قال المصنف ﵀:
«وقد دخلَ فيما ذكرناهُ مِنَ الإيمانِ باللهِ الإيمانُ بما أخبرَ بهِ في كتابِهِ وتواترَ عن رسولِهِ، وأجمعَ عليهِ سلفُ الأُمَّةِ من أنَّهُ- سبحانه- فوقَ سَماواتِهِ على عرشِهِ، عَلِيٌّ عَلَى خلقِهِ، وَهُوَ- سبحانه- مَعهم أينما كانوا؛ يَعْلَمُ ما هم عاملونَ، كما جَمَعَ بينَ ذلكَ في قولِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤]، وليس معنى قولِهِ: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾: أَنَّهُ مُختلطٌ بالخلقِ؛ فإنَّ هذا لا تُوجِبُهُ اللُّغة، وهوَ خلافُ ما أجمعَ عليهِ سلفُ الأمَّةِ، وخِلَافُ ما فَطَرَ اللهُ عليهِ الخلقَ، بلِ القمرُ آيةٌ من آياتِ اللهِ مِنْ أَصْغَرِ مَخلوقاتِهِ، وهو موضوعٌ فِي السَّماءِ، وهوَ معَ المسافرِ وغيرِ المسافرِ أينما كانَ، وهوَ- سبحانه- فوقَ عرشِهِ، رَقيبٌ على خلقِهِ، مهيمنٌ عليهم، مُطَّلِعٌ عليهم، إِلَى غيرِ ذلكَ مِنْ مَعانِي رُبوبيتِهِ.
وَكُلُّ هَذَا الكَلَامِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ؛ مِنْ: أَنَّهُ فَوْقَ العَرْشِ، وَأَنَّهُ مَعَنَا- حَقٌّ عَلَى حَقِيقَتِهِ، لَا يَحْتَاجُ إلَى تَحْرِيفٍ، وَلَكِنْ يُصَانُ عَنِ الظُّنُونِ الكَاذِبَة؛ مِثْل أَنْ يُظَنَّ أَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿فِي السَّمَاءِ﴾: أَنَّ السَّمَاءَ تُقِلُّهُ، أَوْ تُظِلُّهُ؛ وَهَذَا بَاطِلٌ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ العِلمِ وَالإِيمَانِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وَهُوَ الَّذِي ﴿يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: ٤١]، ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾
[ ١٢٥ ]
[الحج: ٦٥]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥]».
الشرح
ذكر المصنف ﵀ في هذا الموضع ما يتعلق بصفة العلو، وما يتصل بهذه الصفة من جملةِ صفاتٍ.
وأعظم مسألتين في باب أسماء الله وصفاته: هما صفة العلو وصفة الكلام، ولذلك خصهما هنا شيخ الإسلام بالذِّكر؛ فتكلم- أولًا- عن صفة العلو وما يتعلق بها، ثم أعقب ذلك بالحديث عن صفة الكلام، وهذا لأهمية هاتين المسألتين في هذا الباب؛ لأن أهل الباطل من المعطلة أَصَّلوا قولهم في صفة العلو بناء على أن العلوم محصورة في المحسوس المشاهد، فكذَّبوا بكل غيب، ولذلك أنكروا عُلُوَّ الله ﷾؛ وهو أعظم غيب، وهم بذلك يُريدون الوصول إلى إنكار وجوده؛ لأن في إثبات علوه إثباتًا لوجوده جل وعلا، وإثبات وجوده إثبات لأعظم الغيب.
وكذلك أرادوا أن يتسلطوا على صفة الكلام؛ لأن في إثباتها إثبات للوحي، وهو مصدر العلم الشرعي، فهم يريدون أن يُفسدوا هذا الباب؛ ليقصروا مصدر العلم على نفوسهم، وبالتالي يريدون أن يُسووا بين قولهم وقول رسول الله -ﷺ- باعتبار أن مصدر الاثنين واحد.
وبالتالي، فمسألة العلو من أعظم المسائل؛ لذلك نجد أن النصوص التي أثبتت هذه الصفة متواترة ومتنوعة ومتعددة، حتى إنَّ العلماء يذكرون أن في كتاب الله ﷿ أكثر من ثلاثمائة آية تتكلم عن علوِّ الله بأساليب متنوعة ومتعددة؛ فالله ﷿ تارة يُخبر بعلوه، وتارة يُخبر باستوائه، وتارة يُخبر بنزوله، وتارة يُخبر بصعود الأشياء إليه، وتارة يخبر بنزولها من عنده، وتارة يخبر بعروجها إليه، وهكذا.
[ ١٢٦ ]
وقد دلَّ على عُلُوِّ اللهِ على خلقِهِ بذاته- الكتابُ بدلالاتٍ متنوعةٍ، والسُّنَّةُ بدلالاتِهَا الثلاثِ: (القوليَّة، والفعليَّة، والتقريريَّة)، والإجماعِ، والعقلِ، والفطرةِ.
وقالَ العلَّامةُ السّعْدي بعدَ أن أَوْرَدَ كلامَ شيخِ الإسلامِ السابقِ: «في هذا الفصلِ مسألة علو اللهِ واستوائِهِ على عرشِهِ، وأن ذلكَ داخلٌ في الإيمانِ باللهِ، وذلكَ لِمَا حَصَلَ في هذِهِ المسألةِ مِنَ الاختلافِ والمُخَاصماتِ الطويلةِ بينَ أهلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ وبينَ طوائِفِ الجهميَّةِ والمُعتزلةِ ومَن تَبِعَهُم في هَذِهِ المَسألةِ مِنَ الأشعريَّةِ ونحوهم.
فإنَّ مَسألةَ العلوِّ صُنِّفَت فيها المُصَنَّفات المُستقلَّة، وأَوْرَدَ فيها أهلُ السُّنَّة ما لا يمكنُ دفعُهُ أو دفع بعضِهِ، وحقَّقوا ذلكَ بالعقلِ الصحيحِ، وأنَّ الفِطَر والعقولَ مُعترفة، بل ومضطرة إلى الإيمانِ بعلوِّ اللهِ إلَّا مَنْ غَيَّرَت فِطَرتَه العقائِدُ الباطِلةُ.
