(٤)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(آمَنَ إيمانًا؛ أي: صدَّق.
والإيمانُ في اللغة: التصديقُ مطلَقًا.
وفي الشرعِ: التصديقُ باللهِ وملائكتِهِ وكتبِهِ ورسلِهِ واليومِ الآخِر.
والمُؤمِنُ في الشرع: المصدِّقُ بهذه الأمورِ.
و«المؤمِنُ»: اسمُ اللهِ تعالى؛ أي: المصدِّقُ لنَفْسِه، وقيل: إنَّه مِنْ الأَمْنِ؛ أي: يؤمِّنُ أولياءَهُ مِنْ عذابِه) (^١).
قولُهُ ﵀: (الإيمانُ في اللغة: التصديقُ مطلَقًا):
هذا هو المشهورُ عند اللغويِّين (^٢) وجمهورِ المفسِّرين (^٣)، وهذا التفسيرُ للإيمانِ أشهَرُ ما احتَجَّ به المرجِئةُ القائلونَ بأنَّ الإيمان هو التصديقُ؛ يَعنُونَ به تصديقَ القَلْب (^٤).
_________________
(١) «التسهيل» (١/ ١٢٧ - ١٢٨).
(٢) ينظر: «العين» للخليل (٨/ ٣٨٩)، و«تهذيب اللغة» للأزهري (١٥/ ٣٦٨)، و«الصحاح» للجوهري (٥/ ٢٠٧١)، و«لسان العرب» (١٣/ ٢١).
(٣) ينظر: تفاسير: الطبري (١/ ٢٤١)، والقرطبي (١/ ١٦٢)، وابن كثير (١/ ١٦٥).
(٤) ينظر: «مجموع الفتاوى» (٧/ ١٢١) و(٧/ ٥٠٩) و(٧/ ٥٤٣ - ٥٥٠)، و«التسعينية» (٢/ ٦٤٨)، و«موقف ابن تيمية من الأشاعرة» (٣/ ١٣٥١).
[ ١٧ ]
والقولُ بأنَّ الإيمانَ هو التصديقُ مطلَقًا، يقتضي أنَّ كلَّ تصديقٍ إيمانٌ.
وخالَفَ في ذلك الإمامُ ابن تيميَّةَ ﵀؛ فذكَرَ أنَّ الإيمانَ في اللغةِ تصديقٌ خاصٌّ، وهو التصديقُ فيما يُؤتَمَنُ عليه المُخبِر؛ كالإخبارِ عن الأمورِ الغائبة؛ فلا يقالُ لمن صدَّق مُخبِرًا عن طلوعِ الشمسِ: «آمَنَ له»، بل صدَّقه؛ لأنَّ طلوعَ الشمسِ منِ الأمورِ الحِسِّيَّةِ الظاهرةِ (^١).
وقولُهُ: (والإيمانُ في الشرعِ: هو التصديقُ باللهِ وملائكتِهِ وكتبِهِ ورسلِهِ واليومِ الآخِر):
ما ذكره هو الإيمانُ في الشرعِ بمعناهُ الخاصِّ المتعلِّقِ بالاعتقاد، ويُطلَقُ الإيمان في الشرعِ إطلاقًا عامًّا يَشمَلُ جميعَ شرائعِ الدِّينِ الظاهِرةِ والباطِنة؛ يَدُلُّ لذلك قولُهُ ﷺ: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، أَعْلَاهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ» (^٢)؛ وفي الحديثِ رَدٌّ على المرجِئةِ الذين يُخرِجونَ الأعمالَ عن مسمَّى الإيمان.
وعلى ذلك: فيكونُ الإيمانُ بمعناهُ العامِّ اسمًا لكلِّ ما شرَعَهُ اللهُ مِنْ الاعتقاداتِ والأقوالِ والأعمال؛ ولذا قال أهلُ السُّنَّةِ: «الإيمانُ: اعتقادٌ بالجَنَانِ، وقولٌ باللسانِ، وعمَلٌ بالأركانِ» (^٣).
_________________
(١) ينظر: «مجموع الفتاوى» (٧/ ١٢٢) و(٧/ ٢٩١) و(٧/ ٥٢٩).
(٢) أخرجه مسلم (٣٥)؛ من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) سيأتي مزيد بيان في التعليق (١٩).
[ ١٨ ]