(٢٣)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ [البقرة: ١١٧]؛ أي: قدَّره، أو أمضاه.
قال ابنُ عطيَّةَ (^١): «يَتَّجِهُ في الآية المعنَيَان؛ فعلى مذهبِ أهلِ السُّنَّةِ: قدَّر في الأَزَلِ وأمضَى فيه، وعلى مذهبِ المعتزِلة: أمضَى عند الخَلْقِ والإيجاد».
قلتُ: لا يكونُ «قَضَى» هنا بمعنى قدَّر؛ لأنَّ القَدَرَ قديمٌ، و«إذا»: تقتضي الحدوثَ والاستقبالَ؛ وذلك يُناقِضُ القِدَم، وإنَّما «قَضَى» هنا: بمعنى: أَمْضَى، أو فعَلَ، أو أوجَدَ؛ كقولِه: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]) (^٢).
القضاءُ مِنْ اللهِ في القرآن يأتي لمعانٍ (^٣):
١ - «قَضَى الخَلْقَ»؛ بمعنى: فرَغَ مِنْ خلقِهِ؛ كقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢].
٢ - «قَضَى»؛ بمعنى: حكَمَ؛ وهو نوعان:
_________________
(١) في «المحرَّر الوجيز» (١/ ٣٣١ ط. وزارة الأوقاف قطر).
(٢) «التسهيل» (١/ ٣٥٣ - ٣٥٤).
(٣) ينظر: «نزهة الأعين النواظر» لابن الجوزي (ص ٥٠٦).
[ ٥٦ ]
الأول: شرعيٌّ؛ كقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، ومعناه: أمَرَ ووصَّى.
والثاني: كونيٌّ؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُون (١١٧)﴾ [البقرة]، ومعناه: أراد كَوْنَهُ؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون (٤٠)﴾ [النحل]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون (٨٢)﴾ [يس].
وعلى هذا: فتفسيرُ «قضى»: ب «أَمْضَى»، في قولِهِ تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ [البقرة: ١١٧]-: أظهَرُ؛ لأن المعنى: إذا أرادَ اللهُ كَوْنَ ما سبَقَ في علمِهِ وإرادتِهِ وكتابِهِ، قال له: «كُنْ»، فيَكُونُ؛ وهذا هو معنى الإمضاء؛ أي: إتمامُ الأمرِ الذي قدَّره اللهُ في علمِهِ وإرادتِهِ وكتابِه (^١).
ولهذا أقولُ: ما وجَّه به المؤلِّفُ ابنُ جُزَيٍّ اختيارَهُ، وهو أنَّ معنى «قَضَى»: أَمْضَى -: وجيهٌ.
ويأتي «قضى» في القرآنِ مضمَّنًا معنى «أَوْحَى» أو «أوصَى»؛ كما قال تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاء مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِين (٦٦)﴾ [الحجر]، وقال سبحانه: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء: ٤].
كما يأتي «القضاءُ» بمعنى: الحُكْمِ، شاملًا للمعنيَيْنِ: الكونيِّ، والشرعيِّ؛ كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ [غافر: ٢٠].
_________________
(١) وانظر: «مجموع الفتاوى» (٨/ ١٨١ - ١٨٦)، والتعليقَ على الموضع التالي.
[ ٥٧ ]
كما يأتي «القضاء» بمعنى: الفصلِ بين المختلِفِينَ؛ كقولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُون (٩٣)﴾ [يونس].
[ ٥٨ ]