(١٢)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(الثامنةُ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيم (١)﴾ [الفاتحة]، صفتان، مِنْ الرحمةِ.
ومعناهما: الإحسانُ؛ فهي صفةُ فِعْلٍ.
وقيل: إرادةُ الإحسانِ؛ فهي صفةُ ذاتٍ) (^١).
قولُه: (ومعناهما: الإحسانُ …)، إلخ:
هذا يتضمَّنُ تفسيرَ الرحمةِ: إمَّا بالإحسان، أو بإرادةِ الإحسان.
_________________
(١) = ذمه السلف، وقد بين ذلك شيخ الإسلام مرارًا، وأفاض في بطلانه بما لا مزيد عليه. ينظر بسط هذا الموضوع من كلام شيخ الإسلام في: «درء التعارض» (١/ ١٠٠ - ١١٣، ١٢١ - ١٢٧، ٣٠١ - ٣١٤، ٣٢٠ وما بعدها)، و(٢/ ٣ - ١٨، ١١٥، ١٢٤، ٢٠٧، ٢٣٨، ٣٤٤)، والجزء الثالث كله وأول الرابع، و(٧/ ٢٢٤، ٢٢٩)، و(٩/ ١٧٧، ١٩٦)، و«جامع الرسائل» -رسالة في الصفات الاختيارية- كلها، و«بيان تلبيس الجهمية» (١/ ٢٢١، ٤٤٠ - ٤٤٦)، و«مجموع الفتاوى» (٥/ ٤١١ - ٤١٢، ٥/ ٥٤١ - ٥٤٥) و(١٢/ ١٤٠ - ١٤٨، ٢١٣)، و«شرح الأصبهانية» (ص ١٥٤ - ١٦٠)، والصفدية (١/ ٥٠ - ٥٤، ٦١ - ٦٥، ٢٧٧، ٨١)، و«منهاج السنة» (١/ ١٥٥ - ١٥٨، ٣٠٣، ٤٣٦) و(٣/ ١٩٣)، و«النبوات» (١/ ٢٥١ - ٢٦٤)، و«الجواب الصحيح» (٣/ ٣١٢ - ٣١٣)، و«موقف ابن تيمية من الأشاعرة» (٣/ ٩٨٤ - ١٠١٣)، و«الأصول التي بنى عليها المبتدعة مذهبهم في الصفات والرد عليها من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية» (٢/ ٢٠٣ - ٤٣٨).
(٢) «التسهيل» (١/ ٢٤٦ - ٢٤٧).
[ ٢٦ ]
قال: (والإحسانُ صفةُ فعلٍ)، والذين يقولون هذا يريدونَ: ما يخلُقُهُ اللهُ مِنْ النِّعَم؛ فالرحمةُ - إِذَنْ - عبارةٌ عن مخلوقاتِهِ سبحانه، وإن سمَّوْهَا: «صفةَ فعلٍ»، فهو غلَطٌ في العقل؛ فإنَّ المفعولَ لا يكونُ صفةً للفاعلِ، بل أثَرُ فِعْلِه، وهم لا يُثبِتُونَ فعلًا يقومُ بالفاعلِ بمشيئتِه؛ فليس عندهم إلا فاعلٌ ومفعول.
وقد يفسِّرون «الرحمةَ»: بإرادةِ الإحسانِ؛ وعليه فهي صفةٌ ذاتيَّةٌ؛ كما قال المؤلِّف؛ أي: أنَّها قائمةٌ بذاتِهِ تعالى (^١).
وكلٌّ من التفسيرَيْنِ فيه صرفٌ للَّفْظِ عن ظاهرِه (^٢)؛ فإنَّ الرحمةَ لها معنى يقابِلُ الغضَبَ؛ كما جاء في الحديثِ القُدسيِّ: «إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي» (^٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة في «العقيدة التدمريَّة» (^٤)، في الذين ينفُون صفةَ الرحمةِ والمحبَّةِ، والغضَبِ والرضا: «إنَّهم يفسِّرونَ ذلك: إمَّا بالإرادةِ، وإمَّا ببعضِ المفعولاتِ مِنْ النِّعَمِ والعُقُوبات». اه.
وعليه: فالواجبُ إثباتُ الرحمةِ صفةً للهِ حقيقةً، وتفسيرُها بالإحسانِ تفسيرٌ لها بأَثَرِها.
والرحمةُ في صفاتِ اللهِ نوعانِ:
_________________
(١) ينظر: «بيان تلبيس الجهمية» (١/ ٥٢١).
(٢) ينظر: «مختصر الصواعق المرسلة» (٣/ ٨٦٠)
(٣) أخرجه البخاري (٧٤٢٢)، ومسلم (٢٧٥١)؛ من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) «العقيدة التدمرية» (ص ٣١).
[ ٢٧ ]
- صفةٌ ذاتيَّةٌ.
- وصفةٌ فعليَّةٌ.
وذهَبَ ابن القيِّم (^١): إلى أنَّ الصفةَ الذاتيَّةَ مدلولُ اسمِهِ الرحمنِ، والفعليَّةَ مدلولُ اسمِهِ الرحيمِ.
وينبغي أنْ يُعلَمَ أنَّ الرحمةَ المضافةَ إلى الله نوعان:
- نوعٌ هو صفةٌ له سبحانه، ذاتيَّةً أو فعليَّةً، كما تقدَّم، وإضافتُها إليه مِنْ إضافةِ الصفةِ إلى الموصوفِ، وهي مدلولُ الاسمَيْنِ الشريفَيْن الرَّحمنِ الرحيمِ؛ ومِن هذا النوعِ: قولُ سليمانَ ﵇ متوسِّلًا: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِين (١٩)﴾ [النمل].
- والنوعُ الثاني: رحمةٌ مخلوقةٌ، وإضافَتُها إلى الله مِنْ إضافةِ المخلوقِ إلى خالقِهِ؛ ومِن ذلك قولُه تعالى: ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٥٠]، فالرحمةُ هنا المَطَرُ، وقولُه تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون (١٠٧)﴾ [آل عمران]، والرحمةُ هنا الجَنَّةُ، وفي الحديثِ القدسيِّ: أنَّ اللهَ قال للجَنَّةِ: «أَنْتِ رَحْمَتِي؛ أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ» (^٢)، والله أعلم.
_________________
(١) «بدائع الفوائد» (١/ ٤٢).
(٢) أخرجه البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦)؛ من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٢٨ ]