مَسْأَلَة الْإِرَادَة يُمكن أَن تلْحق بِمَسْأَلَة خلق الْأَفْعَال من الْوَجْه الَّذِي لَو ثَبت خلقهَا وَالله مُخْتَار مُرِيد لما يكون مِنْهُ ثَبت القَوْل بالإرادة من الْوَجْه الَّذِي يُوصف بالخلق وَإِن لم تثبت تبطل من الْوَجْه الَّذِي أُرِيد بالإرادة فِي الْأَفْعَال دفع الْغَلَبَة والسهو إِذْ ذَلِك معنى حَقِيقَة الْإِرَادَة فِي الشَّاهِد إِلَّا أَن يُرَاد بالإرادة التمنى أَو الْأَمر وَالدَّعْوَى أَو الرِّضَا وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يجوز أَن لَا يُوصف الله بِبَعْض ذَلِك فِي كل شَيْء وينقض ذَلِك فِي شَيْء الْبَتَّةَ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَيُمكن أَن تفرد عَن تِلْكَ بِمَا أفردها أهل الْكَلَام وَإِن كَانَ الْحق هُوَ الأول على أَن فِي إِيجَاب القَوْل بالإرادة فِي كل شَيْء إِيجَاب القَوْل بِخلق
[ ٢٨٦ ]
الْأَفْعَال مَعَ مَا يُمكن الإستدلال فِي هَذَا بأَشْيَاء لَيست فِي الأول وَإِن كَانَ فِي تَحْقِيق الْكَلَام فِي هَذَا تَحْقِيق فِي الأولى قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَمن يرد الله أَن يهديه يشْرَح صَدره لِلْإِسْلَامِ﴾ إِلَى قَوْله ﴿كَأَنَّمَا يصعد فِي السَّمَاء﴾ أخبر أَنه يُرِيد هِدَايَة قوم بأفعالهم بهدايته وإضلال قوم بِجعْل قُلُوبهم ضيقَة حرجة وَقَالَ ﷿ ﴿من يشإ الله يضلله وَمن يَشَأْ يَجعله على صِرَاط﴾ فَفرق بَين الْقَوْم بالمشيئتين فدلت الْآيَات على أَن الله شَاءَ لكل فريق بِمَا علم أَن يكون مِنْهُم وَدلّ على أَن الْمَشِيئَة فِي هَاتين الْآيَتَيْنِ لَيست بِأَمْر وَلَا رضَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَو شِئْنَا لآتينا كل نفس هداها﴾ وَقَالَ ﴿وَلَو شَاءَ الله لجعلكم أمة وَاحِدَة﴾ وَقَالَ ﴿فَلَو شَاءَ لهداكم أَجْمَعِينَ﴾ وَلَا يحْتَمل أَن يكون هَذِه الْمَشِيئَة رضَا أَو أمرا لما قد كَانَا ثَبت أَنه أَرَادَ بِهِ الْمَشِيئَة الَّتِي يكون عِنْدهَا فعل لَا محَالة وَلَا يحْتَمل أَن تكون قد كَانَت وَهُوَ يَقُول لَو كَانَ ليَكُون كَذَا وَفِي تَحْقِيق الْكَوْن دون الْمَوْعُود بِهِ كذب جلّ الله عَن ذَلِك وَلَا يحْتَمل تَأْوِيل القسر لأوجه أَحدهَا أَن الله قد علمهمْ كَيْفيَّة الْهدى ومائية دينه وَمَا بِهِ وجود حَقِيقَته فَلَا يحْتَمل أَن يُرِيد بِهَذَا ضد ذَلِك من غير أَن يتَقَدَّم الْإِعْلَام فِي إحتمال هَذَا الإسم ضد الَّذِي هُوَ اسْمه فِي الْحَقِيقَة عِنْدهم بتعليم الله ذَلِك لَهُم وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَالثَّانِي أَن طَرِيق معرفَة وحدانية الله وَالْإِيمَان بِهِ وبرسله طَرِيق الإجتهاد
[ ٢٨٧ ]
