قَالَ الشَّيْخ ﵀ أجمع أهل الْكَلَام على ذمّ اسْم الْقَدَرِيَّة وتبرأ كل مِنْهُم عَنهُ وَقد روى فِي ذَلِك عَن رَسُول الله ﷺ مَا يُمكن السَّبِيل إِلَى معرفَة من لَهُ حَقِيقَة هَذَا الإسم وَهُوَ قَوْله الْقَدَرِيَّة مجوس هَذِه الْأمة وَمَعْلُوم أَنه أَرَادَ بِهِ ذمّ أَهلهَا بِمَعْنى شاركوا فِيهِ الْمَجُوس فِيمَا خَالف بِهِ الْمَجُوس أهل الْأَدْيَان من القَوْل لَا بُد من تَأمل ذَلِك ليظْهر حَقِيقَة أهل هَذَا الإسم وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَكَانَ الأَصْل الَّذِي ذمّ بِهِ الْمَجُوس مِمَّا خالفوا بِهِ أهل الْأَدْيَان من أوجه أَحدهَا أَنهم قَالُوا كَانَ الله وَاحِدًا لَا شريك لَهُ ثمَّ حدثت مِنْهُ فكرة ردية إِمَّا لما أَصَابَته عينه أَو لما ظن أَن يكون لَهُ عدوا ينازعه فَإِذا إِبْلِيس حدث من تِلْكَ الفكرة الردية فخلق هُوَ شَرّ الْعَالم وَالله خَيره من غير أَن كَانَ لله قدرَة على خلق شَيْء من الشَّرّ وَالْفساد وَنَحْو ذَلِك أَو لإبليس قدرَة على خلق شَيْء من الْخَيْر وَالصَّلَاح فَقَامَ الْعَالم بهما وَبِهَذَا كُله خالفوا بِهِ أهل الْأَدْيَان وَمَعْلُوم أَن هَذَا كُله أَوْصَاف ذمّ ونعوت شبن ثمَّ للمعتزلة عَن كل صفة من هَذِه الصِّفَات نصيب فَلذَلِك لقبوا باسم الْقَدَرِيَّة وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَوجه ذَلِك أَن الْمُعْتَزلَة زعمت أَن الله تَعَالَى كَانَ وَلَا شَيْء غَيره ثمَّ حدثت
[ ٣١٤ ]
الْإِرَادَة من غير أَن كَانَ من الله بحدوثها إِرَادَة أَو اخْتِيَار مِنْهُ إِلَيْهَا معنى سوى أَن كَانَت فَكَانَ بهَا جَمِيع الْعَالم إِذْ من قَوْلهم إِن الْعَالم فعل الله وَإنَّهُ كَانَ بِاخْتِيَار وَإِن الإختيار إِرَادَة كَقَوْلِه ﴿فعال لما يُرِيد﴾ فَسَمت الْمُعْتَزلَة تِلْكَ الْحَادِثَة إِرَادَة وَالْمَجُوس فكرة وَهِي وَاحِدَة بَينهمَا اخْتِلَاف فِي الإسم لَا الْحَقِيقَة ثمَّ جعلت الْمَجُوس بهَا يصف الْعَالم والمعتزلة كل الْعَالم فيكونان فِي الْحَاصِل تَحت قَول ذميم والمعتزلة زَائِدَة ثمَّ الْمُعْتَزلَة تجْعَل الْعَالم بِاللَّه وبالأجسام من غير أَن كَانَ ذَلِك من الله من الإجتماع والتفرق وَالْحَرَكَة والسكون وَجَمِيع المتولدات مِمَّا عَن الْخلق مَفْصُولًا أَو بَائِنا وَكَذَلِكَ جَمِيع الْعَالم عِنْد الْمَجُوس من الْخَيْر وَالشَّر بل الْمَجُوس ينسبون كثيرا من الْجَوَاهِر إِلَى إِبْلِيس لَا تقدر الْمُعْتَزلَة على نِسْبَة شَيْء من ذَلِك إِلَى الله فِي الْحَقِيقَة وَالْمَجُوس يثبتون لإبليس الْقُدْرَة على