قال المصنف ﵀:
«ثُمَّ هُمْ مَعَ هَذِهِ الأُصُولِ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ، وَيَنْهَونَ عَنِ المُنْكَرِ عَلَى مَا تُوجِبُهُ الشَّرِيعَةُ، وَيَرَوْنَ إِقَامَةَ الحَجِّ وَالجِهَادِ وَالجُمَعِ وَالأَعْيَادِ مَعَ الأُمَرَاءِ أَبْرَارًا كَانُوا أَوْ فُجَّارًا، وَيُحَافِظُونَ عَلَى الجمع والجَمَاعَاتِ.
وَيَدِينُونَ بِالنَّصِيحَةِ للأُمَّةِ، وَيَعْتَقِدُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ -ﷺ-: «المُؤْمِنُ لِلمُؤْمِنِ كَالبُنْيَانِ؛ يَشُدُّ بَعْضَهُ بَعْضًا»، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَقَوْلِهِ -ﷺ-: «مَثَلُ المُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ؛ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالحُمَّى وَالسَّهَرِ».
وَيَأْمُرُونَ بِالصَّبْرِ عِنْدَ البَلاءِ، وَالشُّكْرِ عِنْدَ الرَّخَاءِ وَالرِّضَا بِمُرِّ القَضَاءِ.
وَيَدْعُونَ إِلَى مَكَارِمِ الأَخْلاقِ، وَمَحَاسِنِ الأَعْمَالِ، وَيَعْتَقِدُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ -ﷺ-: «أَكْمَلُ المُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا».
وَيَنْدُبُونَ إِلَى أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ، وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ.
وَيَأْمُرُونَ بِبِرِّ الوَالِدَيْنِ، وَصِلَةِ الأَرْحَامِ، وَحُسْنِ الجِوَارِ، وَالإِحْسِانِ إلَى اليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ، وَالرِّفْقِ بِالمَمْلُوكِ.
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الفَخْرِ، وَالخُيَلاءِ، وَالبَغْيِ، وَالاسْتِطَالَةِ عَلَى الخَلقِ بِحَقٍّ أَوْ بِغَيْرِ حَقٍّ.
وَيَأْمُرُونَ بِمَعَالِي الأَخْلَاقِ، وَيَنْهَوْنَ عَنْ سَفْسَافِهَا.
[ ٢٧١ ]
وَكُلُّ مَا يَقُولُونَهُ وَيَفْعَلُونَهُ مِنْ هَذَا وَغَيْرِهِ؛ فَإِنَّمَا هُمْ فِيهِ مُتَّبِعُونَ لِلكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَطَرِيقَتُهُمْ هِيَ دِينُ الإسلام الَّذِي بَعَثَ اللهُ بِهِ مُحَمَّدًا -ﷺ-.
لَكِنْ لَمَّا أَخْبَرَ النَّبِيُّ﵌- أَنَّ أُمَّتَهُ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً؛ كُلُّهَا فِي النَّار؛ إلَّا وَاحِدَةً، وَهِيَ الجَمَاعَةُ. وَفِي حَدِيثٍ عَنْهُ أنَّهُ قَالَ: «هُمْ مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ اليَومَ وَأَصْحَابِي»، صَارَ المُتَمَسِّكُونَ بِالإسلام المَحْضِ الخَالِصِ عَنِ الشَّوْبِ هُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ.
وهُم الطَّائفةُ المَنصورةُ الَّذِين قال فيهم النَّبيُّ -ﷺ-: «لا تَزَالُ طائفةٌ مِنْ أُمَّتِي على الحَقِّ ظاهرين، لا يَضُرُّهم مَنْ خَذَلَهم، ولا مَنْ خَالَفهم حتى تقومَ السَّاعةُ.
فَنَسْأَل اللهَ العَظيمَ أن يَجعلنا منهم، وألَّا يُزيغ قُلُوبنا بعد إذ هَدَانا، وأن يَهِب لنا من لُدنه رَحمة؛ إنَّه هو الوَهَّاب، واللهُ أَعْلَم.
والحمدُ لله ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على محمَّدٍ وآلِه وصَحْبه وسَلَّم تسليمًا كثيرًا».
الشرح
عُرِف مجتمع أهل السنة بأنه مجتمع صدق وبِر واستقامة، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويقيم الحج والجهاد والجمع والأعياد، ويرون أنَّ ذلك يُقام مع الأمراء؛ سواء كانوا أبرارًا أو فُجَّارًا.