والإستدلال وَذَلِكَ نوع مَا لايحتمل الإضطرار وَلَو جَازَ علم الإضطرار فِيمَا لَيْسَ فِي الْخلقَة احْتِمَاله لجَاز نفى علم الإضطرار فِيمَا كَانَ ذَلِك طَرِيقه فَيبْطل علم العيان مَعَ مَا كَانَ ذَلِك طَاعَة وإئتمار والجبر يسْقط ذَلِك كُله فَيصير فِي التَّحْصِيل كَأَنَّهُ قَالَ لَو شَاءَ لمنعكم عَن الْإِيمَان وَعَن مِلَّة وَاحِدَة وَهَذَا خلف من القَوْل وَإِنَّمَا أخبر أَنه لَو شَاءَ لجمعكم على على الْهدى وَقد آمن بَعضهم بالإختيار وَلَو كَانَ جبر الْبَقِيَّة لم يكن ليجمعهم وَلَكِن يمنعهُم عَمَّا أَبَوا بِهِ من دينه وطاعته وَذَلِكَ بعيد وَحش وَأَيْضًا أَنه لَا صنع لِلْخلقِ فِي مَوضِع الْجَبْر والقهر وَإِنَّمَا يرجع ذَلِك إِلَى إِيمَان الْخلق وكل جَوْهَر بخلقته مُؤمن مهتد بل بِهِ هِدَايَة كثير من الْخلق فَإِذا ذَلِك قد شَاءَ وَقد كَانَ بالْقَوْل بلو شَاءَ لَا معنى لَهُ وعَلى ذَلِك قَوْله ﴿وَلَو شَاءَ رَبك لآمن من فِي الأَرْض كلهم جَمِيعًا﴾ وَأَيْضًا مِمَّا يبطل تَأْوِيل القسر قَوْله ﴿وَلَو شِئْنَا لآتينا كل نفس هداها وَلَكِن حق القَوْل مني لأملأن جَهَنَّم﴾ ومشيئة الْجَبْر لَا تسْقط مَا ذكر أَنه حق وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَقَالَ الله ﴿من يشإ الله يضلله وَمن يَشَأْ يَجعله على صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ وَعند الْمُعْتَزلَة إِنَّه شَاءَ جعل الْكل على ذَلِك وَهُوَ ﷿ وعد أَن يكون الَّذِي شَاءَ كَذَلِك فَلم يكن وَقَالَ ﷿ ﴿وَلَا تقولن لشَيْء إِنِّي فَاعل ذَلِك غَدا إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ فَلَا يَخْلُو هَذَا الشَّيْء من أَن يكون فِي الْخيرَات فَهُوَ لَغْو على قَوْلهم لِأَنَّهُ قد شَاءَ وَإِذا لم يكن أَيْضا يصير كَأَنَّهُ مَأْمُور بالْقَوْل الْكَذِب
[ ٢٨٨ ]
لِأَنَّهُ أَمر أَن يَقُول كَذَا وَلم يكن كَذَا وَإِن كَانَ شرا لَا يشاءه فَذكره عِنْدهم لَا معنى لَهُ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَقَالَ الله ﷿ ﴿فعال لما يُرِيد﴾ امتدح جلّ ثَنَاؤُهُ بِالْفِعْلِ لما يُرِيد وَعند الْمُعْتَزلَة مَا يُرِيد من الْخيرَات الَّتِي تكون من الْخلق مِمَّا لَو اجْتمع الْخلق على إحصائها لم يبلغُوا جُزْءا من ألف جُزْء مِمَّا أَرَادَ فَلم يفعل وَهُوَ ﷿ تمدح بِهِ ثمَّ من عَظِيم قَوْلهم إِن عِنْد الله مَشِيئَة جبرا لَو كَانَت لَكَانَ الْخلق على مَا قَالَ فَمن يُصدقهُمْ على هَذَا الدَّعْوَى أَن لَهُ هَذِه الْقُدْرَة أَو الْمَشِيئَة الَّتِي تعْمل هَذَا الْعَمَل بعد أَن ظهر لِلْخلقِ كل هَذَا الْخلف فِي وعده وَهَذَا الْعَجز فِي فعله أَو مَتى يُؤمن بوعد من وعد الْخلق أَن يفعل مَا يُرِيد أَكثر مِمَّا يبلغهُ حِسَاب الْخلق ثمَّ يخلف وَمن يَثِق بعد هَذَا بوعده أَو مَتى يخَاف وعيده وَهَذَا مَحَله عِنْدهم فَإِن أَرَادَ أَن يظْهر عَجزه وَخَلفه وَمَا لَا يَلِيق بِوَصْف الْحِكْمَة فَأَي شَيْء كَانَ يُبْدِي ليعلم بِهِ هَذَا على مَذْهَب الإعتزال جلّ رَبنَا وَتَعَالَى عَن ذَلِك