وقد بيَّن المُصَنِّفُ في هذا الموضوعِ الجمعَ بينَ الإيمانِ بعلوِّ اللهِ وإثباتِ مَعِيَّته وعِلْمِهِ المُحيط، وحَقَّقه في كلامٍ واضحٍ مُبَيَّنٍ بالأمثلةِ المُقَرِّبةِ للمعاني بما لا مَزِيدَ علِيهِ» (^١).
فصفة العلو صفة ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع السلف، بل وثابتة بالفطرة، وثابتة بالعقل.
قال العَلَّامةُ ابنُ القَيِّم -﵀-: «قالَ شيخُ الإسلامِ: وَهَذَا كتابُ اللهِ من أوَّلهِ إلى آخرِهِ، وسُنَّة رسولهِ -ﷺ-، وعامَّة كلام الصَّحابةِ والتَّابعينَ وكلام سائرِ الأئمَّة مَمْلُوءٌ بما هُوَ نصٌّ أو ظَاهِرٌ في أنَّ اللهَ
_________________
(١) «التنبيهات اللطيفة» (ص ٦٥).
[ ١٢٧ ]
﷾ فوقَ كلِّ شيءٍ، وأنَّه فوقَ السَّماوات مُسْتَوٍ عَلَى عرشِهِ» (^١).
وقال- أيضًا- ابن القيم -﵀- كما: «… حتى قيل: إن الآياتِ والأخبارَ الدَّالّةَ على عُلُوِّ الرَّبِّ على خلقه واستوائه على عرشه تقاربُ الألوفَ، وقد أجمعت عليها الرسلُ مِنْ أولهم إلى آخرهم» (^٢).
وقد تَنَوَّعَتْ دلالةُ القرآنِ على عُلُوِّ الله على وجوهٍ كثيرةٍ، منها:
١ - التَّصْرِيحُ بِالفَوْقِيَّةِ مَقْرُونَةٌ بأداةِ «مِنْ» المُعَيِّنَةِ لِفَوْقِيَّةِ الذَّاتِ، نحو ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠].
٢ - التصريح بالفوقيَّة مُجَرَّدَة عن الأداة، كقوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨].
٣ - التَّصْرِيح بالعروج إليه؛ نحو ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤].
٤ - التصريح بالصُّعود إليه؛ كقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠].
٥ - التَّصريح برفعه بعضَ المخلوقاتِ إليه؛ كقوله: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]، وقوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥].
٦ - التَّصريح بالعُلُوِّ المطلقِ الدَّالِّ على جميع مراتب العلو، ذاتًا وقدرًا وشرفًا، كقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣]، ﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١].
٧ - التَّصريح بتنزيل الكتاب منه، كقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١]، ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]، ﴿قُلْ
_________________
(١) «اجتماع الجيوش الإسلامية» (٢/ ٩٦).
(٢) «مختصر الصواعق» (ص ٥٩).
[ ١٢٨ ]
نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٠٢]، وهذا يدل على شيئين:
الأول: على أنَّ القرآنَ ظَهَر منه لا من غيره، وأَنَّهُ الذي تكلم به، لا غيره.
الثاني: على عُلُوِّهِ على خَلْقِهِ، وأنَّ كلامَه نزل به الرُّوح الأمين من عنده من أعلى مكان إلى رسوله.
٨ - التَّصريحُ باخْتِصَاصِ بعضِ المخلوقات بأنها عنده، وأنَّ بَعْضَهَا أَقْرَبُ إليه من بعضٍ، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]، وقوله: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩]، ففرَّق بين من له عمومًا، ومن عنده من مماليكه وعبيده خصوصًا.
٩ - التَّصريح بأنه سبحانه في السَّماء، وهذا عند أَهْل السُّنَّة على أحد وجهين:
إما أن تكون «في» بمعنى «على».
وإما أن يراد بالسَّماء العلو، لا يختلفون في ذلك، ولا يجوز حملُ النَّصِّ على غيره.
١٠ - التَّصريح بالاستواء مقرونًا بأداة «على» مختصًّا بالعرش، الذي هو أعلى المخلوقات، مصاحبًا في الأكثر لأداة «ثُمَّ» الدَّالَّة على الترتيب والمهلة، وهو بهذا السِّياق صريحٌ في معناه الذي لا يفهم المخاطبون غيره من العُلُوِّ والارتفاع، ولا يحتمل غيره البتَّة.
١١ - إخباره سبحانه عن فرعون أنه رَامَ الصُّعُودَ إلى السماء؛ لِيَطَّلِعَ إلى إله موسى، فيُكذبه فيما أخبر به من أنه فوق السماوات؛ فقال: ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧]،
[ ١٢٩ ]
فكذَّب فرعونُ موسى في إخباره إياَّه بأن ربَّه فوق السماء (^١).
وفي قوله ﷾: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لله وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ - بيَّن أن الملائكة أقرب إليه من غيرهم من خلقه.
وكذلك قوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، إلى غير ذلك من ألفاظ متنوعة ومتعددة تدل دلالة واضحة على أن الله عال على خلقه مُستو على عرشه.
أما دلالة السُّنَّة على العلو، فقد قال شيخ الإسلام: «وأما الأحاديث والآثار عن الصحابة والتابعين فلا يُحصيها إلا الله تعالى» (^٢).
فالسُّنَّةُ قد دلَّت على عُلُوِّ الله بدلالاتها الثلاث: (القولية، والفعلية، والتقريرية).
أما السُّنَّة القولية فمنها:
١ - ما رواه أنس -﵁- في حديث الخَوَارِجِ: أَنَّ رسول الله -ﷺ- قال: «ألا تَأْمَنُونِي، وأَنا أَمِينُ مَنْ في السَّمَاءِ؟!» (^٣).
٢ - ما رواه أبو هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «إنَّ الله تعالى طَيِّبٌ لا يقبل إلا طَيِّبًا …»، إلى أن قال: «ثم ذكر الرجلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ ومَشْرَبُهُ حَرَامٌ ومَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالحَرَامِ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى السماء: يا رب، يا رب، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِك؟» (^٤).
