(٢٧)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀ في تفسيرِ قولِهِ تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣]:
(الواحدُ له ثلاثةُ معانٍ، كلُّها صحيحةٌ في حَقِّ الله تعالى:
أحدُها: أنه لا ثانيَ له؛ فهو نفيٌ للعدَد.
والآخَر: أنَّه لا شريكَ له ولا نظيرَ.
والثالثُ: أنه واحِدٌ لا يتبعَّضُ ولا ينقسِمُ) (^١).
وقال أيضًا:
(واعلَمْ: أنَّ توحيدَ الخَلْقِ للهِ تعالى على ثلاثِ دَرَجاتٍ:
الأولى: توحيدُ عامَّةِ المسلِمين؛ وهو الذي يَعصِمُ النفسَ والمالَ في الدنيا، وينجِّي مِنْ الخلودِ في النارِ في الآخِرة، وهو نفيُ الشُّرَكاءِ والأنداد، والصاحِبةِ والأولاد، والأشباهِ والأضداد.
الدرجةُ الثانية: توحيدُ الخاصَّة؛ وهو أنْ يرى الأفعالَ كلَّها صادرةً مِنْ اللهِ وحدَهُ، ويشاهِدَ ذلك بطريقِ المكاشَفة، لا بطريقِ الاستدلال؛ فإنَّ معرِفةَ ذلك بطريقِ الاستدلالِ حاصلةٌ لكلِّ مؤمِن، وإنما مقامُ الخاصَّة: يقينٌ في القلبِ بعلمٍ ضروريٍّ لا يحتاجُ إلى دليلٍ، وثَمَرةُ هذا
_________________
(١) «التسهيل» (١/ ٣٨٣ - ٣٨٤).
[ ٦٧ ]
العلمِ: الانقطاعُ إلى الله، والتوكُّلُ عليه وحدَهُ، واطِّرَاحُ جميعِ الخَلْق؛ فلا يرجو إلا اللهَ، ولا يخافُ أحدًا سواه؛ إذْ ليس يرى فاعلًا إلَّا إياهُ، ويَرَى جميعَ الخلقِ في قَبْضةِ القَهْر، ليس بيَدِهم شيءٌ مِنْ الأَمْر، فيَطَّرِحُ الأسبابَ، ويَنبِذُ الأربابَ.
والدرجةُ الثالثة: ألَّا يرى في الوجودِ إلا اللهَ وحدَه؛ فيَغِيبُ عن النَّظَرِ إلى المخلوقات، حتى كأنَّها عنده معدومة.
وهذا هو الذي تسمِّيه الصوفيَّةُ: مقامَ الفَنَاء؛ بمعنى الغَيْبةِ عن الخَلْق؛ حتى إنه يَفنَى عن نَفْسِه، وعن توحيدِه؛ أي: يَغِيبُ عن ذلك باستغراقِهِ في مشاهَدةِ الله) (^١).
قولُهُ: (الواحدُ له ثلاثةُ معانٍ …)، إلخ:
ما ذكَرَهُ في معنى الواحِدِ، وقولُهُ: إنَّ المعانيَ الثلاثةَ المذكورةَ صحيحةٌ في حقِّ الله: سقيمٌ في الجُمْلة، وقد جرى في ذلك على طريقةِ المتكلِّمين في تقسيمِ التوحيد (^٢)؛ ويُؤخَذُ عليه وعليهم أمورٌ:
- أنَّهم لم يذكُرُوا توحيدَ الإلهيَّةِ المتضمِّنَ توحيدَ العبادة، الذي هو معنى: «لا إله إلا الله».
- أنَّ ما ذكَرُوهُ غايتُهُ أنْ يتضمَّنَ توحيدَ الربوبيَّةِ، الذي أقَرَّ به المشرِكون.
_________________
(١) «التسهيل» (١/ ٣٨٤ - ٣٨٥).
(٢) ينظر: «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ٣٨٥ - ٣٩٩)، و«التدمرية» (١٨٢ - ١٨٨ ت. السعوي) ومع شرح شيخنا (ص ٥٠٦)، و«مدارج السالكين» (٣/ ٤١٥ - ٤١٧).
[ ٦٨ ]
- أنَّ بعضَ عباراتِهم في هذا التقسيمِ فيها إجمالٌ؛ كنفيِ النظيرِ والشبيهِ؛ فإنَّ المعطِّلةَ - كالمعتزِلةِ (^١) ومَن وافَقَهم - يُدخِلُونَ في ذلك نفيَ الصفاتِ.