خلق الشَّرّ بِاللَّه وينفونها عَن الله وَكَذَلِكَ قَول الْمُعْتَزلَة فِي قدرَة أَفعَال الْخلق وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَالْمَجُوس لَا تجْعَل لإبليس على شَيْء مِمَّا لله من الْعَالم قدرَة وَلَا لله على شَيْء مِمَّا لِلْخلقِ لإبليس وَكَذَلِكَ أَمر الْمُعْتَزلَة لكِنهمْ جعلُوا لجَمِيع الْأَحْيَاء ذَلِك وَالْمَجُوس لإبليس خَاصَّة وَالْمَجُوس / لَا تجْعَل لله إِرَادَة وَلَا سُلْطَانا فِيمَا لَيْسَ فِيهِ أَمر وَكَذَلِكَ الْمُعْتَزلَة وَالْمعْنَى الَّذِي دَعَا الْمَجُوس إِلَى القَوْل بإثنين مَا استقبحوا من إِضَافَة خلق الشَّرّ وَفَسَاد الْأَشْيَاء إِلَى الله وَكَذَلِكَ الْمُعْتَزلَة وَلَو عرفُوا حق معرفَة الربوبية أَنه فِي وضع كل شَيْء مَوْضِعه وَأَنه المتعالى عَن أَن يكون فعله لنفع لَهُ أَو لخير يكْتَسب لنَفسِهِ لعلموا أَن الْوَصْف بِخلق الْكل على مَا عَلَيْهِ وصف الْقُدْرَة والجلال وَالْقَوْل بِهِ قَول بِتمَام الْملك والكبريا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَعبارَة أُخْرَى مِمَّا تبين أَن الْمُعْتَزلَة أَحَق من يتعالى بالإسم من أَهله مَا أنطق الله بِهِ ألسن الْخلق بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِم صغارهم وكبارهم من علم مَا تَحت الإسم أَو جَهله مُثبت أَن ذَلِك صَار لَهُم لقبا لَا من حَيْثُ صنع للبشر فِيهِ وَلَكِن بِفضل
[ ٣١٥ ]
الله ليعلم بِهِ أهل الذِّمَّة فِي الدّين فيحذر مخالطتهم وَلَهُم فِي ذَلِك علمَان ظاهران أَحدهمَا فِي لون كل مِنْهُم على حسن خلقته وقبحها أَن يظْهر فِي وَجه كل مِنْهُم الصُّفْرَة الْبَارِدَة الَّتِي تستقبحا الْأَبْصَار إِذا قوبل ذَلِك بِوُجُوه الْمَجُوس لوجدوا سَوَاء وَالثَّانِي تخلفهم عَن جماعات الْمَجُوس وإنكار عامتهم دَار الْإِسْلَام من أَن تكون دَارهم وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ولتحقيق هَذَا الإسم لَهُم أَيْضا وَجْهَان إِن كل ذِي دين وَمذهب نسب إِلَى الْمَعْنى الَّذِي ادَّعَاهُ لنَفسِهِ بِحَق الْإِسْلَام واليهودية والنصرانية وَنَحْو هَذَا وَكَذَلِكَ الْمُعْتَزلَة يرَوْنَ قدر أفعالهم لأَنْفُسِهِمْ وَغَيرهم يرَوْنَ ذَلِك مِنْهُ فمحال أَن يشْتَهر بِهِ من رَآهُ لغيره ويزال عَمَّن يدعى حَقِيقَته لنَفسِهِ وبمثله جَاءَ عَن رَسُول الله ﷺ فِي شَرط الْإِيمَان بِالْقدرِ خَيره وشره من الله وَالْوَجْه الآخر هُوَ الْأَمر الْمَعْرُوف الَّذِي لم ير معتزليا سلم عَمَّا يزِيل عَنهُ اسْم الْإِيمَان والتحلي بحلية الْإِسْلَام من ارْتِكَاب