(٢٢)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀ في تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]:
(﴿وَجْهُ اللّهِ﴾، المراد به هنا: كقولِه: ﴿ابْتِغَاء وَجْهِ اللّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٢]؛ أي: رضاه.
وقيل: معناه الجِهَةُ التي وَجَّهنا إليها.
وأمَّا قولُه: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، و﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]، فهو مِنْ المتشابِهِ الذي يجبُ التسليمُ له مِنْ غير تكييفِ، ويُرَدُّ علمُه إلى الله.
وقال الأصوليُّون: هو عبارةٌ عن الذاتِ، أو عن الوجودِ.
وقال بعضُهم: هو صفةٌ ثابتةٌ بالسمع) (^١).
قولُهُ: (﴿وَجْهُ اللّهِ﴾، المرادُ به هنا: كقولِه: ﴿ابْتِغَاء وَجْهِ اللّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٢]؛ أي: رضاه …)، إلخ:
ذكَرَ في هذا السياق ثلاثَ آيات ورَدَ فيها ذكرُ الوجهِ؛ فذكَرَ في الآيةِ الأولى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، قولَيْن:
_________________
(١) «التسهيل» (١/ ٣٥٢).
[ ٥٢ ]
الأوَّل: أنَّ المرادَ بالوجهِ في الآية كقولِهِ تعالى: ﴿ابْتِغَاء وَجْهِ اللّهِ﴾، وفسَّره بالرضا.
الثاني: أنَّ المرادَ: الجهةُ التي وجَّهَنا الله إليها؛ يريد: القبلةَ.
وذكَرَ في الآيةِ الثانيةِ والثالثةِ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، و﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]، ثلاثةَ أقوالٍ في تفسيرِ الوجه:
أحدُها: قولُ أهلِ التأويل (^١)؛ وهو أنَّ المرادَ بالوجهِ: الذاتُ، أو الوجودُ.
الثاني: قولُ أهلِ التفويض (^٢)؛ وهو أنَّ ذكرَ الوجهِ مِنْ المتشابِهِ الذي يجب التسليمُ له، ورَدُّ علمِهِ إلى الله.
الثالث: قولُ بعضهم؛ وهو أنَّ الوجهَ صفةٌ ثابتةٌ بالسمعِ.
_________________
(١) التأويل في عرف المتأخرين من المتفقهة والمتكلمة والمُحَدِّثة والمتصوفة ونحوهم: هو صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقترن به، وهذا هو التأويل الذي يتكلمون عليه في أصول الفقه ومسائل الخلاف. «مجموع الفتاوى» (١٣/ ٢٨٨). وينظر: «بيان تلبيس الجهمية» (٢/ ٣٤). وهذا التأويل هو الذي صنف في تسويغه وإبطاله من الجانبين: فصنف جماعة في تأويل آيات الصفات وأخبارها كأبي بكر بن فُورك وابن مهدي الطبري وغيرهما، وعارضهم آخرون فصنفوا في إبطال تلك التأويلات كالقاضي أبي يعلى والشيخ موفق الدين بن قدامة، وهو الذي حكى عن غير واحد إجماع السلف على عدم القول به. «الصواعق المرسلة» (١/ ١٧٨).
(٢) التفويض في اصطلاح المتكلمين، هو إجراء النصوص على ظاهرها ألفاظًا من غير فهم لمعناها؛ فليس لها معنى مفهوم عندهم، وربما قالوا: لها تأويل لا يعلمه إلا الله. «شرح العقيدة التدمرية» لشيخنا (ص ١٨٦). وينظر: «درء التعارض» (١/ ١٥) و(١/ ٢٠١)، و«الصواعق المرسلة» (٢/ ٤٢٢).=
[ ٥٣ ]
وفيما ذكَرَهُ حقٌّ وباطلٌ:
- فتفسيرُهُ الوجهَ في الآيةِ الأولى بالجهةِ حقٌّ، وبه قال كثيرٌ مِنْ السلف (^١).
- وتفسيرُهُ الوجهَ في الآيةِ الأولى بالرضا، وجعلُهُ المرادَ به كالمرادِ في قولِه: ﴿ابْتِغَاء وَجْهِ اللّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٢] خطأٌ؛ فالوجهُ لا يُعرَفُ في اللغةِ بمعنى الرضا؛ لكنَّ سياق الآية يتضمَّنُ هذا المعنى (^٢)، والممنوعُ أن يكونَ المرادُ بالوجهِ الرضا.
