(٣١)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀ في تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]:
(مقيَّدٌ بمشيئةِ الله، وموافَقةِ القَدَر؛ وهذا جوابُ مَنْ قال: كيف لا يُستجابُ الدعاءُ، مع وعدِ اللهِ بالاستجابة؟!) (^١).
قولُه: (مقيَّدٌ بمشيئةِ الله …)، إلخ:
تضمَّنَ كلامُهُ هذا: أنَّ وعدَ اللهِ باستجابةِ دعاءِ الداعي:
مشروطٌ بأمرين:
- أوَّلًا: بمشيئةِ الله؛ وهذا حقٌّ؛ فإنَّ فِعلَهُ تعالى إنما يكونُ بمشيئةٍ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء (١٨)﴾ [الحج]، وأدلَّةُ ذلك كثيرةٌ في القرآن.
- ثانيًا: بموافَقةِ القَدَر؛ أي: أن يكونَ المطلوبُ قد سبَقَ القَدَرُ بكَوْنِه، وفي هذا إجمالٌ:
فإنْ أراد: أنه مقدَّرٌ بدون هذا الدعاء، فهذا يَؤُولُ إلى أن يكونَ الدعاءُ لا أثَرَ له في حصولِ المطلوب؛ وهذا هو الظاهِرُ مِنْ مرادِه؛ فإنَّ هذا يَجرِي على مذهبِ نفاةِ تأثيرِ الأسباب، والدعاءُ مِنْ الأسباب، وهو مذهبُ الأشاعِرة (^٢)، والظاهِرُ: أنَّ المؤلِّفَ ممَّن يذهَبُ هذا المذهَب.
_________________
(١) «التسهيل» (١/ ٤٠٦).
(٢) ينظر: «مجموع الفتاوى» (٨/ ١٧٦).
[ ٨٠ ]
وإنْ أراد: أنه مقدَّرُ الحصولِ بذلك الدعاءِ، فهو حقٌّ؛ لكن يصيرُ التقييدُ بذلك كالتقييدِ بالمشيئة؛ فإنه لا يكون إلا ما سبَقَ به القَدَر، كما لا يكونُ إلا ما شاءَهُ اللهُ تعالى؛ فتخلُّفُ المطلوبِ يَرجِعُ إلى أنَّ اللهَ لم يقدِّرْ حصولَهُ في سابقِ علمِهِ وكتابِه، وما كان كذلك، فإنه لا يشاؤُهُ سبحانه.
فالمشيئةُ والقَدَرُ متلازِمان؛ فما شاءَهُ سبحانه، فقد سبَقَ به علمُهُ وكتابُه، وما عَلِمَهُ وكتَبَهُ فإنه تعالى يشاؤُه؛ فلا يكونُ إلا ما يشاء، ولا يكونُ إلا ما سبَقَ به علمُهُ وكتابُه، والله أعلم.
* * * * *
[ ٨١ ]