قال المعترض: "ولو صح لهم هذا التأويل الباطل لكانوا هم أشد الناس شركًا لأنهم يزورون الأمراء والحكام، ويتزلفون إليهم، ويتوسلون ببعضهم في
[ ٢٨٨ ]
حوائجهم بكل قول وعمل. وربما خاب أملهم بما يرجون فماذا علينا إذا توسلنا بجاه من فضله الله على كل خلقه في طلب نعيم دائم ورضا كريم. لا يمن ولا ينفع أو بقضاء حاجة دنيوية؟ فالمؤمن لا يعتقد لمخلوق فعلًا أو تأثيرًا. وقد بسط العلماء الجواب عما يفعله العوام مما يظن أن فيه شبهة شرك، وما هي فيه. ونحن وإياهم ما نقصد بذلك إلا إتباع أمر الله تعالى باتخاذ الوسائل، وابتغاء الأسباب التي منها السعي والكسب والدعاء، واتخاذ الوسائط، والتوسل بجاه أحبابه. وكل هذا صريح في القرآن العظيم والسنّة. لكن إذا سبق الشقاء عميت الأبصار وضلت البصائر".
أقول: إن المعترض يعني بالتأويل الباطل: تطبيق الآيات القرآنية على جميع الأمة المحمدية، حتى تقول الساعة، فمن اتصف بصفات أهل الخير وعمل عملهم فهو منهم ومن اتصف بصفات أهل الشرك والكفر وعمل عملهم فهو منهم. لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة. حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه. قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ ".
يقول المعترض: إننا نتأوَّل آيات نزلت بحق المشركين وقد مضوا. فمن تسمّى بالإسلام ولو عمل عملهم فأنه لا يضره ذلك، ولا يسمى مشركًا. وهذا قول من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض، وفساد هذا القول معلوم بنصوص الكتاب والسنّة التي لا تقبل تأويلًا. ولا يجهلها إلا معاند أو معرض عن معرفة ما فرضه الله تعالى عليه من واجبات دينه.
وأما قول المعترض: "إنهم بهذا التأويل يكونون أشد الناس شركًا لأنهم يزورون الأمراء والحكام إلى آخره".
فإنه قول غبي أحمق، وهو أن دعاء الأحياء فيما بينهم ومخاطبة بعضهم بعضًا في قضاء حوائجهم، وسؤال الضعيف من القوي فيما هو تحت قدرته:
[ ٢٨٩ ]
يكون كدعاء الأموات أو الغائبين، وسؤالهم ما لا يجوز سؤاله إلا من رب العالمين. بل يقول المعترض: إن بحق الأحياء أشد شركًا مما هو في حق الأموات والغائبين والله تعالى يقول في كتابه العظيم: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر، الآية:٢٢] وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو عمل ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" ومن المعلوم بالحس والعقل أنه إذا مات الإنسان فقد انقطعت عنه كل صلة في هذه الحياة الدنيا، وانقطع عنه كل حبيب من قرب أو بعيد، وأفضى إلى عالم آخر، وبرزخ ينتظر فيه يومًا: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج، الآية:٢] لا يملكون لأنفسهم نفعًا. ولا يدفعون عنها ضرًا فضلًا عن غيرهم أإله من الله أيها المشركون المتعلقون على الأموات؟
وأما الأحياء: فإنهم في دار التكليف، خلقهم الله تعالى لعبادته، ليبلوهم أيهم أحسن عملًا. وجعل لهم أسماعًا وأبصارًا، وقدرة وإرادة. وجعل منافعهم مشتركة فيما بينهم وأمرهم بالتعاون، ورفع بعضهم فوق بعض درجات. ليتخذ بعضهم بعضًا سُخرريًا كل ذلك لحكمة، وهي عمارة هذا الكون الذي يجمعهم ويعيشون فيه ولولا ذلك لتعطلت الأسباب، واختل نظام العالم أجمع، فالمساواة بين الأحياء والأموات، وتكليف الأموات بأعمال الأحياء مخالف للمعقول والمنقول، بل للمحسوس الملموس المستقر في فطرة كل مخلوق، إلا من سلب عقله وينه، والحمد لله الذي عافانا.
وأما قول المعترض: "فماذا علينا إذا توسلنا بجاه مَم فضَّله الله على كل خلقه؟ " فقد تقدم الجواب عنه قريبًا فلا نعيده.
وأما قوله: "فالمؤمن لا يعتقد أن لمخلوق فعلًا أو تأثيرًا".
فالجواب: أن من يجعل المخلوق شريكًا لله تعالى في عبادته يخافه
[ ٢٩٠ ]
ويرجوه، ويدعوه من دون الله تعالى لنفعه، وكشف ضره، إلى غير ذلك مما يصرفه له من أنواع العبادة: فأن هذا مشرك وليس بمؤمن وكيف يكون مؤمنًا من يتعلق على الأموات، يخافهم ويرجوهم، وينذر لهم النذور ويقرب لهم القرابين، معرضًا عن رب كريم، قادر سميع بصير، يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، إلى ميت عاجز قد انقطع عمله؟ والله تعالى يقول لنبيه ﷺ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة، الآية:١٨٦] ويقول تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل، الآية:٦٢] .
ثم يقال لهذا المعترض الأحمق: من هم العلماء الذي تقول عنهم إنهم بسطوا الجواب عما يفعله غلاة عباد القبور من الشرك بالله عندها. وزعموا أن عملهم هذا ليس بشرك فلا بد أن هؤلاء العلماء الذين يقول عنهم المعترض هذا القول هم الذين قادوه إلى الضلالة، وأوقعوه في الهاوية، كدحلان وأمثاله من أئمة الضلال. وأما المغالطة وتحريف آيات الكتاب وأحاديث السنّة المطهرة فهذه هي بضاعة أهل الباطل.
وأما قوله: "ونحن وإياهم ما نقصد بذلك إلا إتباع أمر الله تعالى".
فهذه كذب على الله تعالى. فأن الله لم يأمر بأن يشرك معه أحد في عبادته و﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النحل، الآية:١٠٥] إن الذين صرح به القرآن هو النهي عن الشرك قليله وكثيره وتخليد المشركين في نار جهنم، وتحريم الجنة عليهم. وأما هذه الحجج التي ينتحلها المعترض فإنما هي حجج باطلة، بل مفاتيح لأبواب الشرك في عبادة الله تعالى، وما يقصد منتحلو هذه الحجج إلا إتباع أهوائهم، وما يسوله لهم الشيطان. فإن هذه الأسماء التي يغالطون بها من اسم "الوسيلة، والشفاعة، والوسائط" وغيرها مجرد أسماء مقلوبة الحقائق. وإنما هي دعاء غير الله تعالى وصرف عبادته لهؤلاء الأموات، الذي يزعمون أنهم وسائط بينهم وبين الله
[ ٢٩١ ]
تعالى وأنهم يشفعون لهم عند الله وقد جاء القرآن بتكذيبهم وتضليلهم ودحض باطلهم لا كما يدعي هذا الملحد.
[ ٢٩٢ ]