وليعلم قبل الشروع في الكلام مع هذا المعترض: أن شيخ الإسلام لم يحرم زيارة القبور على الوجه المشروع في شيء من كتبه، ولم ينه عنها ولم يكرهها، بل استحبها، وحض عليها. ومناسكه ومصنفاته طافحة بذكر استحباب زيارة قبر النبي ﷺ وسائر القبور.
ثم ذكر طرفًا من نصوص كلام شيخ الإسلام في مناسكه باستحباب زيارة قبر النبي ﷺ وفضلها. قال في آخره: هذا كلام الشيخ بحروفه وكذلك سائر كتبه، ذكر فيها استحباب زيارة قبر النبي ﷺ القبور وإنما تكلم على مسألة شد الرجال وإعمال المطي إلى مجرد زيارة القبور، وذكر في ذلك قولين للعلماء المتقدمين والمتأخرين:
أحدهما: القول بإباحة ذلك، كما يقوله بعض أصحاب الشافعي وأحمد.
الثاني: أنه منهى عنه، كما نص إمام دار الهجرة مالك بن أنس رحمه الله تعالى.
ولم ينقل عن الأئمة الثلاثة خلافه وإليه ذهب جماعة من أصحاب الشافعي وأحمد. هكذا ذكر الشيخ الخلاف في شد الرحل، وإعمال المطي إلى القبور، ولم يذكر في الزيارة الخالية عن شد رحل وإعمال مطي والسفر إلى زيارة القبور. ومسألة زيارتها من غير سفر مسألة أخرى. ومن خلط هذه المسألة بهذه المسألة وجعلهما مسألة واحدة، وحكم عليهما بحكم واحد، وأخذ في التشنيع على من فرق بينهما، وبالغ في التنفير عنه فقد حرم التوفيق، وحاد عن سواء الطريق
[ ٣٢٣ ]
واحتج الشيخ لمن قال بمنع شد الرحال وإعمال المطي إلى القبور بالحديث المشهور المتفق على صحته وثبوته، من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى" هكذا أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما بصيغة الخبر "لا تشد الرحال" ومعنى الخبر في هذا معنى النهي، يبين ذلك ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ: "لا تشدوا الرحال إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى" هكذا رواه مسلم بصيغة النهي ورواه الإمام إسحاق بن راهويه في مسنده بصيغة الحصر: "إنما تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد: مسجد إبراهيم، ومسجد محمد، ومسجد بيت المقدس". وقد روى عبد الله بن عمر ﵄ هذا الحديث عن النبي ﷺ بصيغة النهي: "لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجد المدينة، ومسجد بيت المقدس" هذا هو الذي فعل الشيخ، حكى الخلاف في المسألة بين العلماء واحتج لأحد القولين بحديث متفق على صحته. فأي عتب عليه في ذلك؟ ولكن نعوذ بالله من الحسد والبغي، وإتباع الهوى. والله سبحانه المسؤول أن يوفقنا وإخواننا المسلمين لما يحبه ويرضاه، من العمل الصالح، والقول الجميل، فإنه يقول الحق وهو يهدي السبيل.
انتهى المقصود من نقل ما أردنا نقله من مقدمة كتاب "الصارم المنكي في الرد على السبكي" لبيان طريقة هؤلاء الوثنيين وأئمتهم الضالين، وما يموهون به على الجهال من ذكر الأسماء مع تغيير الحقائق والادعاءات الكاذبة.
وأما قول الملحد: "فلما قام محمد عبده إلى آخر ما قاله في حقه من الافتراء، مستندًا إليه أنه هو الذي طبع كتاب "الصارم المنكي في الرد على السبكي" وأنه بطبع هذا الكتاب أحيا هذه الضلالة" ويعني بهذه الضلالة: تحقيق التوحيد لله تعالى وحده لا شريك له، والرد على عباد القبور وأمثاله.
[ ٣٢٤ ]
فالجواب: أن طابع الكتاب المذكور هو الشيخ الجليل السيد عبد القادر التلمساني رحمه الله تعالى.
أما الشيخ الإمام محمد عبده: فإن المعلوم عنه هو تحقيق التوحيد لرب العالمين وتجريد الأتباع لسيد المرسلين ﷺ فمضمون كتاب "الصارم المنكي في الرد على السبكي" مطبوع في قلب الإمام محمد عبده، وفي أعماله وأقواله التي حاز بها إمامة أهل السنّة في زمانه، رحمه الله تعالى، وأعلى مقامه في جنات النعيم بما قام به من نصر الحق وقمع الباطل وأهله.
[ ٣٢٥ ]