الْكَبَائِر بالشهوات مِمَّا يبين استخفافهم بدين الله وإختيارهم الْخُرُوج مِنْهُ بِأَدْنَى شَهْوَة أعطوها لأَنْفُسِهِمْ فهم أَحَق من ينْسب إِلَى غير دين الله إِذْ هَذَا شَأْنهمْ فِي دينهم الَّذِي هُوَ عِنْدهم دين الله وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ ذكر الكعبي أَن من عَادَة الْعَرَب تلقيب من يلهج بِشَيْء فيكثر ذكره فِي غير مَوْضِعه حَتَّى يُجَاوز الْحَد فِيهِ وَنسبَة ذَلِك إِلَيْهِ وهم يَفْعَلُونَ ذَلِك حَتَّى قَالُوا فِي كل فَاحِشَة وَأمر ذميم هَذَا قدر الله
قَالَ الشَّيْخ ﵀ أَخطَأ فِي هَذَا الْقدر من الدَّعْوَى من أوجه أَحدهَا مَا حكى عَن الْعَرَب وَالثَّانِي مَا حكى عَنْهُم هم لَا يَقُولُونَ ذَلِك وَإِن كَانَ يَقُوله
[ ٣١٦ ]
فَلَا يَقُوله من بهم يعرف أَسمَاء النَّحْل إِنَّمَا يذكرهُ الْعَوام فَأَما الْخَواص فهم لَا يذكرُونَ ذَلِك بل يكْرهُونَ ذَلِك خشيَة أَن يذكر على الإعتذار فِيمَا لَا عذر لَهُم وَالْعرب لَو عملت الَّذِي قَالَ إِنَّمَا عملت فِيمَن ظهر على التلقيب لَا للتحقيق وَنحن فِيمَا حَقه التَّحْقِيق لما عَن رَسُول الله جَاءَ ذَلِك قدم أَهله وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَأَيْضًا إِن الذَّم جَاءَ من عِنْد رَسُول الله وَلم يكن فِي ذَلِك الْوَقْت من يعرف بِهَذَا الْفِعْل وَلَا كَانَت النحلة الَّتِي أبدعت الْعَرَب لَهَا الإسم فَلَا يحْتَمل الإسم الَّذِي قَالَ لهَذَا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ سَأَلَ عَنَّا سؤالا دلّ على حيرته فَقَالَ نسبتم إِلَيْهِ بقولكم لَا قدر فَأجَاب بِأَن لَا ينْسب الشَّيْء إِلَى النَّافِي
قَالَ الشَّيْخ ﵀ وَمَا قَالَه صدق وَإِنَّمَا ينْسب إِلَى الْمُدعى والمثبت لنَفسِهِ وَهُوَ حَيْثُ يَقُول تخرج الْأَفْعَال على قدره الَّذِي قدر لَهَا ثمَّ قَالَ لَو قيل أثبتم ذَلِك بقولكم نَحن نقدر أَعمالنَا قَالَ لَا يجب لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَن الإسم مِنْهُ مُقَدّر والثاين أَنه لَا تمانع لَهُ فِي القَوْل إِنَّه يقدر صلَاته وثوبه وداره وَأمر سَفَره فيجيب أَن يَكُونُوا كلهم قدرية
قَالَ أَبُو مَنْصُور ﵀ فَأَما الْحَرْف الأول مُقَدّر وَقدر وَاحِد وَبعد فَإِن الْفِعْل فِي النَّصْرَانِي واليهودي التنصر والتهود والإسم على مَا يرى فَمثله فِي الْقدر وَالثَّانِي قد يُسمى الله تَعَالَى بذلك ثمَّ لَا يُقَال قدرى فَثَبت أَن ذَلِك يرجع إِلَى أَمر خَاص وَإِلَى معنى فِيمَا إِلَيْهِ فَإِن كَانَ إِلَى أَمر خَاص فَهُوَ فِي الدّين وَمن نسبه إِلَى نَفسه فَهُوَ أَحَق بِهِ وَإِن كَانَ الْمرجع فِيهِ إِلَى الْمَعْنى فَهُوَ لَا فهم على ذَلِك القَوْل يرَوْنَ حَقِيقَة الْخُرُوج على قدر الله لَا على قدر العَبْد والمعتزلة تزْعم أَنه على قدرهم يخرج وَالله الْمُوفق