قولُهم: «إنه واحِدٌ لا يتبعَّضُ، ولا ينقسِمُ»، هو حقٌّ في ظاهرِه، لكنَّهم يُدخِلُونَ فيه أيضًا: نفيَ علوِّه تعالى على خَلْقِه (^٢).
_________________
(١) المعتزلة: فرقة كلامية ظهرت في البصرة أول القرن الثاني على يد واصل بن عطاء الذي اعتزل مجلس الحسن البصري؛ لابتداعه القول بأن مرتكب الكبيرة لا مؤمن ولا كافر، مخالفًا بذلك قول الحسن وأهل السنة أنه مؤمن لكنه فاسق، وهم طوائف شتى يجمعهم: القول بنفي الصفات، والقول بخلق القرآن، وأن العبد يخلق فعل نفسه، لهم أصول خمسة وهي: التوحيد، والعدل، والمنزلة بين المنزلتين، والوعد والوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، شرح هذه الأصول شيخهم القاضي عبد الجبار في كتابه: «شرح الأصول الخمسة». ينظر: «مجموع الفتاوى» (٦/ ٣٣٩)، و«تاريخ الجهمية والمعتزلة» للقاسمي (٥٦ - ٥٨) و«المعتزلة وأصولهم الخمسة وموقف أهل السنة منها» لعواد المعتق (١٤ - ١٩).
(٢) يُنظَر في ذلك ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيميَّة في «العقيدة التدمريَّة»؛ إذ قال: «فإنَّ عامَّة المتكلِّمين غايتُهم أنْ يَجعَلُوا التوحيدَ ثلاثةَ أنواع؛ فيقولون: هو واحدٌ في ذاتِهِ لا قَسِيمَ له، وواحدٌ في صفاتِهِ لا شبيهَ له، وواحدٌ في أفعالِهِ لا شريكَ له»، إلى أن قال: «النوعُ الثاني - وهو قولُهم: لا شبيهَ له في صفاتِه»، إلى أنْ قال: «ثُمَّ إن الجهميَّة مِنْ المعتزِلة وغيرِهم أدرَجُوا نفيَ الصفاتِ في مسمَّى التوحيد»، إلى أن قال: «النوعُ الثالثُ - وهو قولُهم: هو واحدٌ لا قَسِيمَ له في ذاتِهِ أو لا جزءَ له أو لا بعضَ له؛ لفظٌ مجمَلٌ؛ فإن الله سبحانه أحَدٌ صمَدٌ لم يَلِدْ ولم يُولَدْ ولم يكنْ له كفوًا أحد»، إلى أن قال: «لكنَّهم يُدرِجُونَ في هذا اللفظ: نفيَ علوِّه على عرشِهِ، ومباينتِهِ لخلقِهِ، وامتيازِهِ عنهم»، إلى أن قال: «فقد تبيَّن أنَّ ما يسمُّونه توحيدًا، فيه ما هو حق، وفيه ما هو باطل، ولو كان جميعُهُ حقًّا؛ فإنَّ المشرِكين إذا أقرُّوا بذلك كلِّه، لم يخرُجُوا مِنْ الشرك الذي وصَفَهم به في القرآن، وقاتَلَهم عليه الرسولُ ﷺ؛ بل لا بُدَّ أن يَعترِفوا أنه لا إله إلا الله». «التدمريَّة» (ص ١٧٩). وينظر: شرح شيخنا على الموضع السابق في «شرح التدمرية» (ص ٥٠٦).
[ ٦٩ ]
وقولُ ابنِ جُزَيٍّ: (واعلَمْ: أنَّ توحيدَ الخَلْقِ للهِ تعالى على ثلاثِ دَرَجاتٍ …)، إلخ:
هذا التقسيمُ للناسِ في التوحيدِ يُشبِهُ ما ذكَرَهُ مِنْ تقسيمِهِ للناسِ في مقصودِهم مِنْ الذِّكْر، وقد تقدَّم التنبيهُ إلى ما فيه، وكذلك نقولُ هنا: إنَّ ما ذكَرَهُ مِنْ تفاضُلِ الناسِ في التوحيدِ صحيحٌ، ولكنَّه سلَكَ في التعبيرِ عن ذلك طريقَ الصوفيَّة؛ إذْ جعَلَهُ ثلاثَ دَرَجاتٍ: توحيدَ العامَّة، وتوحيدَ الخاصَّة، وتوحيدَ خاصَّةِ الخاصَّة.
وفسَّر كلَّ درجةٍ مِنْ هذه الدرجات؛ كما هي عند الصوفيَّة، ولا إشكالَ فيما فسَّر به توحيدَ العامَّةِ، إلا مِنْ حيثُ تخصيصُهُ بالعامَّة.
