أَحدُهمَا: أَنْ لَا يُعبد إِلَّا الله.
والثَّانِي: أَلَّا يَعبده إِلَّا بِمَا أَمَرَ وشَرَع، لَا يَعبده بِغَيْر ذَلِك من الأَهْواء والظُّنُون والبِدع؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمن كَانَ يَرْجُو لِقَاء ربه فليعمل عملًا صَالحًا ولَا يُشْرك بِعبَادة ربه أحدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، وقال تعالى: ﴿بلَى من أسلم وجهه لله وهُو محسن فَلهُ أجره عِنْد ربه ولَا خوف عَلَيْهِم ولَا هم يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ١١٢]، وقال تعالى: ﴿ومن أحسن دينًا مِمَّنْ أسلمَ وجهه لله وهُو محسن واتَّبع مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفًا واتخذ الله إِبْرَاهِيم خَلِيلًا﴾ [النِّساء: ١٢٥].
فَالعَمَلُ الصَّالحُ: هُو الإِحْسَان وهُو فِعل الحَسَنَات، والحسنات: هِيَ مَا أحبَّه اللهُ ورَسُولُه، وهُو مَا أَمر بِهِ أَمر إِيجَاب أَوْ اسْتَحباب.
فَمَا كَانَ من البِدع فِي الدِّين الَّتِي لَيست فِي الكتاب، ولَا فِي صَحِيح السُّنَّة، فَإِنَّهَا-وإِن قَالَهَا مَنْ قَالَهَا، وعمل بهَا من عَمِل- لَيست مَشْرُوعَةً؛ فَإِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّهَا ولَا رَسُوله، فَلَا تَكون من الحَسَنَات ولَا مِنْ العَمَل الصَّالح، كَمَا أَنَّ مَنْ يَعْمل مَا لَا يَجوز؛ كالفَوَاحش والظُّلم لَيْسَ من الحَسَنَات ولَا من العَمَل الصَّالح.
وأما قَوْله: ﴿ولَا يُشْرك بِعبَادة ربه أحدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، وقَوله: ﴿أسلم وجهه لله﴾ [البقرة: ١١٢]- فَهُو إخلاص الدِّين لله وحده. وكَانَ عمر بن الخَطَّاب يَقُول: «اللَّهُمَّ اجْعَل عَمَلي كُلَّه
[ ٢٠٣ ]
صَالحًا، واجعله لوجهك خَالِصًا، ولَا تجْعَل لأحدٍ فِيهِ شَيْئًا» (^١).
وقَالَ الفُضيل بن عِيَاض فِي قوله تعالى: ﴿ليَبْلُوكُمْ أَيُّكُم أحسن عملًا﴾ [هود: ٧]، قال: «أخلصه وأصوبه». قَالُوا: يا أبا عَليٍّ، مَا أخلصه وأصوبه؟ قَالَ: «إِنَّ العَمَلَ إِذا كَانَ خَالِصًا ولم يكن صَوابًا لم يُقبل، وإِذا كَانَ صَوَابًا ولم يكن خَالِصًا لم يُقبل، حَتَّى يكون خَالِصًا صَوابًا، والخالص: أَنْ يكون لله، والصَّواب: أَنْ يكون على السُّنَّة» (^٢).
من رحمة الله بعباده وهو أرحم الراحمين أنه لَمَّا فرض عليهم عبادته وجعلها مبنيةً على محبَّته ورجائه وخوفه، أوضح لهم بعد ذلك شروط صحة تلك العبادة، وأنها لا تكون صحيحة ومقبولة عنده إلا إذا توافرت فيها هذه الشروط، التي دلَّ عليها الكتابُ والسُّنَّةُ وإجماعُ الأمَّة، وهي:
شروط صحة العبادة:
الشرط الأول: الإخلاص، وهو لُبُّ الدِّين، وعموده الأعظم.
تعريف الإخلاص:
الإخلاص لغة:
وهو لغةً: «تصفية الشيء وتنقيته؛ يقال: خلص الشيء من الشوائب: إذا صفا، وأخلص الشيء: نَقَّاه، وخلَّصه: أزال عنه ما يكدره (^٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد في «الزهد» (ص ٩٧).
(٢) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» بسنده عن إبراهيم بن الأشعث أنه سمع الفضيل يقوله (٨/ ٩٥).