فشعائر الإسلام- بحمد الله- قائمة ظاهرة في مجتمع أهل السنة، وهذا من فضل الله عليهم، ثم باتباعهم سنة النبي -ﷺ-؛
[ ٢٧٢ ]
فالمساجد ليست مهجورة، وحِلق الذِّكر عامرة، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر أمر قائم بفضل الله، وهكذا كل من يعيش في كَنَفهم أو يكون قريبًا منهم يجد هذا الفارق العظيم بينهم وبين أهل البدع؛ فتراهم- بحمد الله- مِنْ خيرة الناس خُلُقًا، ومِن خيرة الناس سيرة، ومن خيرة الناس فضلًا وكرمًا وإحسانًا إلى الجار وإحسانًا إلى الفقير والمحتاج، ونحو ذلك.
وكذلك تراهم متواضعين مبتعدين عن الفخر والخيلاء، ويتواصون بهذا، ومن حاد من أفرادهم عن هذا الحقِّ قُوبل بالنصح والتوجيه.
وترى الواحد من علمائهم لا تعرف أنه عالم؛ لأنه ليس عليه مِنْ مَظهر أو حب الشهرة ما تراه على أهل البدع من تَعَمُّمٍ معين، ولبس مُعَيَّن يتميزون به عن الناس.
وكذلك تراهم متشابهين لا تعرف غنيهم من فقيرهم، فما تجد أحدًا منهم متباهيًا مختالًا يكسر نفس الفقير.
ومجتمعاتهم مجتمعات الخير والأمن، وحسن الخلق قائم، وحفظ القرآن والسنة بحمد الله قائم، والمساجد عامرة بالصلوات الخمس، وبالدروس العلمية والجمع والأعياد.
وكمثال يفرق بين أهل السنة والمبتدعة: تجد في مواسم الحج والعمرة أنَّ أهل السنة يتجهون وقت الصلاة إلى المسجد الحرام وإلى مسجد النبي -ﷺ-، وأمَّا أهل البدع فتراهم يتسكعون في الشوارع ويقضون هذه الأوقات في الأسواق، فالناس مقبلة على الصلاة وهم باتجاه معاكس أدبروا عن هذا النداء؛ فشتان بين حال أهل السنة وحال غيرهم!
[ ٢٧٣ ]
وأهل السنة يحافظون على الجماعات، ويدينون بالنصيحة للأمة، فهم أعرف الناس بالحق وأرحم الناس بالخلق، فإذا عاش بعض أهل البدع في مجتمعات أهل السنة لا يجدون عند أهل السنة شططًا ولا إجحافًا معهم، بل يبتعدون عن أذاهم أو ظلمهم؛ لأن الله حرم الظلم على نفسه، وجعله بين عباده محرمًا.
وإن تصرف بعض أفراد أهل السنة تصرفًا خاطئًا فذلك يعود إلى فعله، وليس الأمر دينًا أو عقيدة يدين بها أهل هذه المجتمعات.
وعلى العكس انظر كيف يتعامل أهل البدع في بلادهم مع أهل السنة؟! كيف يؤذونهم ويضطهدونهم بل ويقتلونهم؟!
وأهل السنة يحققون ما أمر به النبي -ﷺ- حيث أمر بالتراحم، ولذلك تجد أن أعمالهم في الخير عمَّت بلاد المسلمين جميعًا؛ فبنوا المساجد وحفروا الآبار؛ فتجد صاحب السنة (رجلًا كان أو امرأة) له مسجد في الصين وله مسجد في أقصى أفريقيا، وله مسجد في كل مكان، وله بئر هنا وبئر هناك، وله دار أيتام هنا، وله دار أيتام هناك، ويَكفلون آلاف الناس الذين لا يعرفونهم، وينفقون عليهم الأموال الطائلة؛ نشرًا للدين بينهم، ورحمةً بهم، وتأليفًا لقلوبهم، ومساعدة وعونًا لهم في الابتلاءات المختلفة.
وليس بين هذا المسلم المنفق وبين غيره من إخوانه المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها إلا وشيجة هذا الدين التي تجعله يكفل أيتام المسلمين، ويقوم برعايتهم وتعليمهم، وهناك رجال نذروا أنفسهم لهذا العمل؛ فنشروا هذا الخير شرقًا وغربًا، وهذا تحقيق لقول النبي -ﷺ-: «مَثَلُ المُؤمنين في توادِّهم، وتَرَاحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عُضو تَدَاعى له سائر الجسد بالسَّهر
[ ٢٧٤ ]
والحُمَّى» (^١)، ولقوله -ﷺ-: «المُؤمن للمؤمن كالبُنيان يشدُّ بعضه بعضًا» (^٢).
فيحققون هذا ويقومون به- بحمد الله- خير قيام.