_________________
(١) =وينسبون هذا المذهب للسلف، يقول الجويني: «وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل، وإجراء الظواهر على مواردها، وتفويض معانيها إلى الرب». «العقيدة النظامية» (ص ٣٢). والسلف لم يفوضوا علم معاني النصوص؛ لأن معانيها معلومة لهم، وإنما يفوضون علم كيفية الصفات. ينظر: «الفتاوى» (١٣/ ٣٠٨ - ٣٠٩)، و«القاعدة المراكشية» (ص ٢٩)، و«التدمرية» مع شرح شيخنا (ص ١٨٠)، و«علاقة الإثبات والتفويض» لرضا نعسان، و«مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات - عرض ونقد» لأحمد بن عبد الرحمن القاضي.
(٢) ينظر: الأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ١٠٦)، و«بيان تلبيس الجهمية» (٦/ ٧١)، و«مجموع الفتاوى» (٣/ ١٩٣) و(٦/ ١٥). قال شيخ الإسلام: «وليست هذه الآية من آيات الصفات، ومن عدها في الصفات فقد غلط كما فعل طائفة؛ فإن سياق الكلام يدل على المراد حيث قال: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ والمشرق والمغرب الجهات، والوجه هو الجهة، يقال: أي وجه تريده؟ أي: أي جهة؟ وأنا أريد هذا الوجه؛ أي: هذه الجهة؛ كما قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة: ١٤٨] ولهذا قال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ أي تستقبلوا وتتوجهوا، والله أعلم».
(٣) ففيها دلالة على الصفة بمفردها، ودلالة على المعنى بسياقها وتركيبها؛ كما قال شيخنا في شرح كتاب التوحيد «المسألة العشرون من الباب الثاني». وينظر تقرير هذا المعنى في «مجموع الفتاوى» (٦/ ٣٧٠)، و«بيان تلبيس الجهمية» (٦/ ٧٤).
[ ٥٤ ]
- وتفسيرُ الوجهِ في الآيةِ الثانيةِ والثالثةِ بالذاتِ والوجودِ، خطأٌ؛ وهو تفسيرُ أهلِ التأويلِ مِنْ نفاةِ الصفات (^١).
وأمَّا تفسيرُهُ الوجهَ في الآيةِ الثانيةِ والثالثةِ بأنَّه مِنْ المتشابِهِ، والمتشابِهُ عندهم: ما لا يَعلَمُ معناه إلا اللهُ (^٢)؛ وهذا مذهبُ أهلِ التفويضِ، وهم مِنْ النفاة، ويقابِلون أهلَ التأويل.
وما ذكَرَه عن بعضِهم: أنَّ الوجهَ صفةٌ ثابتةٌ بالسمع، فهو حقٌّ (^٣)، لا يجوزُ نفيُهُ ولا تأويلُه، بل يجبُ إثباتُهُ على ما يليقُ به سبحانه، وأنه لا يماثِلُ وجوهَ العباد، وليس هو مِنْ المتشابِه؛ لأنَّ معناه معقول، والكيفَ مجهول، والله أعلم.
* * * *
_________________
(١) ينظر: «بيان تلبيس الجهمية» (١/ ٣٣٦) و(١/ ٢٥٣) و(٢/ ٥٣٩)، و«مختصر الصواعق» (٣/ ٩٩٢).
(٢) ينظر: «مجموع الفتاوى» (١٣/ ٢٧٢)، و«بيان تلبيس الجهمية» (٨/ ٢١٥) و(٨/ ٢٤٦) و(٨/ ٣٣٧) و(٨/ ٤٩٤)، و«التدمرية» مع شرح شيخنا (ص ٣٤٤)
(٣) ينظر: «التوحيد» لابن خزيمة (١/ ٢٦)، و«الإبانة» للأشعري (١٢٠ - ١٢٢)، و«اعتقاد أئمة الحديث للإسماعيلي» (ص ٥٥)، و«مجموع الفتاوى» (٢/ ٤٢٩ - ٤٣٤)، و«بيان تلبيس الجهمية» (١/ ٣٢٩) و(٦/ ٥٢٦)، و«مختصر الصواعق» (٣/ ٩٩٢)، و«توضيح مقاصد العقيدة الواسطية» لشيخنا (٨٠ - ٨٤).
[ ٥٥ ]