_________________
(١) انظر: «إعلام الموقعين» (٢/ ٣١٤ - ٣١٧).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٥/ ١٦٦).
(٣) أخرجه البخاري (٤٣٥١) ومسلم (١٠٦٤).
(٤) أخرجه مسلم (١٠١٥).
[ ١٣٠ ]
٣ - ما رواه أبو هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «يَتَعاقَبُونَ فيكم ملائكةٌ باللَّيْلِ وملائكةٌ في النهار، ويجتمعون في صلاة الصُّبحِ وصلاةِ العصرِ، ثم يَعْرُجُ الذين باتوا فيكم، فيسألهم الله وهو أعلم بهم: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فيقولون: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ» (^١).
وأما أدلة السُّنَّة الفِعلية فمنها:
١ - ما رواه مسلم من حديث جابر -﵁- في حديث حَجَّةِ الوَدَاعِ، وفيه: أن رسول الله -ﷺ- خَطَبَ النَّاسَ، فقال: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، في شَهْرِكُمْ هَذَا، في بَلَدِكُمْ هَذَا …»، إلى أن قال جابر -﵁-: «فقال بإصبعه السَّبَّابَة يَرْفَعُهَا إلى السَّماء وَيَنْكُتُهَا إلى الناس: اللهم اشْهَدْ، اللهُمَّ اشْهَدْ» (^٢).
قال العَلَّامة ابن القَيِّم -﵀- مُعَلِّقًا على هذا الحديث: «ليشهد الجميعُ أن الرَّبَّ الذي أرسله ودعا إليه واستشهده هو الذي فوق سماواته على عرشه» (^٣).
٢ - ما في الصَّحيحين في رفعه -ﷺ- يديه إلى السماء قائلًا: «اللهم اسقنا» (^٤). وهكذا رفعه يديه في الاستسقاء وغير ذلك.
ومن أدلة السُّنَّة التقريريَّة وأشهرها:
ما رواه معاوية بن الحَكَم السُّلَمِي -﵁- قال: «كانت لي جاريةٌ تَرْعَى غَنَمًا قِبَلَ أُحُدٍ والجوَّانيَّة، فاطَّلَعْتُ ذات يومٍ فإذا بالذئب قد
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٥٥) ومسلم (٦٣٢).
(٢) أخرجه مسلم (١٢١٨).
(٣) «إعلام المُوقعين» (٢/ ٣١٦).
(٤) أخرجه البخاري (١٠١٣) ومسلم (٨٩٥).
[ ١٣١ ]
ذهب بشاةٍ مِنْ غَنَمِهَا، وأنا رجلٌ من بني آدم، آسَفُ كما يَأْسَفُونَ لكني صَكَكْتُهَا، فأتيتُ رسول الله -ﷺ- فعظَّم ذلك عليَّ، قلت: يا رسول الله أفلا أعتقها؟ قال: «ائتني بها»، فأتيتُه بها، فقال لها: «أين الله؟». قالت: في السماء، قال: «ومَن أنا؟». قالت: رسول الله، قال: «أَعْتِقها؛ فإنَّها مؤمنة» (^١).
وقال شيخ الإسلام ﵀: «ثم عن السَّلف في ذلك من الأقوال ما لو جُمِعَ لَبَلَغَ مِئِينَ أَوْ أُلُوفًا.
ثُمَّ لَيْسَ في كتاب الله ولا في سُنَّةِ رسوله -ﷺ- ولا عن أحدٍ من سلف الأمة، لا من الصحابة ولا من التابعين لهم بإحسان ولا عن الأئمة الذين أدركوا زمن الأهواء والاختلاف- حرفٌ واحدٌ يخالف ذلك لا نَصًّا ولا ظاهرًا، ولم يقل أحد منهم قط: إنَّ الله ليس في السماء، ولا إنه ليس على العرش، ولا إنه بذاته في كل مكان، ولا إن جميع الأمكنة بالنسبة إليه سواء، ولا إنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا إنه لا متصل ولا منفصل، ولا إنه لا تجوز الإشارة الحسيَّة إليه بالأصابع ونحوها» (^٢).
وأما دلالة الإجماع: فقد قال شيخُ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «فالسَّلَفُ والأَئِمَّةُ يقولون: إن الله فوق سماواته مُسْتَوٍ على عرشه بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، كما دَلَّ على ذلك الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، عُلِمَ المُبَايَنَةُ والعُلُوُّ بالمعقولِ الصَّريح الموافق للمنقول الصحيح، وكما فَطَرَ اللهُ على ذلك خَلْقَهُ» (^٣).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٥٣٧).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٥/ ١٥).
(٣) «مجموع الفتاوى» (٢/ ٢٩٧).
[ ١٣٢ ]
وأما دلالة الفِطْرَةِ على عُلُوِّ الله بذاته:
فقد قال إمام الأئمة محمد بن خزيمة -﵀-: «باب ذكر البيان أن الله -﷿- في السماء، كما أخبرنا في مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ وعلى لسان نبيه ﵇، وكما هو مفهوم في فطرة المسلمين علمائهم وجُهَّالِهِمْ وأَحْرَارِهِمْ وَمَمَالِيكِهِمْ ذُكْرَانِهِمْ وَإِنَاثِهِم بَالِغِيهِم وأَطْفَالِهِم، كل مَنْ دعا الله جل وعلا فإنه يرفع رأسَه إلى السماء ويمد يدَيْه إلى الله إلى أعلاهُ، لا إلى أسفل» (^١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأمَّا كونه عاليًا على مخلوقاته بائنًا منهم، فهذا أمرٌ معلومٌ بالفطرةِ الضروريةِ التي يشترك فيها جميع بني آدم.
وكُلُّ مَنْ كان بالله أعرفَ وله أَعْبَدَ ودُعَاؤُهُ له أكثرَ وقَلْبُهُ له أَذْكَرَ كان علمُه الضروريُّ بذلك أقوى وأكملَ، فالفطرة مُكَمَّلَةٌ بالفطرة المنزَّلة؛ فإن الفطرةَ تعلم الأمر مُجْمَلًا والشريعة تُفَصِّلُهُ وتُبَيِّنُهُ وتَشْهَدُ بما لا تَسْتَقِلُّ الفطرة به، فهذا هذا، والله أعلم» (^٢).
