[ ٧٤ ]
وَيكون صَاحبهَا مَحْفُوظًا عَن النّظر إِلَى نَفسه فَلَا يدْخلهُ عجب وَيكون مسلوبا من الْخلق بِمَعْنى النّظر إِلَيْهِم بحظ فَلَا يفتنونه وَيكون مَحْفُوظًا عَن آفَات البشرية وَإِن كَانَ طبع البشرية قَائِما مَعَه بَاقِيا فِيهِ فَلَا يستحلى حظا من حظوظ النَّفس استحلاء يفتنه فِي دينه واستحلاء الطَّبْع قَائِم فِيهِ وَهَذِه هِيَ خُصُوص الْولَايَة من الله للْعَبد
وَمن كَانَ بِهَذِهِ الصّفة لم يكن لِلْعَدو إِلَيْهِ طَرِيق بِمَعْنى الإغواء لقَوْله جلّ وَعز ﴿إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان﴾ وَهُوَ مَعَ هَذَا لَيْسَ بمعصوم من صَغِيرَة وَلَا كَبِيرَة فَإِن وَقع فِي أحديهما قارنته التَّوْبَة الْخَالِصَة
وَالنَّبِيّ مَعْصُوم لَا يجْرِي عَلَيْهِ كَبِيرَة بِإِجْمَاع وَلَا صَغِيرَة عِنْد بَعضهم
وَزَوَال خوف الْعَاقِبَة لَيْسَ بممتنع بل هُوَ جَائِز فقد أخبر النَّبِي ﷺ أَصْحَابه بِأَنَّهُم من أهل الْجنَّة وَشهد للعشرة بِالْجنَّةِ والراوي لَهُ سعيد ابْن زيد وَهُوَ أحد الْعشْرَة المبشرة بِالْجنَّةِ وَشَهَادَة النَّبِي ﷺ توجب سكونا إِلَيْهَا وطمأنينة بهَا وَتَصْدِيقًا لَهَا وَهَذَا يُوجب الْأَمْن من التَّغْيِير وَزَوَال خوف التبديل لَا محَالة
وَالرِّوَايَات الَّتِي جَاءَت فِي خوف المبشرين من قَول ابي بكر ﵁ يَا لَيْتَني كنت تَمْرَة ينقرها الطير
وَقَول عمر ﵁ ياليتني كنت هَذِه النبتة لَيْتَني لم أك شَيْئا
وَقَول أبي عُبَيْدَة بن الْجراح ﵁ وددت أَنِّي كَبْش فيذبحني أَهلِي ويأكلون لحمي ويحسون مرقي
وَقَول عَائِشَة ﵂ يَا ليتي كنت ورقة من هَذِه الشَّجَرَة وَهِي من شهد لَهَا عمار بن يَاسر على مِنْبَر الْكُوفَة فَقَالَ اشْهَدْ أَنَّهَا زَوْجَة النَّبِي ﷺ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
[ ٧٥ ]
إِنَّمَا كَانَ ذَلِك مِنْهُم خوفًا من جَرَيَان المخالفات عَلَيْهِم إجلالا لله تَعَالَى وتعظيما لقدره ووهبية لَهُ وحياء مِنْهُ بِأَنَّهُم أجلوا الْحق أَن يخالفون وَإِن لم يعاقبهم
كَمَا قَالَ عمر ﵁ نعم الْمَرْء صُهَيْب لولم يخف الله لم يَعْصِهِ
يَعْنِي أَن صهيبا لَيْسَ يتْرك الْمعْصِيَة لله خوف عُقُوبَته وَلكنه يَتْرُكهَا إجلالا لَهُ وتعظيما لقدره وحياء مِنْهُ
فخوف المبشرين لم يكن خوفًا من التَّغْيِير والتبديل لِأَن خوف التَّغْيِير والتبديل مَعَ شَهَادَة النَّبِي ﷺ يُوجب شكا فِي أَخْبَار النَّبِي ﷺ وَهَذَا كفر وَلم يكن ذَلِك خوف عقوبه فِي النَّار دون الخلود فِيهَا لعلمهم بِأَنَّهُم لَا يعاقبون بالنَّار على مَا يكون مِنْهُم لِأَنَّهَا إِمَّا أَن تكون صغائر فَتكون مغفورة باجتناب الْكَبَائِر أَو بِمَا يصيبهم من الْبلوى فِي الدُّنْيَا