(٣) انظر: «معجم مقاييس اللغة» لابن فارس (٢/ ٢٠٨)، و«المصباح المنير» للفيومي (٩٤).
[ ٢٠٤ ]
الإخلاص شرعًا:
تَنَوَّعت عباراتُ العلماء في المراد به شرعًا:
فقيل: هو «قصد المعبود وحده بالعبادة» كما قال تعالى: ﴿ولَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] (^١).
وقيل: تخليص القلب من كلِّ شوب يُكدِّر صفاءه (^٢).
وقيل: أن يكون الداعي إلى الإتيان بالمأمور وإلى ترك المنهي إرضاء الله ﷾ (^٣).
والتعريفات متقاربة، ومدارها على أن يريد العبد بطاعته التقرُّب إلى الله سبحانه دون أيِّ شيءٍ آخر من تصنُّعٍ لمخلوقٍ أو اكتساب محمدةٍ عند الناس، أو محبة مدحٍ من الخلق، أو معنى من المعاني سِوى التقرُّب به إلى الله تعالى (^٤).
أهل الإخلاص:
أهل الإخلاص للمعبود والمتابعة للنبي ﷺ هم: مَنْ كانت أعمالهم كلُّها لله، وأقوالهم لله، وعطاؤهم لله، ومَنعهم لله، وحُبهم لله وبُغضهم لله؛ فمعاملتهم ظاهرًا وباطنًا لوجه الله وحده، لا يريدون بذلك من الناس جزاءً ولا شكورًا، ولا ابتغاء الجاه عندهم وطلب المحمدة والمنزلة في قلوبهم ولا هربًا من ذمِّهم، بل قد عدُّوا الناس بمنزلة أصحاب القبور لا يَملكون لهم ضرًّا ولا نفعًا ولا حياةً ولا نشورًا (^٥).
_________________
(١) عمدة الحفاظ (١/ ٦٠٠).
(٢) التوقيف على مهمات التعريف ص (٤٣).
(٣) التحرير والتنوير (٢٣/ ٣١٨).
(٤) انظر: «العبادة .. تعريفها. أركانها. شروطها. مبطلاتها» لسليمان العثيم (ص ٣٩، ٤٠).
(٥) «مدارج السالكين» لابن القَيِّم (١/ ٨٣)، دار الكتاب العربي، بيروت.
[ ٢٠٥ ]
الأدلة على شرط الإخلاص:
وردت أدلَّةٌ كثيرةٌ في الكتاب والسُّنَّة مُقَرِّرةً هذا الشرط؛ فمن الكتاب:
قوله تعالى آمرًا نبيه محمدًا ﷺ أن يُوضِّح لأمته ما أُمر به من قِبل الله ﷿، فقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ ولَا أُشْرِكَ بِهِ﴾ [الرعد: ٣٦]، وقال ﷻ: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١]، وقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر: ١٤]، وقال جل وعلا مُوَضِّحًا ما أُمر به المؤمنون: ﴿ومَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ …﴾ [البينة: ٥]، وقال تعالى: ﴿ومَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * ولَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل: ١٩ - ٢١]، وقال ﷿: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا ولَا دِمَاؤُهَا ولَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧]، وقال جل وعلا: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَليَعْمَل عَمَلًا صَالِحًا ولَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١٠].
ومن السُّنَّة:
قال ﵊: «إنَّما الأعمال بالنِّيات، وإنَّما لكل امرئ ما نوى؛ فمَن كانت هجرته لدنيا يُصيبها أو امرأة يَنكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» (^١).
وقال ﷺ: «إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم» (^٢).
وعن أبي موسى الأشعري؟ قال: سئل رسول الله ﷺ عن الرجل شَجاعة ويقاتل حَمِيَّة ويقاتل رياءً، أي ذلك في سبيل الله؟
_________________
(١) أخرجه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧) من حديث عمر بن الخطاب؟.
(٢) أخرجه مسلم (٢٥٦٤) من حديث أبي هريرة؟.
[ ٢٠٦ ]
فقال رسول الله ﷺ: «مَنْ قَاتَلَ لِتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» (^١).
فهذه الأدلة تدلُّ على وجوب إخلاص النية في جميع العبادات.