فالله تعالى فطر القلوب على إثبات علوه عز جل، ولذلك لما تكلم أبو المعالي الجويني في إنكار صفة العلو؛ وقال على المنبر: كان اللهُ ولا عَرْشَ، فقال له أبوجعفر الهمداني: يا أستاذ دَعْنَا مِنْ ذكر العرش- يعني لأن ذلك إنما جاء في السَّمْعِ- أَخْبِرْنَا عن هذه الضرورة التي نَجِدُهَا في قلوبنا، فإنه ما قال عارف قَطُّ (يا الله) إلا وَجَدَ مِنْ قَلْبِهِ ضَرُورَةً تَطْلُبُ العُلُوَّ، لا تلتفت يَمْنَةً ولا يَسْرَةً، فكيف ندفع هذه الضرورة عن قلوبنا؟ قال: فلطم أبو المعالي على رأسه، وقال: حَيَّرَنِي الهمذانيُّ، حَيَّرَنِي الهمدانيُّ، ونزل (^٣).
_________________
(١) «التوحيد» (١/ ٢٥٤).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٤/ ٤٥).
(٣) انظر: «مجموع الفتاوى» (٤/ ٤٤).
[ ١٣٣ ]
فالله ﷾ فطر هذه القلوب على إثبات علوه ﷿ فأنت في كل أحوالك إذا سألت الله اتَّجهت إلى جهة واحدة، وهي جهة العلو، فلا تلتفت يمنة ولا يسرة؛ لأن الله ﷾ فطر القلوب على معرفته، ومن ذلك جواب الجارية على النبي -ﷺ- لما سألها الجارية: «أين الله؟». فقالت: «في السَّماء». فقال -ﷺ-: «أَعْتِقها؛ فإنَّها مؤمنة» (^١).
وأَمَّا دَلَالَةُ العَقْلِ على إثبات العُلُوِّ لله، فقد قال العَلَّامة ابن عثيمين -﵀-، فقال: «وأما العقلُ فقد دَلَّ على وجوب صفة الكمالِ لله تعالى، وتنزيهِه عن النقصِ، والعُلُوُّ صفةُ كمالٍ، والسُّفْلُ نَقْصٌ، فوجب لله تعالى صفة العلو وتنزيهه عن ضده» (^٢).
وكذلك العلو ثابت بالعقل، ولذلك يقول الإمام أحمد: «يقال للجهمي: إنَّ الله إذا كان معنا بعظمة نفسه. فقل له: هل يغفر الله لكم فيما بينه وبين خلقه؟ فإن قال: نعم. فقد زعم أن الله بائن مِنْ خلقه، وأن خلقه دونه. وإن قال: لا، كفر. وإذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله حين زعم أنه في كل مكان، ولا يكون في مكان دون مكان. فقل له: أليس كان الله ولا شيء؟ فيقول: نعم. فقل له: حين خلق الشيء خلقه في نفسه، أو خارج عن نفسه؟ فإنه يصير إلى ثلاثة أقاويل لا بد له من واحد منها: إن زعم أن الله خلق الخلق في نفسه، فقد كفر حين زعم أنه خلق الخلق والشياطين وإبليس في نفسه، وإن قال: خلقهم خارجًا من نفسه، ثم دخل فيهم، كان هذا أيضًا كفر، حين زعم أنه دخل في كل مكان وحش وقذر. وإن قال: خلقهم خارجًا من نفسه، ثم لم يدخل فيهم، رجع
_________________
(١) أخرجه مسلم (٥٣٧)، وقد تقدَّم قريبًا.
(٢) «القواعد المُثْلى» (ص ٦٧).
[ ١٣٤ ]
عن قوله كله أجمع، وهو قول أهل السنة» (^١).
ونحن نُنَزِّه الله أن يُذكر في الخلاء فضلًا عن أن يكون هو﷾- في هذا المكان.
فالله عال على خلقه، مستو على عرشه، بائن من خلقه، وهم بائنون منه.
ومقصود أهل السنة بإثبات صفة العلو: أنه ليس بعد هذا العالم إلا الله.
وإثبات الاستواء جاء في القرآن في سبعة مواضع؛ في ستة مواضع: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، وفي واحد منها: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾؛ فأخبر باستوائه في هذه المواضع.
وذِكر العرش جاء في واحد وعشرين موضعًا، وهو أكبر مخلوقات الله ﷾، وأثقلها وزنًا وأعظمها خلقًا، وهو- كما يقولون-: سقف الجَنَّة.
فإثبات العلو والاستواء أمرٌ جاءت به النصوص، ولا تعارض بين نصوص العلو والاستواء ونصوص المعية.
الفرق بين العلو والاستواء:
١ - العُلُوُّ مِنْ الصِّفَات المعلومة بالسَّمع مع العقل، وأما الاستواء فمن الصفات المعلومة بالسَّمع دون العقل (^٢).
٢ - أنَّ العُلُوَّ صفةٌ ذاتيةٌ، والاستواء صفة فعلية؛ فالاستواء علو خاص، خَصَّه الله بالعرش.
أما العلو فإنَّ الله ﷾ عالٍ على جميع خلقه بما في ذلك
_________________
(١) انظر: «مجموع الفتاوى» (١/ ٤٠).
(٢) انظر «مجموع الفتاوى» (٣/ ٤٩)، (٥/ ١٢٢، ١٥٢، ٢٢٧).
[ ١٣٥ ]
العرش الذي خصه الله ﷾ بالاستواء عليه.
ومعنى استوى: علا وارتفع.
لأن استوى إمَّا أن تَرِد مُطلقة وإمَّا أن ترد مقيدة، فإذا أطلقت مثل أن تقول: استوى الطعام، أو استوى النبات، والمعنى: كمل وتم.
وإذا قيدت فإمَّا أن تقيد بإلى أو تقيد بعلى أو تقيد بواو (مع)، فإذا قيدت بإلى فقد جاءت في القرآن- بالنسبة إلى الله ﷾- في موضعين؛ في قوله تعالى: ﴿ثم استوى إلى الله فسواهن سبع سماوات﴾،. وقوله: ﴿ثم استوى إلى السماء وهي دخان﴾.