ولكنْ يُؤخَذُ على المؤلِّف ما فسَّر به الدرجةَ الثانيةَ والثالثةَ مُقِرًّا لهما، وقد تضمَّن كلامُهُ ﵀ إشكالَيْن:
١ - قولُهُ: (فيَطَّرِحُ الأسباب):
هذا قولٌ مجمَلٌ يَحتمِلُ أمورًا؛ فإنَّ اطِّراحَ الأسبابِ:
أ -إنْ كان لاعتقادِ عدَمِ تأثيرِها، فهذا جَحْدٌ لما تضافَرَتِ الأدلَّةُ العقليَّةُ والشرعيَّةُ على إثباتِه؛ وهو تأثيرُ الأسبابِ في مسبَّباتها (^١)؛ وهذا مذهبُ الجهميَّةِ (^٢)
_________________
(١) ينظر: «مجموع الفتاوى» (٨/ ١٢١) و(٨/ ١٣٤) و(٨/ ١٣٧) و(٨/ ٤٨٤) و(٨/ ٣٨٩)، و«شرح الأصبهانية» (ص ١٧٢)، و«التدمرية» مع شرح شيخنا (ص ٥٦٢).
(٢) الجهمية: هي طائفةٌ من المتكلمين، تُنسب إلى الجهم بن صفوان، نفت عن الله تعالى الأسماء والصفات وضلت في أبواب أخرى: كالقول بالجبر في القدر، والقول بفناء=
[ ٧٠ ]
ومَن وافَقَهم؛ كالأشاعِرة (^١).
ب - وإنْ كان لاعتقادِ عدَمِ شرعيَّةِ العمَلِ بها، فهذا مخالِفٌ لمُوجَبِ الشرع؛ كقولِهِ ﷺ: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ» (^٢)، وقولِهِ للرجلِ: «اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ» (^٣)، وقولِهِ تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُم مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]، وشواهدُ ذلك كثيرة.
_________________
(١) =الجنة والنار، والزعم بأن الإيمان هو المعرفة فقط. واشتهر إطلاق هذا الاسم على كل من عطّل صفات الرب سبحانه. ينظر: «مجموع الفتاوى» (٣/ ٣٥٤)، و«بيان تلبيس الجهمية» (٣/ ٦٨٤) و(٥/ ٣٦٥)، و«تاريخ الجهمية والمعتزلة» (ص ٩).
(٢) الأشاعرة: فرقة كلامية تنتسب إلى أبي الحسن الأشعري في الاعتقاد، في طوره الثاني قبل رجوعه لمذهب السلف الذي يمثل آخر أطواره، والتي ألف فيها مصنفاته: «الإبانة» و«رسالة إلى أهل الثغر» و«مقالات الإسلاميين». أما الأشعرية فقد تطور مذهبهم؛ من نفي لأفعال الله الاختيارية، إلى نفي الاستواء؛ فالعلو، فبعض الصفات الذاتية، ثم كلها، إلى أن صاروا في النهاية لا يثبتون إلا سبع صفات. قال شيخ الإسلام: «وأما من قال منهم بكتاب الإبانة الذي صنفه الأشعري في آخر عمره ولم يظهر مقالة تناقض ذلك، فهذا يعد من أهل السنة؛ لكن مجرد الانتساب إلى الأشعري بدعة». «مجموع الفتاوى» (٦/ ٣٥٩). ينظر: التعريف بمذهبهم في: «مجموع الفتاوى» (٣/ ١٠٣) (٤/ ١٥٦) (٥/ ٩٠ - ٩٩)، و«شرح الأصبهانية» (ص ٢٥ - ٣٤)، و«شرح حديث النزول» (١٥٧ - ١٥٩، ١٨٧، ١٠٥، ١٥٥)، و«النبوات» (١/ ٢٦٦ - ٢٧١)، و«موقف ابن تيمية من الأشاعرة» (٢/ ٥٠٥).
(٣) أخرجه مسلم (٢٦٦٤)؛ من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) أخرجه الترمذي (٢٥١٧) من طريق يحيى القطان، عن المغيرة بن أبي قرة السدوسي، عن أنس، به. قال يحيى القطان: «هذا عندي حديث منكر». وقال الترمذي: هذا حديث غريب من حديث أنس لا نعرفه إلا من هذا الوجه». وقال ابن رجب في شرح العلل (٢/ ٦٥٣): «تفرد به المغيرة عن أنس؛ ولهذا غرَّبه الترمذي».=
[ ٧١ ]
ج - وإنْ كان اطِّراحُ الأسبابِ بتركِ الاعتمادِ عليها، فهذا حقٌّ، وهو مِنْ تحقيقِ التوكُّلِ على الله.