أهمية الإخلاص:
الإخلاص شرط لصحة العمل وقبوله إن كان عبادة محضة؛ كالصَّلاة والزكاة والصيام والحج والطواف وقراءة القرآن، وشرط لحصول الثواب إن كان غير ذلك؛ كالأكل والشرب والنوم والكسب ونحو ذلك.
وما أعظم مقام الإخلاص عند الله! وما أشقَّه على النفس! لذا جديرٌ بالمسلم أن يجاهد نفسه ويحاسبها في كلِّ قول وعمل، بل وفي كلِّ مقام ولحظة.
قال سهل بن عبد الله: «ليس على النفس شيء أشق من الإخلاص؛ لأنَّه ليس لها فيه نصيب» (^٢).
وقال يوسف بن الحسين الرازي: «أعزُّ شيء في الدنيا الإخلاص، وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي، وكأنه يَنبت فيه على لون آخر» (^٣).
فعمل القلب هو رُوح العبودية ولُبُّها، فإذا خلا عملُ الجوارح منه كان كالجسد الميت بلا رُوح، والنية هي عمل القلب.
والكلام في مسألة النِّيَّة شديد الارتباط بأعمال القلوب ومعرفة مراتبها وارتباطها بأعمال الجوارح وبنائها عليها وتأثيرها فيها صحةً
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٨١٠) ومسلم (١٩٠٤)، وهذا لفظ مسلم.
(٢) ذكره عنه ابنُ رجب في «جامع العلوم والحكم» (١/ ٨٤).
(٣) المصدر السابق.
[ ٢٠٧ ]
وفسادًا، وإنَّما هي الأصل المراد المقصود، وأعمال الجوارح تَبَعٌ ومكمِّلة ومتمِّمة، وأنَّ النية بمنزلة الرُّوح، والعمل بمنزلة الجسد للأعضاء، الذي إذا فارق الروح فمَوَات، وكذلك العمل إذا لم تَصحبه النية فحركة عابث؛ فمعرفة أحكام القلوب أهم مِنْ معرفة أحكام الجوارح؛ إذ هو أصلُها، وأحكام الجوارح متفرِّعة عنها.
والمؤمنون العارفون بالله وبأمره قاموا له بحقيقة العبودية ظاهرًا وباطنًا، وقدَّموا قلوبهم في الخدمة، وجعلوا الأعضاء تبعًا لها، وهي حقيقة العبودية، ومن المعلوم أنَّ هذا هو مقصود الربِّ بإرسال رُسُله وإنزال كُتُبه وشرعه شرائعه. ومَن تأمَّل الشريعة في مصادرها ومواردها علم ارتباط أعمال الجوارح بأعمال القلوب، وأنها لا تنفع بدونها، وأنَّ أعمال القلوب أفرض على العبد من أعمال الجوارح، وهل يُميز المؤمن عن المنافق إلا بما في قلب كلِّ واحد منهما من الأعمال التي ميَّزت بينهما، وهل يمكن لأحدٍ الدخول في الإسلام إلَّا بعمل قلبه قبل جوارحه؛ فعبودية القلب أعظم من عبودية الجوارح وأكثر وأدوم، فهي واجبة في كلِّ وقت، ولهذا كان الإيمان واجب القلب على الدوام، والإسلام واجب الجوارح في بعض الأحيان، فمركب الإيمان القلب، ومركب الإسلام الجوارح (^١).
إن أساس القبول لأيِّ عبادة هو إخلاص القلب فيها لله تعالى؛ فإن حقيقة العبادة ليست شكلًا فقط، وإنَّما هي سِرٌّ يتعلق بالقلب، ويَنبع من الرُّوح، فإذا لم يَصْدُق قلب المسلم في عبادته، ولم يُخلص لله في طاعته- صارت كالجسد بلا رُوح، وساعتها يردُّها الله عليه؛ قال تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء﴾ [البينة: ٥]،
_________________
(١) انظر «بدائع الفوائد» لابن القيِّم (٣/ ١٨٧ - ١٩٣).
[ ٢٠٨ ]
وقال: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصًا له الدِّين﴾ [الزمر: ٢]، وقال: ﴿قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصًا له الدِّين﴾ [الزمر: ١١]، وقال: ﴿قل الله أعبد مخلصًا له ديني﴾ [الزمر: ١٤].