وإذا قيدت بإلى فقد قال العلماء في معانيها: إنها بمعنى (عمد وقصد وأقبل وعلا، وصعد)، وهي من لوازم علا.
أما إذا قيدت بعلى فليس لها في لغة العرب إلا معنى واحدًا، وهو علا وارتفع، وآيات الاستواء كلها قُيِّدت بعلى: وهي قوله: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، وقوله: ﴿ثم استوى على العرش﴾.
أمَّا إذا قيدت بواو (مع) فهي تعني المساواة مثل أن تقول: استوى الماء والخشب، أو استوى فلان وفلان في النتيجة، فمعناها المساواة.
والعرب لا تعرف من معاني (استوى): استولى.
فمن فَسَّر استوى بالاستيلاء فليس من لغة العرب في شيء.
ثم ما يتعلق بأمر العلو وأمر المعية فلا تعارض بينهما، والله ﷾ قد جمع بين ذلك في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤].
[ ١٣٦ ]
ونصوص المعية تنقسم إلى قسمين: عامة وخاصة:
المعية العامة، كما في سورة الحديد في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤]
وفي سورة المجادلة في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧].
والمعية الخاصة، مثل قوله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ ونحو ذلك من الآيات، فتلك من نصوص المعية الخاصة.
ولفظ (مع) في لغة العرب يُفيد المصاحبة، ثم إنَّ المصاحبة تختلف بحسب السياق، وهي مِنْ الألفاظ المشتركة بمعنى: أن السياق هو الذي يُحَدِّدها، فقد تكون المعية بمعنى النصرة، وقد تكون بمعنى مصاحبة الذات، وقد تكون غير ذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وذلك أن كلمة (مع) في اللغة إذا أُطلقت فليس ظاهرها في اللغة إلا المقارنة المطلقة؛ من غير وجوب مماسة أو محاذاة عن يمين أو شمال؛ فإذا قيدت بمعنى من المعاني دلت على المقارنة في ذلك المعنى. فإنه يقال: ما زلنا نسير والقمر معنا، أو والنجم معنا. ويقال: هذا المتاع معي
[ ١٣٧ ]
لمجامعته لك؛ وإن كان فوق رأسك. فالله مع خلقه حقيقة وهو فوق عرشه حقيقة» (^١).
وليس هنا تعارض بين نصوص المعية ونصوص العلو.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وجماع الأمر في ذلك: أن الكتاب والسنة يحصل منهما كمال الهدى والنور لمن تدبر كتاب الله وسنة نبيه وقصد اتباع الحق وأعرض عن تحريف الكلم عن مواضعه والإلحاد في أسماء الله وآياته. ولا يحسب الحاسب أن شيئًا من ذلك يناقض بعضه بعضا البتة؛ مثل أن يقول القائل: ما في الكتاب والسنة من أن الله فوق العرش يخالفه الظاهر من قوله: ﴿وهو معكم أين ما كنتم﴾، وقوله -ﷺ-: «إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإنَّ الله قِبَل وجهه» (^٢)، ونحو ذلك فإن هذا غلط.
وذلك أن الله معنا حقيقة وهو فوق العرش حقيقة، كما جمع الله بينهما في قوله ﷾: ﴿هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير﴾. فأخبر أنه فوق العرش يعلم كل شيء وهو معنا أينما كنا» (^٣).
ثم هذه المعية تختلف أحكامها بحسب الموارد، فلما قال: ﴿يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها﴾ إلى قوله: ﴿وهو معكم أين ما كنتم﴾ دل ظاهر الخطاب على أن حكم هذه المعية ومقتضاها: أنه مطلع عليكم؛ شهيد عليكم ومهيمن عالم بكم، وهذا معنى قول
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٥/ ١٠٣).
(٢) أخرجه بنحوه البخاري (٤٠٦) ومسلم (٥٤٧)، من حديث ابن عمر -﵄-.
(٣) «مجموع الفتاوى» (٥/ ١٠٢، ١٠٣).
[ ١٣٨ ]
السلف: إنه معهم بعلمه. وهذا ظاهر الخطاب وحقيقته، وكذلك في قوله: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم﴾ إلى قوله: ﴿هو معهم أين ما كانوا﴾ الآية، ولما قال النبي -ﷺ- لصاحبه في الغار: «لا تحزن إن الله معنا» كان هذا- أيضا- حقًّا على ظاهره، ودلت الحال على أن حكم هذه المعية هنا معية الاطلاع والنصر والتأييد (^١).
فليس المراد مصاحبة اختلاط، إذ لفظ (المعية) قد استعمل في الكتاب والسنة في مواضع يقتضي في كل موضع أمورًا لا يقتضيها في الموضع الآخر؛ فإما أن تختلف دلالتها بحسب المواضع أو تدل على قدر مشترك بين جميع مواردها - وإن امتاز كل موضع بخاصية - فعلى التقديرين ليس مقتضاها أن تكون ذات الرب ﷿ مختلطة بالخلق حتى يقال: قد صرفت عن ظاهرها (^٢).
قال الشيخ الأمين الشنقيطي: «قوله تعالى: ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾، ذكر- جل وعلا- في هذه الآية الكريمة: أنه مع عباده المتقين المحسنين، وهذه المعية بعباده المؤمنين، وهي بالإعانة والنصر والتوفيق. وكرر هذا المعنى في مواضع أخر; كقوله: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾، وقوله: ﴿إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم﴾، وقوله: ﴿لا تحزن إن الله معنا﴾، وقوله: ﴿قال كلا إن معي ربي سيهدين﴾، إلى غير ذلك من الآيات.
وأما المعية العامة لجميع الخلق فهي بالإحاطة التامة والعلم،
_________________
(١) انظر: «الفتوى الحموية» (ص ٥٢١، ٥٢٢).
(٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (٥/ ١٠٤).
[ ١٣٩ ]
ونفوذ القدرة، وكون الجميع في قبضته- جل وعلا- فالكائنات في يده - جل وعلا - أصغر من حبة خردل، وهذه هي المذكورة- أيضًا- في آيات كثيرة; كقوله: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم﴾ الآية، وقوله: ﴿وهو معكم أين ما﴾ الآية، وقوله: ﴿فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين﴾، وقوله: ﴿وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.