وَمَا قَالَ من الْعَرَب فَيجب أَن يكون الْمُعْتَزلَة لَهُم اسْم الجبرية لِكَثْرَة مَا يجرى على لسانهم اسْم الْجَبْر وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
[ ٣١٧ ]
مَعَ مَا نسب إِلَى الْمَجُوس وهم لَا بِكَثْرَة القَوْل سموا بِهِ وَلَكِن بِحَقِيقَة الْمَذْهَب وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ سُئِلَ عَن وَجه تَسْمِيَة الحشوية لَهُم قدرية فَزعم أَن ذَا من خطئهم نَحْو خطئهم فِي أَكثر أُمُور الدّين مَعَ مَا انضموا إِلَى بني مَرْوَان وَذَلِكَ كَانَ مَذْهَبهم ليفرحوا بإضافتهم الْأَفْعَال الذميمة إِلَى قَضَاء الله وَقدره فساعدوهم على ذَلِك وبرؤوهم عَن الذَّم مِمَّا اقترفوا فِي الْحمل على الله وَرَأَوا ذَلِك شَائِعا لَهُم لفعل مُعَاوِيَة مَعَ مَا رَأَتْهُ قَتله على حَيْثُ جَاءَ بِهِ وَقَوْلهمْ الَّذِي تولى كَبِيرَة على وَعظم قَول الْمُعْتَزلَة فيهم حَيْثُ أخرجوهم عَن شَرَائِط الْإِمَامَة حَتَّى قبلوا مِنْهُم هَذَا الإسم وَأَطْنَبَ فِي هَذَا الَّذِي أَكْثَره كذب
قَالَ الْفَقِيه أما نِسْبَة السُّؤَال إِلَى الحشوية فَإِنَّمَا هُوَ تمويههم ليروا أَن الَّذِي سماهم بِهَذَا هم وَإِنَّمَا هَذِه التَّسْمِيَة متوارثة فِي الْأمة بأسرها فِي خبر عَن النَّبِي ﵇ صنفان من أمتِي لَا تنالهم شَفَاعَتِي الْقَدَرِيَّة والمرجئة وفسرت الْقَدَرِيَّة بنفيهم الْقدر على الله وَالْأَصْل فِي هَذَا أَن المرجئة هِيَ الَّتِي أرجت حَقِيقَة أَفعَال الْخلق إِلَى الله والقدرية هِيَ الَّتِي نفت عَن الله تدبيرها وَجعلت كل التَّدْبِير فِيهَا لِلْخلقِ حَتَّى معنى الْعَالم وَبِمَ على تَدْبِير الْخلق هم أفنوا وأبقوا وَبِه قَامَ تَدْبِير الله من الْبَعْث وَأهل الْجنَّة وَالنَّار لَيْسَ لله فِي ذَلِك إِلَّا الإختبار وَكَذَا لَا يُحَقّق لَهُ فِي الْعَالم أَفعَال سوى كَونه بعد أَن لم يكن وَالْعدْل هُوَ الْمَذْهَب الْمُتَوَسّط بَينهمَا وَذَلِكَ معنى قَول الله ﷿ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا﴾ وَقَول رَسُول الله ﷺ خير الْأُمُور أوساطها وَنسب إِلَى الحشوية الْخَطَأ وَلَا أحد سلم عَنهُ وَالَّذِي قَالَه إِنَّمَا قَالَ قوم مِنْهُم وَأما الْمُعْتَزلَة فهم شاركوا الملحدة فِي إنْشَاء الْعَالم وإخراجه من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود وَمَا ذكر من السَّبَب