٢ - قولُهُ في الدرجةِ الثالثة: (أَلَّا يرى في الوجودِ إلَّا اللهَ وحدَه …)، إلخ:
لفظُهُ هذا يَحتمِلُ أن يَعتقِدَ أَنْ لَا موجودَ إلا الله؛ وهذا هو القولُ بوَحْدةِ الوجود؛ وهو قولُ ملاحِدةِ الصوفيَّةِ الاتحاديَّة (^١)، والمؤلِّفُ لا يريدُ هذا المعنى قطعًا؛ لأنه فسَّره بقولِه: «حتى كأنَّها عنده معدومةٌ؛ وهذا هو الفناءُ عند الصوفيَّة، وهو الغَيْبةُ عن الخَلْق؛ حتى إنَّه يَفنَى عن نفسِهِ، وعن توحيدِه».
_________________
(١) =والمغيرة هذا، لم يوثقه غير ابن حبان على قاعدته في توثيق المجاهيل، وقال ابن القطان الفاسي في: «الوهم والإيهام» (٣/ ١١٨): «مجهول»، وقال في موضع آخر (٣/ ٢٦٧): «لا يعرف له حال». وقال الحافظ في «التقريب» (٦٨٤٩): «مستور». وللحديث شاهد من حديث عمرو بن أمية: أخرجه ابن حبان (٧٣١)، والحاكم (٦٦١٦) من طريق يعقوب بن عمرو بن عبد الله بن أمية الضمري، عن جعفر بن عمرو بن أمية، عن أبيه، به. قال الذهبي في «تلخيص المستدرك»: «جيد»! مع أن يعقوب هذا لم يوثقه غير ابن حبان! وقال الحافظ في «التقريب» (٧٨٢٧): «مقبول»؛ أي حيث يتابع وإلا فلين. وأورده الهيثمي في «المجمع» (١٠/ ٣٠٣) وقال: «رواه الطبراني من طرق، ورجال أحدها رجال الصحيح، غير يعقوب بن عبد الله بن عمرو بن أمية الضمري، وهو ثقة»! وأورده في موضع آخر (١٠/ ٢٩١) وقال: «رواه الطبراني بإسنادين، وفي أحدهما عمرو بن عبد الله بن أمية الضمري، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات».
(٢) ينظر: «بيان حقيقة مذهب الاتحاديين أو وحدة الوجود -مجموع الفتاوى-» (٢/ ١٣٤ - ٢٨٥)، و(١١/ ٢٣٢ - ٢٥١).
[ ٧٢ ]
وقد جعَلَ المؤلِّف هذه الدرجةَ بهذا التفسير أعلى درجاتِ التوحيد، وهي الفناءُ عن شهودِ ما سوى الله؛ أي: عدَمِ الشعورِ بما سوى الله مِنْ المخلوقات، وقد غَلِطَ في هذا - عفا الله عنه - فإنَّ الفناءَ والغَيْبةَ نقصٌ، ليس بكمالٍ، فضلًا عن أن يكونَ مِنْ الدِّين، فضلًا عن أن يكونَ أعلى مقاماتِ الدِّين.
قال شيخُ الإسلام في «العقيدة التدمريَّة» (^١): «الفناءُ الثاني: وهو الذي يذكُرُهُ بعضُ الصوفيَّة، وهو أنْ يَفنَى عن شهودِ ما سوى اللهِ تعالى … بحيثُ قد يَغِيبُ عن شعوره بنَفْسِهِ وبما سِوَى اللهِ تعالى؛ فهذا حالٌ ناقصٌ … ومَن جعَلَ هذا نهايةَ السالِكِين، فهو ضالٌّ ضلالًا مُبِينًا، وكذلك مَنْ جعَلَهُ مِنْ لوازمِ طريقِ الله، فهو مُخطِئ، بل هو مِنْ عوارضِ طريقِ اللهِ التي تَعرِضُ لبعضِ الناسِ دون بعض» (^٢).
* * * *
_________________
(١) «العقيدة التدمرية» (ص ٢٢١)، وينظر شرح شيخنا على هذا الموضع في «شرح التدمرية» (ص ٥٩٠).
(٢) وينظر: «مجموع الفتاوى» (١٠/ ٢١٨ - ٢٢٤، و٣٣٧ - ٣٤٣).
[ ٧٣ ]