قَالَ عبد الله بن عمر فِيمَا روى عَن أبي بكر الصّديق قَالَ كنت عِنْد رَسُول الله ﷺ فأنزلت هَذِه الْآيَة ﴿من يعْمل سوءا يجز بِهِ﴾ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أَلا أقرئك آيَة أنزلت على
قلت بلَى يَا رَسُول الله
قَالَ فأقرأنيها
فَلَا أعلم مَا أصابني إِلَّا أَنِّي وجدت انقصاما فِي ظَهْري فتمطيت لَهَا فَقَالَ رَسُول الله ﷺ مَا شَأْنك يَا أَبَا بكر
فَقلت يَا رَسُول الله بِأبي أَنْت وَأمي وأينا لم يعْمل سوءا وَإِنَّا لمجزون بِمَا عَملنَا
فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أما أَنْت يَا أَبَا بكر والمؤمنون فتجزون
[ ٧٦ ]
بذلك فِي الدُّنْيَا حَتَّى تلقوا الله وَلَيْسَ لكم ذنُوب وَأما الْآخرُونَ فَيجمع لَهُم ذَلِك حَتَّى يجزوا بِهِ يَوْم الْقِيَامَة
أَو تكون كَبَائِر فتقارنها التَّوْبَة لَا محَالة فَتَصِح بِشَارَة النَّبِي ﷺ لَهُم بِالْجنَّةِ
على أَن هَذَا الحَدِيث قد بَين أَنه يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة وَلَا ذَنْب لَهُ
قَالَ النَّبِي ﷺ لعمر وَمَا يدْريك لَعَلَّ الله اطلع على أهل بدر فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُم فقد غفرت لكم
وَلَو كَانَ كَمَا قَالَ بعض النَّاس إِنَّهُم بشروا بِالْجنَّةِ وَلم يبشروا بِأَنَّهُم لَا يعاقبون فَكَانَ خوفهم من النَّار وَإِن علمُوا أَنهم لَا يخلدُونَ فِيهَا لَكَانَ المبشرون وَغَيرهم من الْمُؤمنِينَ فِي ذَلِك سَوَاء لأَنهم لَا محَالة مخرجون مِنْهَا
وَلَو جَازَ دُخُول أبي بكر وَعمر النَّار مَعَ قَول النَّبِي ﷺ هما سيا كهول أهل الْجنَّة من الْأَوَّلين والآخرين جَازَ دُخُول الْحسن وَالْحُسَيْن مَعَ قَوْله هما سيدا شباب أهل الْجنَّة
فَإِن كَانَت سادة أهل الْجنَّة يجوز أَن يدخلهم الله النَّار ويعذبهم بهَا لم يجز أَن يدْخل أحد الْجنَّة إِلَّا بعد أَن يعذب بالنَّار
وَقَالَ النَّبِي ﷺ إِن أهل الدَّرَجَات العلى ليراهم من تَحْتهم كَمَا ترَوْنَ النَّجْم الطالع فِي أفق السَّمَاء وَإِن أَبَا بكر وَعمر مِنْهُم اتعما
فَإِن كَانَ هَذَانِ يدخلَانِ النَّار ويخزيان فِيهَا لِأَن الله تَعَالَى قَالَ ﴿إِنَّك من تدخل النَّار فقد أخزيته﴾ فَكيف بِغَيْرِهِمَا
وَقَالَ ابْن عمر إِن رَسُول الله ﷺ دخل الْمَسْجِد وَأَبُو بكر وَعمر
[ ٧٧ ]
أَحدهمَا عَن يَمِينه وَالْآخر عَن شِمَاله وَهُوَ آخذ بأيديهما وَقَالَ هَكَذَا نبعث يَوْم الْقِيَامَة
فَإِن جَازَ دخولهما النَّار جَازَ دُخُول الثَّالِث
وَقَالَ النَّبِي ﷺ يدْخل من أمتِي الْجنَّة سَبْعُونَ ألفا بِغَيْر حِسَاب
فَقَالَ عكاشة بن مُحصن الْأَسدي يَا رَسُول الله ادْع الله ان يَجْعَلنِي مِنْهُم فَقَالَ النَّبِي ﷺ أَنْت مِنْهُم