[ ٣١٨ ]
وروى عَن بني مَرْوَان وَحكى عَن الَّذين برأوا المذنبين وحملوا ذَلِك على مَا ذكر فِي إِيجَاب الْقدر للعباد كذب كُله فنعوذ بِاللَّه من الْحيرَة فِي الدّين الحاملة على قذف الْمُسلمين ثمَّ احتجت الْقَدَرِيَّة فِي تَقْدِيم الْقُدْرَة الْفِعْل بآي من كتاب الله تَعَالَى مِنْهَا قَوْله ﴿فَخذهَا بِقُوَّة﴾ وَقَالَ أهل التَّأْوِيل فاعمل بهَا بجد واجتهاد فكأنهم رَأَوْا الْقُوَّة هَاهُنَا الْأَسْبَاب لَكِن الظَّاهِر من ذَلِك قَوْلنَا خُذْهَا بِقُوَّة أَي وَقت الْأَخْذ لِأَنَّهَا إِذا لم تكن فِي وَقت الْأَخْذ يكون الْأَخْذ بِلَا قُوَّة فَثَبت بِهِ الَّذِي يذهب كمن يَقُول لآخر خُذْهُ بيديك وَانْظُر إِلَيْهِ ببصرك فَهُوَ على الإلتقاء وعَلى ذَلِك قَوْله لمُوسَى ﴿فَخذهَا بِقُوَّة وَأمر قَوْمك يَأْخُذُوا بأحسنها﴾ وَاحْتَجُّوا أَيْضا بقول الجني ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لقوي أَمِين﴾ وَقَول الْمَرْأَة ﴿إِن خير من اسْتَأْجَرت الْقوي الْأمين﴾
قَالَ الشَّيْخ ﵀ والحرفان مِمَّا لَيْسَ لَهُم التَّعَلُّق بِهِ لما كَانَت قُوَّة مُوسَى الَّتِي علمت بهَا إِنَّمَا علمت وَقت النزح وَهِي لَا تبقى إِلَى ذَلِك الْوَقْت وَكَذَلِكَ قُوَّة الجنى على مَا امتحن نَفسه فِيمَا سبق وَالله الْمُوفق
وَالثَّانِي على إِرَادَة وَقت الإستعمال بِالْعَادَةِ الْجَارِيَة بالحدوث فِي كل وَقت لما شَاءَ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَقد احْتَجُّوا بِمَا فِي الْقُرْآن من ذكر الإستطاعة وَقد بَينا ذَلِك الْوَجْه وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ الجبرية الْمَعْرُوفَة عندنَا هم الَّذين يلقبوا بالجبر وأحالوا الْقُدْرَة على مَا فِي الْفِعْل جعل الله كَاذِبًا وأرجعوا جَمِيع الْأَفْعَال إِلَى الله وَلم يثبتوا للعباد فِي التَّحْقِيق
[ ٣١٩ ]
فعلا قيل يَقُول لَهُم الله لم فَعلْتُمْ ذَا وَلم لَا فَعلْتُمْ ذَا ونقول إفعلوا ذَا وَلَا تَفعلُوا ذَا فِي التَّحْقِيق بل إِن أَمر أَو نهى فَإِنَّمَا يَأْمر فِي التَّحْقِيق نَفسه وَينْهى نَفسه ثمَّ هُوَ يرتكب المنهى فِي التَّحْقِيق وَيَأْمُر ويطيع هُوَ فِي الْحَقِيقَة ثمَّ يُعَاقب غَيره فيعذبه ويثيبه ويسميه مَعَ هَذَا حكيما رحِيما جلّ من صفته الرَّحْمَة وَالْحكمَة وعَلى ذَلِك يجب أَن لَا يَجدوا الْأَلَم فِي الْحَقِيقَة واللذة وَتَكون حَقِيقَتهَا رَاجِعَة إِلَى الله جلّ الله عَن ذَلِك وَتَعَالَى ثمَّ يبطل معنى الرُّسُل والكتب لما هِيَ فِي