(١٥)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(الخامسة: قولنا: «الحمد لله رب العالمين» أفضل عند المحققين من: «لا إله إلَّا الله»؛ لوجهين:
أحدهما: ما خرَّجه النسائي عن رسول الله ﷺ: «من قال: لا إله إلَّا الله كتبت له عشرون حسنة، ومن قال: الحمد لله رب العالمين كتبت له ثلاثون حسنة».
والثاني: أنَّ التوحيد الذي يقتضيه «لا إله إلَّا الله» حاصل في قولك: «رب العالمين»، وزادت بقولك: «الحمد لله»، وفيه من المعاني ما قدَّمنا.
وأما قوله ﷺ: «أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلَّا الله»؛ فإنما ذلك للتوحيد الذي تقتضيه، وقد شاركتها «الحمد لله رب العالمين» في ذلك، وزادت عليها.
وهذا المؤمنُ يقولها لطلب الثواب، وأما لمن دخل في الإسلام فيتعيَّن عليه «لا إله إلَّا الله») (^١).
_________________
(١) «التسهيل» (١/ ٢٥٣ - ٢٥٤).
[ ٣٣ ]
قوله: (قولنا: «الحمد لله رب العالمين» أفضل عند المحققين من: «لا إله إلَّا الله») صريحٌ في تفضيل «الحمد لله رب العالمين» على «لا إله إلا الله»، وعزا ابن جزيٍّ هذا التفضيل إلى المحققين، ولم يذكر بعض أعيانهم، ومن أيِّ طائفة هم، فمجرد قوله: (عند المحققين) لا تكفي، وفي دعوى هذا التفضيل نظر، وأما الاستدلال عليها بالحديث الذي رواه النسائي: «ومن قال: الحمد لله رب العالمين كتبت له ثلاثون حسنة» (^١)، فهو معارض بالحديث الذي ذكره، وهو قوله ﷺ: «خير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» (^٢)، فلا إله
_________________
(١) أخرجه أحمد (٨٠١٢)، والنسائي في «الكبرى» (١٠٦٠٨) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن إسرائيل، عن ضرار بن مرة، عن أبي صالح الحنفي، عن أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: «إن الله اصطفى من الكلام أربعًا: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فمن قال: سبحان الله، كتب له عشرون حسنة، وحطت عنه عشرون سيئة، ومن قال: الله أكبر فمثل ذلك، ومن قال: لا إله إلا الله فمثل ذلك، ومن قال: الحمد لله رب العالمين من قبل نفسه كتب له ثلاثون حسنة وحطت عنه ثلاثون سيئة». وأخرجه ابن أبي شيبة (٢٩٨٢٧) عن مصعب بن المقدام، والحاكم (١٨٨٦) من طريق مالك بن إسماعيل، كلاهما عن إسرائيل، به. وقال الحاكم «هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه». وصححه الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٥٥٤).
(٢) أخرجه أحمد (٦٩٦١)، والترمذي (٣٥٨٥) من طريق حماد بن أبي حُميد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، به. قال الترمذي: «هذا حديث غريب من هذا الوجه، وحماد بن أبي حُميد هو محمد بن أبي حُميد، وهو أبو إبراهيم الأنصاري المديني، وليس هو بالقوي عند أهل الحديث». وينظر: «الميزان» (٢٢٤٤). =
[ ٣٤ ]
إلا الله كلمة التقوى، وهي كلمة التوحيد التي هي أصل دين الرسل، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُون (٢٥)﴾ [الأنبياء]، وهي مفتاح دعوتهم، ونبيُّنا ﷺ منذ بعثه الله مكث عشر سنين بمكة لا يقول للناس إلا قولوا: لا إله إلا الله، لم يأمرهم بشيء من الكلام غيرها، وهي الكلمة التي شهد الله بها لنفسه، وشهدت بها ملائكته وأولو العلم.
وأما جواب المؤلف عن الحديث الذي ذكره بأن «الحمد لله رب العالمين» تدل على التوحيد وزيادة، فلا يسلَّم له؛ فإن غاية ما تدل عليه توحيد الربوبية الذي أقر به المشركون، لا على توحيد الإلهية الذي دعت إليه الرسل وأنكره المشركون، ولقد فرق الله بين الرب والإله بقوله: ﴿بِرَبِّ النَّاس (١) مَلِكِ النَّاس (٢) إِلَهِ النَّاس (٣)﴾ [الناس]، والربُّ هو الخالق المالك المدبِّر، والإله هو المعبود.