فالقلبُ هو الأساس في الإسلام، وهو مَوضع نظر الله تعالى، ومحل عنايته، وهو مُستند القبول والفلاح في الآخرة، وفي هذا يقول الرسول ﷺ: «إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم» (^١)، ويقول: «ألا إن في الجسد مُضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب» (^٢)، ويقول الله تعالى: ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ وجَاءَ بِقَلبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الخُلُودِ﴾ [ق: ٣١ - ٣٤].
أثر الإخلاص في الأعمال:
إنَّ الإخلاصَ يشترط في كلِّ عمل شرعه الله ليُتعبد به ويُتقرب به إليه، وقد هاجر أحدُ المسلمين في زمن النبي ﷺ من مكة إلى المدينة من أجل امرأة يريد الزواج بها تُعرف بأم قيس، فسُمِّي «مهاجر أم قيس» (^٣).
وفي هذا الشأن حَدَّثهم النبي ﷺ ذلك الحديث الجامع الذي عَدَّه بعض المُحَدِّثين ربع الإسلام أو ثُلُثه أو نصفه، والذي افتتح به الإمام البخاري «جامعه الصحيح»: «إنَّما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى؛ فمَن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٥٦٤) من حديث أبي هريرة؟، وقد تقدم.
(٢) أخرجه البخاري (٥٢) ومسلم (١٥٩٩) من حديث النعمان بن بشير؟.
(٣) انظر: «شرح الأربعين النووية» لابن دقيق العيد (ص ٢٧).
[ ٢٠٩ ]
إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يُصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» (^١).
وهذا الحديث أجمع علماء الإسلام في كل اختصاص على تلقيه بالقبول (^٢).
وقيمة (النية) في الإسلام لا تعتمد على هذا الحديث وحده، وإنما تعتمد على نصوص وأحاديث كثيرة مستفيضة، تُعطي في مجموعها يقينًا جازمًا بأن الأعمال بالنيات، وأنَّ لكل امرئ ما نوى، ولو أخذنا كتابًا ك «الترغيب والترهيب» للحافظ المنذري مثلًا لوجدناه يَذكر في فضل النية الصالحة أحد عشر حديثًا، وفي الترغيب في الإخلاص ثلاثة عشر حديثًا، وفي الترهيب من الرياء أكثر من ثلاثين.
فهذه المجموعة من الأحاديث وما شابهها- مع ما جاء في القرآن من آيات- هو السند اليقين لقيمة النية في الأعمال.
الشرط الثاني: المتابعة:
تعريف المتابعة:
معنى المتابعة: أن تكون عبادة المسلم تابعةً لِما جاء عن الله ورسوله ﷺ، وهذا هو تحقيق شهادة أنَّ محمدًا رسول الله، وهو طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أَخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألَّا يُعبد الله إلَّا بما شرع ﵊.
الأدلة على وجوب هذا الشرط:
أوَّلًا: من القرآن:
قوله تعالى: ﴿ومَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ومَا نَهَاكُمْ عَنْهُ
_________________
(١) أخرجه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧) من حديث عمر بن الخطاب؟، وقد تقدم.
(٢) انظر: «شرح الأربعين النووية» لابن دقيق العيد (ص ٢٤، ٢٥).
[ ٢١٠ ]
فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وقوله جل وعلا: ﴿ومَا أَرْسَلنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ …﴾ [النساء: ٦٤]، وقوله سبحانه: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ …﴾ [النساء: ٨٠]، وقوله جل وعلا: ﴿ومَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ولَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ ورَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦].
ثانيًا: ومِن السُّنَّة:
ما رواه مسلم في «صحيحه» عن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ عَمِل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ» (^١).
وفي رواية عنها- ﵂ أيضًا: «مَنْ أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ» (^٢)، أي: مردود عليه غير مُتَقَبَّل منه كائنًا مَنْ كان.
وفي معرض ذكر أهل الإخلاص للمعبود والمتابعة قال ابن القيم ﵀: «وكذلك أعمالهم كلها وعبادتهم موافقة لأمر الله ولِما يُحبه ويرضاه، وهذا هو العمل الذي لا يَقبل الله من عاملٍ سواه، وهو الذي ابتلى عباده بالموت والحياة لأجله؛ قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَيَاةَ لِيَبْلُوكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]. وجعل ما على الأرض زينة لها؛ ليَختبرهم أيهم أحسن عملًا.