التَّحْصِيل تصير إِلَى الله بِالْأَمر والنهى والوعد والوعيد لَا مِنْهُ إِلَى غَيره ثمَّ يبطل حِكْمَة خلق الْخلق وَيحصل على الْعَبَث إِن كَانَ الْعلم يبلغ مَعْرفَته وَمن يكون خُرُوج فعله على كفران وجحود المنن وَالْكذب فِي الْإِخْبَار والسفه فِي الْأَفْعَال فَهُوَ حقيق أَن يكون شَيْطَانا رجيما فَهُوَ كَذَلِك لَا ريب فِيهِ وَهُوَ شَبيه بقَوْلهمْ كَانَ الله غير عَالم وَلَا قَادر ثمَّ صَار كَذَلِك فَلَعَلَّ تَدْبيره الْأَفْعَال الَّتِي كَانَت فِيمَا نسب إِلَى الْخلق فِي ذَلِك الْوَقْت جلّ الله وَتَعَالَى عَن ذَلِك
ثمَّ نسب الْقَدَرِيَّة وهم الَّذين يلقبوا بالإعتزال الْخَبَر إِلَيْنَا على تبرينا عَن ذَلِك عقدا وقولا لَكِن كذبهمْ فِي هَذَا نَحْو كذبهمْ علينا فِي اسْم الْقَدَرِيَّة ثمَّ نذْكر أحقنا بذلك فِي مُقَابلَة المذهبين ليعلموا جرْأَة الْمُعْتَزلَة وعظيم سفههم كَمَا بَينا فِي الْقَدَرِيَّة وَادعوا علينا اسْم الْجَبْر بإنكارنا كَون قدرَة الْفِعْل قبل وقته ثمَّ هم حققوا الْفِعْل فِي وَقت لَا قدرَة فِيهِ وَتَحْقِيق الْفِعْل فِي وَقت الْوَصْف بِلَا قدرَة أقرب إِلَى معنى الْجَبْر من تحقيقها مَعَ الْفِعْل لمن عقل الْجَبْر والإختيار وَمِمَّا يُوضح ذَلِك أَن الْفِعْل غير متوهم فِي حَال الْعَجز ومتوهم وجوده فِي حَال ارْتِفَاع الْعَجز فَكَانَ توهمه مَعَ الإرتفاع أرفع وأبلغ من توهمه مَعَ الْوُجُود إِذْ هُوَ سَبَب الْمَنْع فَكَذَلِك الْقُدْرَة الَّتِي هِيَ سَبَب الْفِعْل فِي الْحَقِيقَة وَيُؤَيّد ذَلِك فَسَاد الدَّرك بالبصر مَعَ ذَهَابه بِمَا تقدم من الْبَصَر وَكَذَا السّمع وَعمل كل الْحَواس فَلذَلِك
[ ٣٢٠ ]
كَانَ فَسَاد فعل الإختيار مَعَ الْعَجز وفقد الْقُدْرَة أوضح مِنْهُ مَعَ الْوُجُود وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَوجه آخر أَن قَول الْمُعْتَزلَة إِن الْإِرَادَة هِيَ إختيار الْفِعْل وَإِنَّمَا تكون مُتَقَدّمَة على الْفِعْل وَلَيْسَت بموجودة وَأَنه وجد فِي وَقت الْوُجُود بِلَا إِرَادَة مِنْهُ وَلَا إختيار وَحقّ اخْتِيَار الأول عَنهُ زائل إِذْ يجوز وُرُود الإضطرار فِي الْوَقْت الثَّانِي ومحال وُرُوده فِي الْوَقْت الَّذِي فِيهِ الإختيار والإختيار قَائِم ثَبت أَن فعله فِي التَّحْصِيل لَيْسَ بإختيار وَأَنه اضطرار وعلامة الْجَبْر هَذَا وَبِهَذَا الْفِعْل يوجبون الْعَدَاوَة وَالْولَايَة وَالْخُلُود فِي الْجنَّة وَالنَّار الْوَاقِع وَقت وُقُوعه بِلَا اخْتِيَار وَلَا قدرَة وَلَا أَمر أَيْضا وَلَا نهى فَمن تَأمل ذَلِك وجده عِنْد التَّحْقِيق