حَقِيقَة الذّكر أَن تنسى مَا سوى الْمَذْكُور فى الذّكر لقَوْله تَعَالَى ﴿وَاذْكُر رَبك إِذا نسيت﴾
[ ١٠٣ ]
يعْنى إِذا نسيت مَا دون الله فقد ذكرت الله
وَقَالَ النبى ﷺ سبق المفردون قيل وَمن المفردون يَا رَسُول الله فَقَالَ الذاكرون كثيرا وَالذَّاكِرَات والمفرد الذى لَيْسَ مَعَه غَيره
وَقَالَ بعض الْكِبَار الذّكر طرد الْغَفْلَة فَإِذا ارْتَفَعت الْغَفْلَة فَأَنت ذَاكر وَإِن سكت
وأنشدونا للجنيد ذكرتك لَا أَنى نسيتك لمحة وأيسر مَا فى الذّكر ذكر لسانى
سَمِعت أَبَا الْقَاسِم البغدادى يَقُول سَأَلت بعض الْكِبَار فَقلت مَا بَال نفوس العارفين تتبرم بالأذكار وتستروح إِلَى الأفكار وَلَيْسَ يُفْضِي الْفِكر إِلَى مقرّ ولأذكارها أعواض تسر
فَقَالَ استصغرت ثَمَرَات الْأَذْكَار فَلم تحملهَا عَن مكابداتها وبهرها شرف مَا وزاء الأفكار فغيبها عَن ألم مجاهداتها
معنى قَوْله استصغرت ثَمَرَات الْأَذْكَار لِأَنَّهَا كلهَا حظوظ النَّفس والعارفون قد أَعرضُوا عَن النُّفُوس وحظوظها وَأما أفكارهم فَإِنَّهَا تكون فِي جلال الله وهيبته ومنته وإحسانه فَهِيَ تفكر فِيمَا لله تَعَالَى عَلَيْهَا إجلالا لَهُ وَتعرض عَمَّا لَهَا عِنْد الله حُرْمَة لَهُ فِي قَوْله ﵇ خَبرا عَن الله ﷿ من شغله ذكري عَن مَسْأَلَتي أَعْطيته أفضل مَا أعطي السَّائِلين
مَعْنَاهُ من شغله مُشَاهدَة عظمتي عَن ذكر لِسَانه لِأَن ذكر اللِّسَان كُله مسئلة
وَأُخْرَى أَن مُشَاهدَة العظمة تحيره فتقطعه عَن الذّكر لَهُ كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ لَا أحصي ثَنَاء عَلَيْك
أنشدونا للنوري
[ ١٠٤ ]
. أُرِيد دوَام الذّكر من فرط حبه
فيا عجبا من غيبَة الذّكر فِي الوجد
وإعجب مِنْهُ غيبَة الْوَاجِد تَارَة
وغيبة عين الذّكر فِي الْقرب والبعد
قَالَ الْجُنَيْد من قَالَ الله عَن غير مُشَاهدَة فَهُوَ مفترى يدل على صِحَة قَوْله قَول الله تَعَالَى ﴿قَالُوا نشْهد إِنَّك لرَسُول الله﴾ ثمَّ قَالَ ﴿وَالله يشْهد إِن الْمُنَافِقين لَكَاذِبُونَ﴾
أكذبهم الله وَإِن كَانَت الْكَلِمَة صدقا لانها لم تكن عَن مساهدة
وَقَالَ غَيره الْقلب للمشاهدة وَاللِّسَان للعبارة عَن الْمُشَاهدَة فَمن عبر عَن غير مساهدة فَهُوَ شَاهد زور
أنشدونا لبَعض الْكِبَار أَنْت الموله لي لَا الذّكر ولهنى
حاشا لقلبي أَن يعلق بِهِ ذكرى
الذكرى وَاسِطَة يحجبك عَن نظرى
أذا توشحه من خاطري فكري