فهو- جل وعلا- مستو على عرشه كما قال، على الكيفية اللائقة بكماله وجلاله، وهو محيط بخلقه، كلهم في قبضة يده، لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين» (^١).
وهنا مسألة ينبغي التنبه لها، وهي أن أهل السنة إذا تعاملوا مع النصوص التي أُضيفت لله تعالى، فإنهم يتعاملون معها بموجب ما دل عليه السياق، فلا يُقال لأهل السنة هنا: قد وقعتم في التأويل؛ لأن الآية قد لا تكون متعلقة بهذه الصفة التي قد يفهمها البعض منها، وإنما تكون متعلقة بصفة أخرى؛ فمثلًا قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾، فالأيد هنا ليس جمع يد، وإنما جمع آد، والآد: هو القوة، كما في قوله تعالى: ﴿واذكر عبدنا داود ذا الأيد﴾، فهل كان لداود ﵇ عدة أياد، أو المعنى: أنه صاحب القُوى.
_________________
(١) «أضواء البيان» باختصار يسير (٢/ ٤٦٨، ٤٦٩).
[ ١٤٠ ]
وكذلك في قوله تعالى: ﴿يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله﴾ فالسياق لا يدل على إثبات صفة الجنب لله ﷾، وإنما المعنى: التحسر على التفريط الذي وقع في حق الله ﷾.
ومثل قوله تعالى: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾، فليس المراد هنا صفة الوجه، وإنما المراد: القِبلة، لأنَّ الوجه هنا بمعنى: الجهة.
والأمثلة على ذلك كثيرة في النصوص، وليست هذه الآيات ونحوها من نصوص الصفات.
والسلف هنا لم يؤولوا هذه النصوص ولم يحملوا ما لا تحتمله، وإنما كان من منهجهم النظر إلى سياقها وما دلَّت عليه، فقد يكون من باب الصفات وقد لا يكون من بابها، وليس في هذا تأويل، أي: تحريف للنص عن ظاهره أو معناه، ولكن بعض الناس قد يتوهم أمرًا والنص لا يدل عليه ولا يُرشد إليها، وهذا في باب الصفات وفي غيره، وهو ما يسمى بالاشتباه النِّسبي.
فمثلًا أخبر الله ﷾ أن القرآن كله محكم في قوله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾، وأخبر أن كله متشابه فقال: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾، وأخبر أن منه محكم ومنه متشابه؛ فقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾.
فلا يُمكن أن يقال: هذا تناقض، والحق أنه ليس من التناقض في شيء، فقوله: ﴿أُحْكِمَتْ﴾ بمعنى: أتقنت، فالقرآن كله محكم، بمعنى: متقن، ليس فيه اختلاف ولا تضاد، كما قال ﷾: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾.
[ ١٤١ ]
وفي الآية الأخرى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾، والمتشابه هنا بمعنى المتماثل المتناسب الذي ليس فيه اختلاف ولا تضاد، وهذا يؤكد ما في الآية السابقة؛ لأن من إتقانه أنه لا تضاد فيه ولا اختلاف؟
قال المصنف ﵀: «ومَن هداه الله فرَّق بين الأمور وإن اشتركت من بعض الوجوه وعلم ما بينهما من الجمع والفرق والتشابه والاختلاف، وهؤلاء لا يضلون بالمتشابه من الكلام؛ لأنهم يجمعون بينه وبين المحكم الفارق الذي يبين ما بينهما من الفصل والافتراق.
وهذا كما أن لفظ (إنا) و(نحن) وغيرهما من صيغ الجمع يتكلم بها الواحد له شركاء في الفعل ويتكلم بها الواحد العظيم الذي له صفات تقوم كل صفة مقام واحد وله أعوان تابعون به لا شركاء له، فإذا تمسك النصراني بقوله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر﴾ ونحوه على تعدد الآلهة كان المحكم كقوله تعالى: ﴿وإلهكم إله واحد﴾ ونحو ذلك مما لا يحصل إلا معنى واحدًا يُزيل ما هناك من الاشتباه، وكان ما ذكره من صيغة الجمع مبينًا لما يستحقه من العظمة والأسماء والصفات وطائفة المخلوقات من الملائكة وغيرهم» (^١).
ففي قوله: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾، وصيغة الجمع لها استعمال على أنها صيغة جمع، واستعمال على أنها للتعظيم.
والله أحق ان يُعَظَّم؛ فبالتالي جاء هذا الاستعمال للتعظيم.
وفي قوله تعالى: ﴿إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله
_________________
(١) «الرسالة التدمرية» (ص ٤٦).
[ ١٤٢ ]
وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه﴾ - كذب النصارى على الله في أمر عيسى، وذلك أنهم قالوا: عيسى روح الله من ذات الله، كما يقال: إن هذه الخرقة من هذا الثوب.
وقلنا نحن: إنَّ عيسى بالكلمة كان وليس هو الكلمة. قال: وقول الله: ﴿وروح منه﴾ يقول: مِنْ أمره كان الروح فيه، كقوله: ﴿وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه﴾ يقول: من أمره. وتفسير روح الله: أنها روح بكلمة الله خلقها الله، كما يقال: عبد الله وسماء الله، فقد ذكر الإمام أحمد أن زنادقة النصارى هم الذين يقولون: إن روح عيسى من ذات الله، وبَيَّن أن إضافة الرُّوح إليه إضافة مُلك وخَلق، كقولك: عبد الله وسماء الله؛ لا إضافة صفة إلى موصوف؛ فكيف بأرواح سائر الآدميين؟! (^١).
فـ (من) في قوله تعالى: ﴿وروح منه﴾: تبعيضية.
و(من) لها ستة استعمالات؛ فترد تبعيضية واستفهامية وبيانية وغير ذلك.
فالشاهد: أن من الآيات ما يدل على معنى واحد، ومنها ما قد يكون في السياق ما يُبين المراد والمقصود منها، وذلك بتخصيص معنى من المعاني، أما في أصل اللغة فقد يكون للفظ عدة استعمالات، والسياق هو الذي يحدد المراد.
