(٤٨)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(﴿فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] تغليظٌ في الوعيد، فمن كان يعتقد مُعتقَدهم فهو منهم من كل وجه، ومن خالفهم في اعتقادهم وأحبَّهم فهو منهم في المقت عند الله، واستحقاقِ العقوبة) (^١).
قوله ﵀: (تغليظ في الوعيد) إلخ، وجهه: أن ظاهر الآية كفرُ كلِّ من يتولاهم، والتولي درجات، فلا بد من التفصيل في حكم المتولِّي، ولهذا فصَّل ﵀، وفرَّق بين من تولَّاهم بموافقتهم على اعتقادهم، فقال: إنه منهم من كل وجه، فيكون كافرا كَكُفر اليهود والنصارى، أمَّا من لم يوافقهم لكن أحبَّهم، فلا يكون كذلك، أي: كافرا، لكن يشركهم في الوعيد، فيكون ممقوتًا عند الله؛ لمحبته أعداءه، وهذا تفصيل حسنٌ، لكنه غير كافٍ ولا شافٍ؛ لأنه جعل التولِّي على درجتين، والتولِّي أكثر من ذلك؛ فإنه يكون بالدخول في دينهم، وحينئذ يكون منهم حقيقة، ويكون بإظهار الرضا عن دينهم مصانعة لهم، وبهذا يرتكب ناقضًا من نواقض الإسلام، وتارة يكون بنصرهم في حربهم للمسلمين، وهذا كالذي قبله، وتولي المنافقين من هذا القبيل.
_________________
(١) «التسهيل» (٢/ ١٨٦).
[ ١١٧ ]
وتارة يكون بمحبتهم المحبة الطبيعية لقرابة أو منفعة دنيوية، وهذه المحبة تكون معصية إذا اقترنت بترك واجب كالجهاد في سبيل الله أو فعل محرم؛ كطاعتهم فيما لا يصل إلى نوع من الكفر؛ فإن طاعتهم في الكفر كفر، وطاعتهم فيما دونه معصية، وهذا مقام عظيم، أعني حكم تولِّي الكفار؛ فإنه يتفاوت تفاوتًا عظيمًا بحسب ما يقوم بالقلوب، وبحسب ما يظهر من الأقوال والأعمال، فأمر تولي الكافرين مقام عظيم يجب التفقه فيه، والحذر من الوقوع فيه.
[ ١١٨ ]