مَعْنَاهُ الذّكر صفة الذاكر فَإِن غبت فِي ذكرى كَانَت غيبتي فِي وَإِنَّمَا يحجب العَبْد عَن مُشَاهدَة مَوْلَاهُ أَوْصَافه
قَالَ سرى السَّقطِي صَحِبت زنجبيا فِي الْبَريَّة فرأيته كلما ذكر الله تغير لَونه وابيض فَقلت يَا هَذَا أرى عجبا إِنَّك كلما ذكرت الله حَالَتْ لبستك وتغيرت صِفَتك فَقَالَ يَا أخي أما أَنَّك لَو ذكرت الله حق ذكره لحالت لبستك وتغيرت صِفَتك ثمَّ أنشأ يَقُول ذكرنَا وَمَا كُنَّا لننسى فَنَذْكُر
وَلَكِن نسيم الْقرب يَبْدُو فيبهر
فأفنى بِهِ عَنى وَأبقى بِهِ لَهُ
اذ الْحق عَنهُ مخبر ومعبر
انشدونا لِابْنِ عَطاء
[ ١٠٥ ]
. أرى الذّكر أصنافا من الذّكر حشوها
وداد وشوق يبعثان على الذّكر
فذكرأليف النَّفس ممتزج بهَا
يحل مَحل الرّوح فِي طرفها يسري
وَذكر يعزي النَّفس عَنْهَا لِأَنَّهُ
لَهَا متْلف من حَيْثُ تَدْرِي وَلَا تَدْرِي
وَذكر علا منى المفارق والذرى
يجل عَن الأدراك بالوهم والفكر
يرَاهُ لحاظ الْعين يالقلب رُؤْيَة
فيجفو عَلَيْهِ أَن يُشَاهد بِالذكر
صنف الذّكر أصنافا فَالْأول ذكر الْقلب وَهُوَ أَن يكون الْمَذْكُور غير منسي فيذكر وَالثَّانِي ذكر أَوْصَاف الْمَذْكُور وَالثَّالِث شُهُود الْمَذْكُور فيفني عَن الذّكر لِأَن أَوْصَاف الْمَذْكُور تفنيك عَن أوصافك فتفنى عَن الذّكر
الْبَاب الثَّامِن وَالْأَرْبَعُونَ
قَوْلهم فِي الْأنس
سُئِلَ الْجُنَيْد عَن الْأنس مَا هُوَ
فَقَالَ الْأنس إرتفاع الحشمة مَعَ وجود الهبيبة
معنى ارْتِفَاع الحشمة أَن يكون الرَّجَاء أغلب عَلَيْهِ من الْخَوْف
وَسُئِلَ ذُو النُّون عَن الْأنس فَقَالَ هُوَ انبساط الْمُحب إِلَى الْحُبُوب
مَعْنَاهُ مَا قَالَ الْخَلِيل ﵇ ﴿أَرِنِي كَيفَ تحيي الْمَوْتَى﴾ وَمَا قَالَ الكليم ﵇ ﴿أَرِنِي أنظر إِلَيْك﴾ وَقَوله ﴿لن تراني﴾ شبه الْعذر أَي لَا تطِيق
وَسُئِلَ إِبْرَاهِيم المارستاني عَن الْأنس فَقَالَ هُوَ فَرح الْقلب بالمحبوب
وَسُئِلَ الشبلي عَن الْأنس فَقَالَ هُوَ وحشتك مِنْهُ
[ ١٠٦ ]
وَقَالَ ذُو النُّون أدنى مقَام الْأنس أَن يلقى فِي النَّار فَلَا يغيبه ذَلِك عَمَّن أنس بِهِ
وَقَالَ بَعضهم الْأنس هُوَ أَن يسْتَأْنس بالأذكار فيغيب بِهِ عَن رُؤْيَة الأغيار أنشدونا لرويم شغلت قلبِي بِمَا لديك فَمَا
يَنْفَكّ طول الْحَيَاة من فكرى
أنستني مِنْك بالوداد وَقد
أوحشتني من جَمِيع ذَا الْبشر
ذكرك لي مؤنس يعارضنى
يوعدني عَنْك مِنْك بالظفر
وَحَيْثُ مَا كنت يامدى هممي
فَأَنت مني بِموضع النّظر