قال الفضيل بن عياض: «العمل الحَسَن هو: أخلصه وأصوبه، قالوا: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إنَّ العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقبل حتى يكون خالصًا وصوابًا، والخالص: ما كان لله. والصَّواب: ما كان على السُّنَّة» … فلا يَقبل الله من العمل إلَّا ما كان خالصًا لوجهه، على متابعة أمره، وما عدا ذلك فهو مردودٌ على
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٧١٨).
(٢) أخرجه البخاري (٢٦٩٧) ومسلم (١٧١٨) من حديث أبي هريرة؟.
[ ٢١١ ]
عامله، يُرد عليه أحوج ما هو إليه هباءً منثورًا» (^١).
جماع هذه الشروط:
وقد جمع الله بين هذه الشروط الثلاثة في آية واحدة؛ فقال تعالى: ﴿ومَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهُو مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا واتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥].
وبيان ذلك:
الشرط الأول: الإخلاص، ودليله: قوله تعالى: ﴿أَسْلَمَ وجْهَهُ للهِ …﴾ [النساء: ١٢٥] الآية.
والشرط الثاني: المتابعة، ودليلها: قوله سبحانه: ﴿وهُو مُحْسِنٌ﴾ [النساء: ١٢٥]، والمحسن: هو ما كان عمله وَفْق ما جاء عن اللهِ وعن رسولِه ﷺ.
الشرط الثالث: صحَّة المعتقَد، ودليله قوله ﷻ: ﴿واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا …﴾ [النساء: ١٢٥] الآية.
قال الشيخ السعدي ﵀ في تفسير هذه الآية: «أي: لا أحدَ أحسن من دينِ مَنْ جَمَع بين الإخلاص للمعبود، وهو إسلام الوجه لله، الدَّال على استسلام القلب وتوجُّهه وإنابته وإخلاصه، وتوجُّه الوجه وسائر الأعضاء لله. ﴿وهو﴾ [النساء: ١٢٥] مع هذا الإخلاص والاستسلام ﴿مُحسِن﴾ [النساء: ١٢٥] أي: مُتَّبِع لشريعة الله التي أَرسل الله بها رُسله، وأنزل بها كتُبه، وجعلها طريقًا لخواص خلقه وأتباعه.
﴿واتبع ملة إبراهيم﴾ [النساء: ١٢٥] أي: دينه وشرعه.
_________________
(١) «مدارج السالكين» (١/ ١٠٤، ١٠٥)، دار الكتاب العربي- بيروت، الطبعة الثالثة، ١٤١٦ هـ- ١٩٩٦ م.
[ ٢١٢ ]
﴿حنيفًا﴾ [النساء: ١٢٥] أي: مائلًا عن الشرك إلى التوحيد وعن التوجُّه للخلق، إلى الإقبال على الخالق» (^١).
فلا بدَّ من توفُّر هذه الشروط في العبادة حتى تكون صالحةً مقبولةً عند الله ﷿. أمَّا إذا اختلَّ شرطٌ من هذه الشروط فإنَّها لا تصحُّ، وبالتالي لا تنفع صاحبها، بل تكون وبالًا عليه في الدِّين والدُّنيا والآخرة (^٢).
أقسام النَّاس في شروط صحة العبادة
الناس مُنقسمون في هذا الباب إلى أربعة أقسام:
أحدها: أهل الإخلاص للمعبود والمتابعة:
(الإخلاص): إذ إنَّ أعمالهم كلها لله، وأقوالهم لله، وعطاءهم لله، ومنعهم لله، وحُبَّهم لله، وبُغضهم لله؛ فمعاملتهم ظاهرًا وباطنًا لوجه الله وحده، لا يُريدون بذلك من الناس جزاء ولا شكورا، ولا ابتغاء الجاه عندهم، ولا طلب المحمدة، والمنزلة في قلوبهم، ولا هربًا من ذَمِّهم، بل قد عَدُّوا الناس بمنزلة أصحاب القبور، لا يملكون لهم ضرًّا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا؛ فالعمل لأجل الناس، وابتغاء الجاه والمنزلة عندهم، ورجاؤهم للضر والنفع منهم- لا يكون مِنْ عارف بهم البتة، بل من جاهل بشأنهم، وجاهل بربِّه؛ فمَن عرف الناس أنزلهم منازلهم، ومَن عرف الله أخلص له أعماله وأقواله، وعطاءه ومنعه وحبه وبغضه، ولا يُعامل أحد الخلق دون الله إلا لجهله بالله وجهله بالخلق، وإلا فإذا
_________________
(١) «تفسير السعدي» المسمى: «تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان» (ص ٢٠٦)، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ- ٢٠٠٠ م.