وَأَبُو بكر وَعمر أفضل من عكاشة لَا محَالة لقَوْل النَّبِي ﷺ هما سيدا كهول أهل الْجنَّة من الْأَوَّلين والآخرين
فَكيف يجوز أَن يدْخل عكاشة الْجنَّة بِغَيْر حِسَاب وَهُوَ دونهمَا فِي الْفضل وهما فِي النَّار فَهَذَا غلط كَبِير
فقد صَحَّ بِهَذِهِ الْأَخْبَار أَنَّهُمَا لَا يجوز أَن يَكُونَا معذبين بالنَّار مَعَ شَهَادَة الرَّسُول ﷺ لَهما بِالْجنَّةِ فقد تبين أمنهما فمهما قيل فيهمَا وَفِي غَيرهمَا من المبشرين كَانَ ذَلِك قولا فِيمَن سواهُمَا من الْأَوْلِيَاء من جَوَاز الْأَمْن
وَأما طَرِيق معرفَة سَائِر الْأَوْلِيَاء دون المبشرين إِذْ كَانَ المبشرون إِنَّمَا علمُوا ذَلِك بأخبار النَّبِي ﷺ وَغَيرهم لم يكن فيهم رَسُول الله ﷺ فيخبرهم فَإِنَّهُم إِنَّمَا يعْرفُونَ بِمَا يحدث الله فيهم من اللطائف الَّتِي يخص بهَا أولياءه وَبِمَا يُورد على أسرارهم من الْأَحْوَال الَّتِي هِيَ أَعْلَام ولَايَته من اخْتِصَاصه لَهُم بِهِ وجذبه لَهُم مِمَّا سواهُ إِلَيْهِ وَزَوَال الْعَوَارِض عَن أسرارهم وفناء الْحَوَادِث لَهُم والصوارف عَنهُ إِلَى غَيره وَوُقُوع المشاهدات والمكاشفات الَّتِي لَا يجوز أَن يَفْعَلهَا الله تَعَالَى إِلَّا بِأَهْل خاصته وَمن اصطفاه لنفسة فِي أزله مِمَّا لَا يفعل مثلهَا فِي أسرار أعدائه
[ ٧٨ ]
فقد ورد الْخَبَر عَن النَّبِي ﷺ فِي أبي بكر الصّديق ﵁ أَنه لم يفضلكم بِكَثْرَة الصَّوْم وَالصَّلَاة وَلَكِن فَضلكُمْ بشئ وقر فِي صَدره أَو فِي قلبه فَهَذَا معنى الحَدِيث
ويؤمنهم أَن يَجدوا فِي أسرارهم كرامات ومواهب وَأَنَّهَا على الْحَقِيقَة وَلَيْسَت بمخادعات كَالَّذي كَانَ للَّذي آتَاهُ آيَاته فانسلخ مِنْهَا ومعرفتهم أَن أَعْلَام الْحَقِيقَة لَا يجوز أَن يكون كأعلام الخداع وَالْمَكْر لِأَن أَعْلَام المخادعات تكون فِي الظَّاهِر من ظُهُور مَا خرج من الْعَادة من ركون المخدوع بهَا إِلَيْهَا واغترارهم بهَا فيظنوا أَنَّهَا عَلَامَات الْولَايَة والقرب وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة خداع وطرد وَلَو جَازَ أَن يكون مَا يَفْعَله بأولياءه من الِاخْتِصَاص كَمَا يَفْعَله بأعدائه من الاستدراج لجَاز أَن يفعل انبياءه ويلعنهم كَمَا فعل بِالَّذِي آتَاهُ آيَاته وَهَذَا لَا يجوز أَن يُقَال فِي الله ﷿ وَلَو جَازَ أَن يكون للأعداء أَعْلَام الْولَايَة وأمارات الِاخْتِصَاص وَيكون دَلَائِل الْولَايَة لَا تدل عَلَيْهَا لم يقم للحق دَلِيل بته وَلَيْسَت اعلام الْولَايَة من جِهَة حلية الظَّوَاهِر وَظُهُور مَا خرج من الْعَادة لَهُم فَقَط لَكِن أعلامها إِنَّمَا تكون فِي السرائر بِمَا يحدث الله تَعَالَى فِيهَا مِمَّا يُعلمهُ الله تَعَالَى وَمن يجده فِي سره
الْبَاب السَّابِع وَالْعشْرُونَ