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٤/ ٢٢٠).
[ ١٤٣ ]
قال المصنف ﵀:
«وقد دخلَ في ذَلِكَ: الإيمانُ بِأَنَّهُ قَرِيبٌ مُجيبٌ، كَمَا جَمَعَ بينَ ذَلِكَ فِي قَولِهِ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، وقوله -ﷺ-: «إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِه»، وَمَا ذُكِرَ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ- مِنْ قُرْبِهِ وَمَعِيَّتِه- لَا يُنَافِي مَا ذُكِرَ مِنْ عُلُوِّهِ وَفَوْقِيَّتِهِ، فَإِنَّهُ- سُبْحَانَهُ- لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فِي جَمِيعِ نُعُوتِهِ، وَهُوَ عَلِيٌّ فِي دُنُوِّهِ، قَرِيبٌ فِي عُلُوِّهِ».
الشرح
ذكرَ المصنفُ -﵀- هنا الجمعَ بينَ الإيمانِ بعلوِّ اللهِ وقُرْبِهِ ومَعِيَّتِهِ؛ لِئَلَّا يَظُنَّ الظَّانُّ أنَّ ذَلِكَ مثل صفاتِ المخلوقينَ، وأنَّهُ إذا قِيلَ: إِنَّهُ عليٌّ فوقَ خلقِهِ كيفَ يكونُ مَعَهُم قريبًا منهم؟
فأجابَ بما تضمنَّهُ هذا الأصلُ الثابتُ في الكتابِ والسنَّةِ وإجماعِ الأمَّةِ، وَهُو أَنَّ اللهَ- تَعَالَى- ليسَ كَمِثلِهِ شيءٌ في جميعِ نُعُوتِهِ، وَمِنْ نُعُوتِهِ اللازمَةِ: العلوُّ المُطلَقُ والقُرْبُ العامُّ والخاصُّ، وأنَّ القُرْبَ والعلوَّ في حقِّه يجتمعانِ لِعَظَمَتِهِ وَكِبرِيَائِهِ وَإِحَاطَتِهِ مِنْ كُلِّ وجهٍ، فَهُوَ العليُّ فِي دُنُوِّه، القريبُ في عُلُوِّه (^١).
وصفة العلو صفة لازمة لله ﷾ لا تنفك عنه، ولا تعارض بين عُلوه وقُربه جل وعلا؛ فهو يقرب من خلقه كيف يشاء.
وَهَكَذَا القولُ فِي أَحَادِيثِ النُّزولِ إِلَى سَمَاءِ الدُّنيا، فَإِنَّهُ مِنْ نَوعِ
_________________
(١) «التنبيهات اللطيفة» (٦٦، ٦٧).
[ ١٤٤ ]
قُرْبِ الرَّبِّ مِنْ دَاعِيهِ وسائليهِ ومُستغفريهِ.
وقال مالك عن حديث النزول: «ولهذا أمضِ الحديث كما ورد بلا كيف ولا تحديد إلا بما جاءت به الآثار، وبما جاء به الكتاب، قال الله تعالى: ﴿فلا تضربوا لله الأمثال﴾ [النحل: ٧٤]: ينزل كيف شاء بقدرته وعلمه وعظمته، أحاط بكل شيء.
وقال بشر بن السري لحماد بن زيد: ينزل ربنا إلى السماء الدنيا؛ يتحول من مكان إلى مكان؟ فسكت حمَّادٌ، ثم قال: هو مكانه يَقرب من خلقه كيف شاء (^١).
فمَا ذُكِرَ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ- مِنْ قُرْبِهِ وَمَعِيَّتِه- لَا يُنَافِي مَا ذُكِرَ مِنْ عُلُوِّهِ وَفَوْقِيَّتِهِ، فَإِنَّهُ- سُبْحَانَهُ- لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فِي جَمِيعِ نُعُوتِهِ، وَهُوَ عَلِيٌّ فِي دُنُوِّهِ، قَرِيبٌ فِي عُلُوِّهِ، ولا ينبغي أن نسأل عن كيفية ذلك؛ لأن الله قد حجب ذلك عنا.
قالَ ابنُ القيِّم -﵀-: «فَإِنَّ عُلُوَّهُ- سُبْحَانَهُ- عَلَى سَمَاوَاتِهِ مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ، فَلَا يَكُونُ قَطُّ إِلَّا عَالِيًا، وَلَا يَكُونُ فَوْقَهُ شَيْءٌ البَتَّة، كَمَا قَالَ أَعْلَمُ الخَلق: «أَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْء»، وَهُوَ- سُبْحَانَهُ- قَرِيبٌ فِي عُلُوِّهِ، عَالٍ فِي قُرْبِهِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَال: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّه -ﷺ- فِي سَفَرٍ فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُنَا بِالتَّكْبِيرِ فَقَال: «أَيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ؛ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِه».
وَأَخْبَرَ أَنَّهُ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ، مُطَّلِعٌ عَلَى خَلقِهِ؛ يَرَى أَعْمَالَهُمْ، وَيَعْلَمُ مَا فِي بُطُونِهِمْ، وَهَذَا حَقٌّ لَا يُنَاقِضُ أَحَدُهُمَا الآخَر.
_________________
(١) انظر «مختصر الصواعق» لابن القيِّم (ص ٤٦٨).
[ ١٤٥ ]
وَالَّذِي يُسَهِّلُ عَلَيْكَ فَهْمَ هَذَا: مَعْرِفَةُ عَظَمَةِ الرَّبِّ، وَإِحَاطَتِهِ بِخَلقِهِ، وَأَنَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ فِي يَدِهِ كَخَرْدَلَةٍ فِي يَدِ العَبْدِ، وَأَنَّهُ- سُبْحَانَهُ- يَقْبِضُ السَّمَاوَاتِ بِيَدِهِ وَالأَرْضَ بِيَدِهِ الأُخْرَى، ثُمَّ يَهُزُّهُن.