قَول الجبرية فِي التَّصْرِيح لَكِن هُوَ لَا جبرية كَاذِبَة وَأُولَئِكَ جبرية صَادِقَة ثمَّ من قَوْلهم إِن من أَرَادَ الْفِعْل لأَقْرَب الْأَوْقَات إِلَيْهِ يَقع ذَلِك الْفِعْل وَإِن كرهه وَأَرَادَ صرفه وَيَقَع لَهُ بِهِ الْعَدَاوَة وَالْولَايَة وَإِن صَار بِحَيْثُ لَا يُمكنهُ الصّرْف قبل وُقُوعه أَو مَعَه ثمَّ يكون ذَلِك الْوَقْت لَيْسَ بِوَقْت محَال لفوت ذَلِك الْفِعْل إِذْ قد يجوز عِنْدهم فَوته بِالْمَنْعِ والقهر ثَبت بِمَا ذكرت وُقُوعه بالجبر فِي التَّحْقِيق وَأَيْضًا على قَوْلهم فِي كَثْرَة جرى اسْم الْقَدَرِيَّة فِي غير مَوْضِعه على ألسنتهم يسمون بِهِ فَهُوَ كَذَلِك عِنْدهم مَعَ قَوْلهم بنسبتكم الْجَبْر إِلَى غَيرهم وَبِاللَّهِ المعونة والعصمة
ثمَّ سمت الْمُعْتَزلَة الحسينية مجبرة بِمَا قَالَت الحسينية للْعَبد قدرَة مَا هُوَ فِيهِ من الْفِعْل وَلَيْسَت لَهُ قدرَة ضِدّه وَقت الْفِعْل وَقبل ذَلِك الْوَقْت الإختلاف بَينهم وَبَين الْمُعْتَزلَة إِنَّمَا هُوَ فِي الإسم خَاصَّة لِأَن الحسينية تَقول هُوَ على مَا هُوَ فِيهِ فَعِنْدَ الله لطف لم يُعْطه والمعتزلة يَقُولُونَ لم يبْق عِنْد الله شَيْء فِيهِ صَلَاحه إِلَّا وَقد اعطى فقد اتفقَا على قدر مَا أعطَاهُ وَلَا قُوَّة لَهُ وَقت الْفِعْل عِنْد الْمُعْتَزلَة وَعند الحسينية لَهُ قدرَة مَا هُوَ فِيهِ وَله اخْتِيَار مَا هُوَ فِيهِ فَكَانَ الَّذِي مَعَه من
[ ٣٢١ ]
الْقُدْرَة والإختيار أَكثر من الَّذِي عِنْد الْمُعْتَزلَة فَكيف سمتهم الْمُعْتَزلَة مجبرة لَوْلَا قلَّة الحيا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَالْأَصْل عِنْد الْحُسَيْن إِنَّه عِنْد الْفِعْل مضيع أحد القدرتين وَلَا عذر لَهُ فِي التضييع وَعند الْمُعْتَزلَة لَا قدرَة لَا بالتضييع وَلَا غَيره فَأَي الوصفين أشبه بالجبر لَو كَانَ ثمَّة إنصاف ثمَّ الَّذِي يُحَقّق أَن الْمُعْتَزلَة هِيَ الْمُجبرَة قَوْلهم للْعَبد الْفِعْل شَاءَ العَبْد أَو أَبى وَمن زَالَت عَنهُ الْمَشِيئَة فِي فعل فَهُوَ ساه أَو جَاهِل أَو عَاجز لَا يَخْلُو عَن ذَلِك مَعَ مَا قد جعلُوا للْعَبد أَن يُرِيد فِي سُلْطَان الله مَا لَا يُريدهُ ويشاء فِي ملكه مَا لَا يشاؤه وَهُوَ يَشَاء خِلَافه وَيُرِيد غَيره وَذَلِكَ عَلامَة القسر والجبر فعابت الجبرية فِي جبر العَبْد بِمَا رَأَوْا لله الْملك والجلال ثمَّ قَالَت بجبر رب الْعَالمين سفها بِغَيْر علم ولاقوة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ نذْكر طرفا مِمَّا عابت الْمُعْتَزلَة حُسَيْنًا فِي