(٢) انظر: «العبادة .. تعريفها. أركانها. شروطها. مبطلاتها» لسليمان العثيم (ص ٤٨ - ٥١).
[ ٢١٣ ]
عرف الله وعرف الناس آثرَ معاملة الله على معاملتهم.
(المتابعة): وكذلك أعمالهم كلها وعبادتهم موافقة لأمر الله، ولما يحبه ويرضاه، وهذا هو العمل الذي لا يَقبل الله مِنْ عامل سواه، وهو الذي ابتلى عباده بالموت والحياة لأجله؛ فلا يقبل الله من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه، على متابعة أمره، وما عدا ذلك فهو مردود على عامله، يُرد عليه أحوج ما هو إليه هباء منثورًا، وكل عمل بلا اقتداء؛ فإنَّه لا يزيد عامله من الله إلا بُعدًا، فإنَّ الله تعالى إنما يُعبد بأمره، لا بالآراء والأهواء.
القسم الثاني: مَنْ لَا إِخْلَاصَ لَهُ ولَا مُتَابَعَةَ:
فَلَيْسَ عَمَلُهُ مُوافِقًا لِشَرْعٍ، ولَيْسَ هُو خَالِصًا لِلمَعْبُودِ؛ كَأَعْمَالِ المُتَزَيِّنِينَ لِلنَّاسِ، المُرَائِينَ لَهُمْ بِمَا لَمْ يَشْرَعْهُ اللهُ ورَسُولُهُ؛ فَإِنَّهُمْ يَرْتَكِبُونَ الأمور التي لم يَشرعها الله، ويجمعون معها الرِّيَاءَ والسُّمْعَةَ، فَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوهُ مِنَ الِاتِّبَاعِ والإِخْلَاصِ والعِلمِ.
القسم الثالث: مَنْ هُو مُخْلِصٌ فِي أَعْمَالِهِ، لَكِنَّهَا عَلَى غَيْرِ مُتَابَعَةِ الأَمْرِ:
بعض الناس يَظهر عليه الإخلاص في عمله، لكنه يفعل أمورًا مخالفةً للشرع؛ كمن يَظُنُّ أَنَّ مُواصَلَةَ صَوْمِ النَّهَارِ بِاللَّيْلِ قُرْبَةٌ، وأَنَّ صِيَامَ يَوْمِ فِطْرِ النَّاسِ قُرْبَةٌ، وأَمْثَالِ ذَلِكَ، وقد جاء الشرعُ بالنَّهي عن مواصلة الصوم؛ فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ الوِصَالِ؛ قَالُوا: إنَّكَ تُواصِلُ. قَالَ: «إنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إنِّي أُطْعَمَ وأُسْقَى» (^١).
_________________
(١) أخرجه مسلم (١١٠٢).
[ ٢١٤ ]
وأمَّا صيام يوم العيد؛ فقد ثبت عن أبي هريرة؟: «أن رسول الله ﷺ نَهى عن صيام يومين: يوم الأضحى، ويوم الفِطر» (^١).
ومن هذا الباب ما جاء في حديث أنس؟ قال: «جاء ثلاثةُ رهط إلى بيوتِ أزواج النَّبي، يَسألون عن عبادة النَّبي، فلما أُخبروا كأنهم تقالُّوها، وقالوا: أين نحن من النَّبي؛ قد غُفر له تقَدَّم مِنْ ذَنبه وما تأخَّر؟! قال أحدهم: أمَّا أنا فأصلي الليل أبدًا. وقال الآخر: وأنا أصوم الدَّهر ولا أُفطر. وقال الآخر: وأنا أعتزل النِّساء فلا أَتزوج أبدًا. فجاء رسولُ الله إليهم؛ فقال: «أنتم الَّذِين قُلتم كذا وكذا؟! أَمَا والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكِّني أصومُ وأُفطر، وأُصَلِّي وأَرقد، وأتزوج النِّساء؛ فمَن رَغِب عن سُنَّتي فليس مني» (^٢).