وصاحب السنة في السراء شاكر لربه نعمه، وفي حال المصيبة صابر محتسب؛ فلا سخط ولا لطم للخدود ولا شق للجيوب، ولا دعاء بدعوى الجاهلية.
وليس هناك- بحمد الله- من نائحة تنوح عند جنائز أهل السنة، ولا يصحبها شيء من البدع، وإنما يُغَسِّلون موتاهم ويكفنونهم ويصلون عليهم كما جاءت بذلك السنة.
وكذلك ليس عندهم قبور تُشَيَّدُ، ولا سرادقات لعزاء تُقام، ولا اجتماع لأربعين، ولا لسنوية، ولا غير ذلك، وإنما يكتفى بما جاءت به السُّنَّة المشرفة.
فانظر إلى حال أهل السنة وحال أهل البدع؛ لتعرف نعمة الله على أهل السنة؛ فهم في السراء شاكرون، وفي الضرَّاء صابرون، ويتواصون ويتناصحون بأن لله يبتلي بالسراء والضراء؛ قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا﴾ [الفجر: ١٥ - ١٧]، أي: ليس النعمة إكرامًا، وليس التقدير إهانة، وإنما الكلُّ ابتلاء، قال ﷻ: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: ٢].
فصاحب السنة يعلم أنَّ ما هو فيه إنما هو ابتلاء؛ سواء كان رخاء أم شدة، وسواء كان غنى أم فقرًا، فنحن نشكر الله على نعمه،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٠١١) ومسلم (٢٥٨٦)، من حديث النعمان بن بشير؟.
(٢) أخرجه البخاري (٦٠٢٦) ومسلم (٢٥٨٥) من حديث أبي موسى الأشعري؟.
[ ٢٧٥ ]
ومن شكر النعم أداء ما افترض الله على العبد في هذا الحق؛ سواء كان مالًا أو صحة أو ولدًا.
فمن شكر نعمة الأولاد: أن يحسن الوالدن تربيتهم، وأن يحرصوا على تعليمهم أمور الصلاة، وتعليمهم فرائض الإسلام؛ لكي ينشأوا مستقيمين على شرع الله، فينتشر الخير في المجتمع.
وكذلك أهل السنة يقومون بالدعوة إلى الله، والحث على مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، والنبي -ﷺ- قال: «إنَّما بُعِثت لأتمم مكارم الأخلاق» (^١)، وقال -ﷺ-: «أكملُ المؤمنين إيمانًا أحسنُهم خُلُقًا» (^٢)، وقد أمر الله نبيه -ﷺ- باللين والعفو فقال جل وعلا: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
وأمر -ﷺ- بصلة الرِّحم، والصدق في المعاملة وحُسن الجوار حتى مع الكافر.
وكان من أخلاقه -ﷺ- الرفق بالخدم وبكل مَنْ تحت يدك، يقول أنس -﵁-: «خدمتُ النبيَّ -ﷺ- عشر سنين، فما قال لي: أُف، ولا: لِمَ صنعتَ؟ ولا: أَلَا صنعتَ؟» (^٣).
وأهل السنة في وعظهم وإرشادهم يأمرون بالاقتداء بالنبي -ﷺ- والإحسان إلى الخلق، والرفق بالخَدَم والضعفاء، والنهي عن الفخر
_________________
(١) أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» رقم (٢٧٣)، وأحمد في «المسند» (٢/ ٣١٨)، وصححه الألباني في «الصحيحة» (٤٥).
(٢) أخرجه البخاري أحمد في «المسند» (١٦/ ٤٧٨) (١٠٨١٦)، وأبو داود (٤٦٨٢) من حديث أبي هريرة؟، وصححه الألباني في «المشكاة» (٥١٠١).
(٣) أخرجه البخاري (٦٠٣٨).
[ ٢٧٦ ]
والخيلاء والاستطالة على الناس، ويسعون في قضاء مصالحهم.
وأهل السنة فيهم الصديقون والشهداء والصالحون، والعلماء العاملون، وكم تركوا من آثار علمية تتزود منها الأمة، وتغترف منها.
فأهل السنة هم خير الأمة، وهم الطائفة المنصورة الباقية والظاهرة إلى يوم القيامة.
نسأل الله أن يجعلنا من هذه الفرقة الناجية والطائفة المنصورة.
اللهم يا مقلب القلوب ثَبَّت قلوبنا على هذه العقيدة الصحيحة، واجعلنا من الملتزمين بها علمًا وعملًا، وأَحْيِنا على ذلك غير مبدلين ولا فاتنين ولا مفتونين، ولا تَقبضنا إلا وأنت راض عنا .. آمين.
[ ٢٧٧ ]