النُّطْق ووافقته فِي التَّحْصِيل قَالَ حُسَيْن الْكَافِر وَقت كفره لَيست لَهُ قدرَة الْإِيمَان وقدرة الْإِيمَان عِنْده التَّوْفِيق والعصمة ووافقته الْمُعْتَزلَة على أَنه لَيْسَ بمعصوم وَلَا موفق بل هُوَ مخذول مَتْرُوك على رَأْيه وَذَلِكَ معنى قدرَة الْكفْر عِنْد الْحُسَيْن فاتفقا على الْمَعْنى الَّذِي اخْتلفَا فِي إسمه فَحق الْمَسْأَلَة بَينهم فِي جعل التَّوْفِيق والعصمة قُوَّة الْإِيمَان وَالتّرْك والخذلان قُوَّة الْكفْر لَا إِفْرَاد التَّكَلُّم فِي الْقُدْرَة والأغضاء عَن حَقِيقَة مَا يجب القَوْل بِهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
وَقَالَ حُسَيْن معنى الْإِرَادَة فِي الله سُبْحَانَهُ أَنه لم يغلب وَلم يقهر وَقد أَعْطَتْ الْمُعْتَزلَة هَذَا الْمَعْنى فِي جَمِيع أَفعَال الْخلق إِنَّه لم يغلب وَلم يقهر فَتبْطل الْمَسْأَلَة فِي الْإِرَادَة إِنَّمَا بقيت فِي تَأْوِيل الْإِرَادَة لَا غير مَعَ مَا كَانَ من قَول الْحُسَيْن إِن أَفعَال الْعباد مخلوقة فأارد خَالِقهَا كَونهَا على مَا خلقهَا وَمذهب الْمُعْتَزلَة إِنَّهَا لَيست بمخلوقة لله فَتكون الْمَسْأَلَة فِي خلق الْأَفْعَال لَا فِي الْإِرَادَة
[ ٣٢٢ ]
وَقَالَ الكعبي الْإِرَادَة مَعْنَاهَا أَنه مُخْتَار غير مغلوب فَمثله فِي كل شَيْء يلْزمه ثمَّ الْمُعْتَزلَة لَيست تثبيت لله إِلَى الْعَالم سوى أَن كَانَ وَلم يكن عَالم ثمَّ كَانَ عَالما فَصَارَ بذلك الْمَعْنى خَالِقًا لَهُ مرِيدا على الْوَجْه الَّذِي ذكر فَقَالَ حُسَيْن فِي أَفعَال الْعباد إِنَّه إِذْ كَانَ وَلَا هَذِه الْأَفْعَال ثمَّ كَانَت هَذِه وَكَانَت بإرادته الَّتِي تَأْوِيلهَا مَا وَصفه وَبِأَن خلقهَا بِأَن كَانَ وَلم تكن هِيَ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
على أَن حُسَيْنًا يَجعله فِي الأول مرِيدا لكَون الْخلق على مَا كَانَ وَكَذَلِكَ لكَون كل مَخْلُوق على مَا كَانَ بإرادته والمعتزلة تنفى معنى الْإِرَادَة لَا تجْعَل غير أَن كَانَ وَلم يكن الْخلق ثمَّ كَانَ فَحق ذَلِك فِيهِ أوجب وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَقَالَت الْمُعْتَزلَة الْوَعيد يَأْخُذ من أخرجه فعله عَن الْإِيمَان وَكَذَلِكَ قَالَ حُسَيْن وَجَمِيع أهل الإرجاء إِن كَانَ من اسْتحق بِفِعْلِهِ زَوَال اسْم الْإِيمَان فَهُوَ كُله فِي النَّار أبدا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
والإختلاف بَين هَؤُلَاءِ فِيمَا بِهِ يخرج من الْإِيمَان لَا فِي حق الْوَعيد فالإحتجاج بآي الْوَعيد فِي الْمَسْأَلَة خطأ