قال المصنف رحمه الله تعالى: «أو بصورة».
من الأمور التي تحول بين العبد وبين تحقيق عبوديته لله تعالى: التعلق بغير الله؛ قال ابن القيم: «[فصل: المفسد الثالث من مفسدات القلب: التعلق بغير الله تبارك تعالى]. وهذا أعظم مفسداته على الإطلاق، فليس عليه أضر من ذلك، ولا أقطع له عن مصالحه وسعادته منه، فإنه إذا تعلق بغير الله وكله الله إلى ما تعَلَّق به، وخذله من جهة ما تعلق به، وفاته تحصيل مقصوده من الله ﷿ بتعلقه بغيره والتفاته إلى سواه، فلا على نصيبه من الله حصل، ولا إلى ما أمَّله ممن تعلق به وصل» (^١).
ومن التعلق بغير الله: التعلق بالصُّور؛ فالإنسان قد يتعلق بامرأة ويُحِبُّها وقد تكون زوجة أو جارية له، وهو مالكها وسيدها، ولكنه مع ذلك يكون مملوكًا لها في واقع الحال، وكأنه عبدٌ بين يديها، وما يحصل هذا إلا لفراغ قلبه من التعلق بالله ﷾.
وقد يحمل التعلقُ بهذه الصور النفسَ على عبوديتها من أجل أنه تلذذ بالقُرب منها، بينما اللذة الحقيقية والطمأنينة الحقيقية هي كما قال الله ﷾: ﴿الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله إلا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ [الرعد: ٢٨].
_________________
(١) «مدارج السالكين» (١/ ٤٥٥).
[ ٢٤٧ ]
وما أجمل ما قاله ابن القيم ﵀ في «الطب النبوي» عند الحديث عن هديه ﷺ في علاج العِشق! إذ قال ابن القيم ﵀: «وعشق الصور إنما تُبتلى به القلوب الفارغة من محبة الله تعالى، المُعرضة عنه، المتعوِّضة بغيره عنه، فإذا امتلأ القلب من محبة الله والشوق إلى لقائه، دفع ذلك عنه مرضَ عِشق الصور، ولهذا قال تعالى في حقِّ يوسف: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤]، فدل على أن الإخلاص سبب لدفع العشق وما يترتب عليه من السُّوء والفحشاء التي هي ثمرته ونتيجته، فصرفُ المسبَّب صرفٌ لِسببه، ولهذا قال بعض السلف: العِشق حركة قلبٍ فارغ، يعني: فارغًا ممَّا سِوى مَعشوقه …
والعشق مركَّبٌ من أمرين: استحسان للمعشوق، وطمع في الوصول إليه، فمتى انتفى أحدُهما انتفى العشق، وقد أَعْيَت علةُ العشق على كثير من العقلاء، وتكلم فيها بعضهم بكلام يُرْغَب عن ذكره إلى الصَّواب» (^١).
ثم قال: «والمقصود: أنَّ العشق لما كان مرضًا من الأمراض، كان قابلًا للعلاج، وله أنواع من العلاج، فإن كان مما للعاشق سبيلٌ إلى وصل محبوبه شرعًا وقَدَرًا، فهو علاجه، كما ثبت في «الصَّحيحين» من حديث ابن مسعود؟ قال: قال رسول الله ﷺ: «يا معشر الشباب، مَنْ استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومَن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنَّه له وجاء» (^٢)، فدلَّ المحبَّ على علاجين:
أصلي وبَدَلي، وأمره بالأصلي: وهو العلاج الذي وُضع لهذا
_________________
(١) «الطب النبوي» (ص ٢٠١، ٢٠٢).
(٢) أخرجه البخاري (٥٠٦٥) ومسلم (١٤٠٠) من حديث عبد الله بن مسعود؟.
[ ٢٤٨ ]
الداء، فلا ينبغي العدول عنه إلى غيره ما وَجد إليه سبيلًا. وروى ابن ماجه في «سننه» عن ابن عبَّاس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «لم نَرَ للمُتحابين مثل النِّكاح» …» (^١)، إلخ ما قال (^٢).
* * *
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه (١٨٤٧) والحاكم في «المستدرك» (٢/ ١٧٤) من حديث ابن عباس ﵄، وصححه الألباني في «الصحيحة» (٦٢٤).
(٢) «الطب النبوي» (ص ٢٠٤، ٢٠٥).
[ ٢٤٩ ]