فَكَيْفَ يَسْتَحِيلُ فِي حَقِّ مَنْ هَذَا بَعْضُ عَظَمَتِهِ: أَنْ يَكُونَ فَوْقَ عَرْشِهِ، وَيَقْرُبُ مِنْ خَلقِهِ كَيْفَ شَاءَ وَهُوَ عَلَى العَرْش» (^١).
وقربُ الله من خلقه لا يعني البتة أنه مختلط بهم، فالله عال على خلقه مستو على عرشه، بائن من خلقه وخلقه بائنون منه، وقُرب الله ليس كمعيته، فالقرب لم يرد إلا خاصًّا.
قالَ ابنُ القيِّمِ: «قربُ الربِّ- تَعالى- إِنَّمَا وَرَدَ خَاصًّا لَا عَامًّا، وَهُوَ نوعانِ:
النوع الأول: قُرْبُهُ مِنْ دَاعِيه بالإجابةِ.
النوع الثاني: وَمِنْ مُطِيعِهِ بِالإثابةِ.
ولم يَجِئِ القربُ كَمَا جَاءَت المعيَّةُ خاصَّةٌ وَعَامَّةٌ، فَلَيسَ فِي القرآنِ ولا في السُّنَّةِ أنَّ اللهَ قريبٌ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ، وَأَنَّهُ قريبٌ مِنَ الكافرِ والفاجرِ، وَإِنَّمَا جاءَ خاصًّا، كَقَولِهِ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦]، فَهَذَا قُربُهُ مِنْ دَاعِيهِ وسائلهِ بِهِ، وَقَالَ تَعَالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦].
والأصلُ: أنَّ اللهَ قريبٌ منَ المُحسنينَ، وَرَحمتُهُ قريبةٌ منهم، فيكونُ أخبر عن قُرْب ذاتِه وقُرب ثوابِه من المُحسنين، واكتفى بالخبر عن أحدهما عن الآخر» (^٢).
_________________
(١) «مختصرِ الصَّواعق» (ص ٤٦٠).
(٢) «مختصر الصَّواعق» (٤٥٨ - ٤٥٩).
[ ١٤٦ ]
وقد أُورد على شيخِ الإسلام ابنِ تيمِيَّة وتلميذِه ابنِ القيِّم قولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، وأن المرادَ بالإنسانِ كلُّ إنسانٍ، وَلِهَذَا قَالَ في آخرِ الآيةِ: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢]، إلى أن قال: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق: ٢٤]، فهو شاملٌ.
وأُوردَ عليهما- أيضًا- قولُه تَعَالَى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾، ثمَّ قَسَّمَ هؤلاءِ الذينَ بَلَغَت أرواحُهم الحلقومَ إِلَى ثلاثةِ أَقسامٍ، وَمِنهُمُ الكافرُ (^١)، وَأَنَّ هَذِهِ الآياتِ تدلُّ عَلَى أَنَّ قُربَ اللهِ يكونُ عامًّا.
فأجابَ شيخُ الإسلامِ وتلميذُهُ ابنُ القيِّمِ بأنَّ القربَ هنا هوَ قربُ الملائكةِ، معَ إقرارهِمَا أنَّ طائفةً مِنَ السَّلفِ والخلفِ قالوا: إِنَّ المقصودَ بالقربِ قربُ اللهِ بعلمِهِ وإحاطتِهِ وقُدرتِهِ.
قال شيخُ الإسلام: «قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ هُوَ قُرْبُ ذَوَاتِ المَلَائِكَةِ وَقُرْبُ عِلمِ اللَّهِ؛ فَذَاتُهُمْ أَقْرَبُ إلَى قَلبِ العَبْدِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ؛ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ أَقْرَبَ إلَى بَعْضِهِ مِنْ بَعْضٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ فِي تَمَامِ الآيَةِ: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٧ - ١٨] وهذا، كقوله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠].
فقوله: ﴿إِذْ﴾ ظرف، فأخبر أنَّهم: ﴿أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] حين يَتَلَقَّى المُتلقيان ما يقول: ﴿عَنِ الْيَمِينِ﴾ قَعِيدٌ، ﴿وَعَنِ الشِّمَالِ
_________________
(١) «شرح الواسِطيَّة» لابن عُثيمين (ص ٤٦٠ - ٤٦١).
[ ١٤٧ ]
قَعِيدٌ﴾، ثُمَّ قال: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾؛ أي: شاهدٌ لا يُغِيب. فهذا كله خبر عن الملائكة» (^١).
فسياق الآيتين يدلُّ على أنَّ المرادَ هنا: الملائكةُ، فإنَّهُ قَالَ: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٦ - ١٨].
فقيدُ القربِ بِهَذَا الزَّمَانِ وَهُوَ زَمان تَلَقِّي المُتَلَقِّيَين؛ قعيد عنِ اليمينِ، وقعيد عنِ الشِّمالِ، وهما المَلَكَانِ الحافظانِ اللذانِ يَكتبانِ، كَمَا قَالَ: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾.
ومعلومٌ: أنَّهُ لو كانَ المرادُ قربَ ذاتِ الربِّ لم يختصَّ ذلكَ بهذِهِ الحالِ، ولم يكن لِذِكرِ القَعِيدينِ والرَّقيب والعَتيد معنى مناسب.
وَكَذَلِكَ قوله فِي الآيةِ الأخرى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٣ - ٨٥].
فلو أرادَ قربَ ذاتِه لم يخصَّ ذلكَ بهذِهِ الحالِ، ولا قالَ: ﴿وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾، فإنَّ هذا إنَّما يقالُ إذا كانَ هناكَ مَنْ يجوزُ أَنْ يُبصرَ في بعضِ الأحوالِ، ولكن نحنُ لا نبصرُهُ، والربُّ- تعالى- لا يراهُ في هذِهِ الحالِ ولا الملائكةِ ولا البَشر.
وأيضًا، فإنه قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾، فأخبرَ عمَّن هُوَ أقربُ إلى المُحتضرِ مِنَ النَّاسِ الذينَ عندَهُ في هذِهِ الحالِ (^٢).
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٥/ ٢٣٦).
(٢) انظر «مختصر الصواعق» لابن القيِّم (ص ٤٥٧ - ٤٥٨).
[ ١٤٨ ]