعة فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٢٨/٢٣١) .
(٢) - يراجع: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٢٨/٢٣١) .
(٣) - يراجع مجموعة الفتاوى (٢٨/٢٣١) .
(٤) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (١٢/٧٥) كتاب الحدود، حديث رقم (٦٧٨٠) . ولفظه «لا تلعنوه، فوالله ما علمت أنه يحب الله ورسوله»
[ ٣٥ ]
وقال في ذي الخويصرة: «يخرج من ضئضيء هذا أقوام يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين- وفي رواية: «من الإسلام» - كما يمرق السهم من الرمية، يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة» (١)
ثم إن أهل المعاصي ذنوبهم: فعل بعض ما نُهوا عنه: من سرقة، أو زنا، أو شرب خمر، أو أكل مال بالباطل.
وأهل البدع ذنوبهم: ترك ما أمروا به من اتباع السنة وجماعة المؤمنين، فإن الخوارج أصل بدعتهم أنهم لا يرون طاعة الرسول ﷺ واتباعه فيما خالف ظاهر القرآن عندهم، وهذا ترك واجب. وكذلك الرافضة (٢) لا يرونه عدالة الصحابة ومحبتهم، والاستغفار لهم، وهذا ترك واجب ) (٣) .
_________________
(١) - رواه البخاري مع اختلاف بسيط في بعض الألفاظ في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٦/٣٧٦)، كتاب الأنبياء، حديث (٣٣٤٤) . ورواه مسلم في صحيحه المطبوع مع شرح النووي (٧/١٦٠-١٦٧) بألفاظ وطرق مختلفة.
(٢) - الرافضة: فرقة من فرق الضلال تقول إن النبي ﷺ نص على خلافة علي نصًا قاطعًا للعذر، وأنه إمام معصوم، ومن خالفه كفر وأن المهاجرين والأنصار كتموا النص، واتبعوا أهواءهم، وبدلوا الدين وغيروا الشريعة، وكفروا الصحابة، وقالوا: إن أبا بكر وعمر - ﵄ - ما زالا منافقين، أو آمنوا ثم كفروا - والعياذ بالله-. والرافضة توالي النصارى واليهود والمشركين على جمهور المسلمين، ومنهم ظهرت أمهات الزندقة والنفاق كزندقة بعض القرامطة والباطنية وأمثالهم، ولا ريب أنهم شر من الخوارج. وهم فرق عدة. يراجع: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٣/٣٥٦، ٣٥٧)، والفرق بين الفِرَق ص (١٥- ١٧) .
(٣) - يراجع: مجموعة الفتاوى (٢٠/ ١٠٣-١٠٥) .
[ ٣٦ ]