القسم الرابع: مَنْ أَعْمَالُهُ عَلَى مُتَابَعَةِ الأَمْرِ، لَكِنَّهَا لِغَيْرِ اللَّهِ:
كَطَاعَةِ المُرَائِينَ، وكَالرَّجُلِ يُقَاتِلُ رِيَاءً وحَمِيَّةً وشَجَاعَةً، ويَحُجُّ لِيُقَالَ، ويَقْرَأُ القُرْآنَ لِيُقَالَ؛ فَهَؤُلَاءِ أَعْمَالُهُمْ ظَاهِرُهَا أَعْمَالٌ صَالِحَةٌ مَأْمُورٌ بِهَا، لَكِنَّهَا غَيْرُ صَالِحَةٍ، فَلَا تُقْبَلُ؛ لأنَّ الله ﷾ قال: ﴿ومَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]؛ فَكُلُّ أَحَدٍ لَمْ يُؤْمَرْ إِلَّا بِعِبَادَةِ اللهِ بِمَا أَمَرَ، والإِخْلَاصِ لَهُ فِي العِبَادَةِ (^٣).
ودليله: حديث أبي هريرة؟ قال: «حَدَّثني رسولُ الله ﷺ أنَّ الله ﵎ إذا كان يوم القيامة يَنزل إلى العباد؛ ليَقضي بينهم وكل أمة جاثية؛ فأَوَّل مَنْ يَدعو به رجلٌ جَمَعَ القرآنَ، ورجلٌ يُقتل في سبيل الله، ورجلٌ كثير المال؛ فيقول الله ﵎ للقارئ:
_________________
(١) أخرجه مسلم (١١٣٨).
(٢) أخرجه البخاري (٥٠٦٣) واللفظ له، ومسلم (١٤٠١).
(٣) «مدارج السالكين» (١/ ١٠٤ - ١٠٦).
[ ٢١٥ ]
أَلَم أُعَلِّمْك ما أَنزلتُ على رسولي؟ قال: بلى يا ربِّ. قال: فماذا عملتَ فِيما عُلِّمْتَ؟ قال: كنت أقوم به آناء الليل وآناء النهار. فيقول الله ﵎ له: كَذَبْتَ، وتقول له الملائكة: كَذَبْتَ، ويقول الله: بل أردتَ أن يُقال: فلان قارئ؛ فقد قيل ذاك! ويؤتى بصاحب المال فيقول الله له: أَلَم أُوَسِّع عليك حتى لَم أَدَعَك تحتاج إلى أحدٍ؟ قال: بلى يا ربِّ. قال: فماذا عملتَ فيما آتيتك؟ قال: كنت أَصِل الرَّحم وأتصدق! فيقول الله له: كَذَبت، وتقول الملائكة له: كذبت، ويقول الله: بل إنَّما أردتَ أن يُقال: فلان جَوَاد فقد قيل ذاك، ويؤتى بالذي قُتِل في سبيل الله؛ فيقال له: في ماذا قتلتَ؟ فيقول: أُمرت بالجهاد في سبيلِك، فقاتلتُ حتى قُتلت! فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله: بل أردتَ أن يُقال: فلان جَرِيء؛ فقد قيل ذاك». ثم ضرب رسول الله ﷺ رُكبتي؛ فقال: «يا أبا هريرة، أولئك الثلاثة أَوَّلُ خَلق الله تُسَعَّر بهم النَّار يوم القيامة» (^١).
فإذا أراد الإنسان أن يُحَقِّق عبادة الله ﷿، وأن يَصل إلى هذه الغاية: أن يكون مِنْ أهل هذه الطاعة والعبادة ومِن أهل صِراط الله المستقيم، ممن استقام على شرع الله ﷿؛ فعليه أن يحقق هذين الشرطين-: الإخلاص والمتابعة- في كل عمل.
* * *
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٣٨٢) والنسائي في «الكبرى» (٢٣٨٢)، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (١٧١٣).
[ ٢١٦ ]