_________________
(١) = وله شاهد مرسل من حديث طلحة بين عبيد الله بن كريز: أخرجه مالك في «الموطأ» (٢/ ٣٠٠، برقم ٧٢٦/ ٢٣٩) -ومن طريقه البيهقي في سننه الكبير (٤/ ٤٧٠، برقم ٨٣٩١)، وعبد الرزاق في «المصنف» (٤/ ٣٧٨، برقم ٨١٢٥)، من طريق زياد بن أبي زياد ميسرة المخزومي المدني، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز مرسلًا. وهذا إسناد مرسل صحيح. وللحديث شاهد آخر من حديث علي: أخرجه الطبراني في «الدعاء» (٨٧٤) من طريق قيس بن الربيع، عن الأغر بن الصباح، عن خليفة بن حصين، عن علي مرفوعًا. وفي إسناده قيس بن الربيع، قال الذهبي: «أحد أوعية العلم، صدوق في نفسه، سيئ الحفظ». «الميزان» (٦٩١١)، فحديثه يصلح للمتابعات والشواهد. وجملة القول: أن الحديث حسن بمجموع هذه الشواهد، والله أعلم. وينظر: «الصحيحة» برقم (١٥٠٣).
[ ٣٥ ]
وكلمة توحيد الإلهية لا يحصَى ذكرها في القرآن؛ تارة بالاسم الظاهر: لا إله إلا الله، وتارة بضمير الغائب: لا إله إلا هو، وتارة بضمير المتكلم: لا إله إلا أنا، وتارة بضمير الخطاب كما في دعاء يونس ﵇: لا إله إلا أنت (^١)، وبكلمة التوحيد لا إله إلا الله كان النبي ﷺ يدعو في الكرب: «لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب السماوات والأرض، ورب العرش العظيم» (^٢)، وجاء في فضل كلمة التوحيد أحاديث كثيرة، كقوله ﷺ: «من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. في يوم مئة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتب له مئة حسنة، ومحيت عنه مئة سيئة، وكانت له حرزا من الشيطان، يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء إلا رجل عمل أكثر منه» (^٣).
فهذه الفضائل لا يقاومها حديث: «من قال: الحمد لله رب العالمين كتبت له ثلاثون حسنة»؛ فلا بد من تأويله، ولعل هذا التفضيل لأمر قام بقلب الذاكر لقوله: «من قبل نفسه» (^٤).
ويقال أيضًا: إن هذا الحديث قد روي عن كعب من قوله، ونقل ابن رجب في شرح الأربعين عن بعض أهل العلم أن الموقوف أصح من المرفوع (^٥). ثم وقفت - أخيرًا - على كلام للحافظ أبي بكر ابن
_________________
(١) ينظر: «شرح كلمة الإخلاص» لشيخنا (ص ١٢٩).
(٢) أخرجه البخاري (٦٣٤٥)، ومسلم (٢٧٣٠) عن ابن عباس واللفظ للبخاري.
(٣) أخرجه البخاري (٦٤٠٣)، ومسلم (٢٦٩١) عن أبي هريرة ﵁ واللفظ للبخاري.
(٤) تقدم تخريجه، ولم يذكر المصنف هذه الزيادة.
(٥) «جامع العلوم والحكم» (٢/ ٢١).
[ ٣٦ ]
العربي في كتابه «المسالك في شرح موطأ مالك» أفاض فيه في الكلام على المسألة، وذكر أن أكثر العلماء على أن كلمة التوحيد أفضل من الحمد لله، فيحسن مراجعة كلامه (^١).
وبعد: فالذي ظهر لي أن الصحيح ما دلَّت عليه الأحاديث المستفيضة في فضل لا إله إلا الله، مع ما تقدم من الوجوه، فكلمة التوحيد هي أول الأمر وآخره، وعليها مدار الخلق والأمر، فلا يعدلها شيء من كلمات الذكر، فضلا عن أن يكون أفضل منها. والله أعلم.
_________________
(١) «المسالك في شرح موطأ مالك» (٣/ ٤٦٩ - ٤٧١).
[ ٣٧ ]