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذا أردنَا أَن نهلك قَرْيَة أمرنَا مُتْرَفِيهَا ففسقوا فِيهَا﴾ أخبر أَنه يُرِيد إهلاك قوم وقرية بفسق أَهلهَا قبل أَن يكون مِنْهُم الْفسق فَلَو لم يرد كَون الْفسق مِنْهُم كَمَا علم أَن يكون وَلَكِن أَرَادَ أَن تكون الطَّاعَة ويهلكهم كَانَ يكون ذَلِك جورا فَثَبت أَنه أَرَادَ الَّذِي كَانَ مِنْهُم أَو علم ذَلِك وَقَالَ نوح لِقَوْمِهِ ﴿وَلَا ينفعكم نصحي إِن أردْت أَن أنصح لكم إِن كَانَ الله يُرِيد أَن يغويكم﴾ وَقلت لَا يُرِيد ذَلِك وصرفت كَلَام نوح إِلَى مَا لَا يحْتَملهُ وهم الْبشر ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبنَا إِنَّك آتيت فِرْعَوْن وملأه زِينَة وأموالا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا رَبنَا ليضلوا عَن سَبِيلك﴾ وَأَنْتُم تَقولُونَ لم يؤتهم لذَلِك وَلَكِن آتهم ليهتدوا وَقَالَ تَعَالَى
[ ٢٨٩ ]
﴿أُولَئِكَ الَّذين لم يرد الله أَن يطهر قُلُوبهم﴾ وَأَنْتُم تَقولُونَ بل أَرَادَ الله ذَلِك وَقَالَ ﴿وَمن يرد الله فتنته﴾ وَأَنْتُم تَقولُونَ لم يردهَا أَو تَقولُونَ هَذِه محنة وأنى كَانَ رَسُول الله يُرِيد أَو يتَمَنَّى أَن لَا يكون حَتَّى يُقَال لَهُ ﴿فَلَنْ تملك لَهُ من الله شَيْئا﴾ وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا يَحسبن الَّذين كفرُوا أَنما نملي لَهُم خير لأَنْفُسِهِمْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تعجبك أَمْوَالهم وَأَوْلَادهمْ﴾ أخبر مَا يُرِيد بهم بِمَا أعْطى وهم يَقُولُونَ لَا يُرِيد فَمَا يُقَال لأمثال هَؤُلَاءِ إِلَّا مَا قيل للْيَهُود وَالنَّصَارَى ﴿أأنتم أعلم أم الله﴾ وَقَالَ الله جلّ ثَنَاؤُهُ ﴿لأملأن جَهَنَّم من الْجنَّة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ﴾ فَنَقُول لَهُم أَرَادَ الله ﷿ أَن يفى بِمَا وعد هَذَا أَو أَرَادَ أَن يكذب وعده وَيبْطل وعيده فَإِن قَالُوا بِالثَّانِي أعظموا القَوْل ووصفوه بِإِرَادَة السَّفه وَالْكذب وَكفى بِهَذَا القَوْل خزيا وَإِن قَالُوا أَرَادَ أَن يفى بِهِ قيل أَرَادَ أَن يفى بِهِ وَهُوَ يُرِيد أَن يطيعوه فيفى وهم يطيعون لَهُ أَو يعصون فَإِن قَالَ بِالْأولِ فَهُوَ جور أَرَادَ لِأَنَّهُ فعله جور فإرادة كَونه إِرَادَة فعل الْجور أَن يكون لَهُ فعلا وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا الله يُرِيد ظلما للعباد﴾ وَإِن قَالَ بِالثَّانِي أذعنوا للحق وَقَالُوا بِالْعَدْلِ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿يُرِيد الله أَلا يَجْعَل لَهُم حظا فِي الْآخِرَة﴾ وَمن أَرَادَ أَن يكون مِنْهُ كل خير فقد أَرَادَ لَهُ الْحَظ فِي الْآخِرَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿تُرِيدُونَ عرض الدُّنْيَا وَالله يُرِيد الْآخِرَة﴾
[ ٢٩٠ ]
وَقَالَ تَعَالَى ﴿يُرِيد الله أَن يُخَفف عَنْكُم﴾ فَأَرَادَ للْمُؤْمِنين هَذَا فَكَانَ ذَلِك وللكافرين الأول فَكَانَ ذَلِك وَلَا يجوز أَن يُرِيد الأول وهم مطيعون ثَبت أَنه أَرَادَ أَن يكون مِنْهُم مَا قد كَانَ وَبِاللَّهِ الْعِصْمَة والنجاة
وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله إِن الله﴾ فَإِذا كَانُوا لَا يشاءون إِلَّا أَن يَشَاء الله لايجوز إِذا شَاءَ الله أَن لَا يشاءوا ويشاءون وَإِن لم يَشَأْ فَإِن ذَلِك آيَة الْكَذِب الَّذِي هُوَ قبح الله فِي الْعُقُول وَبِاللَّهِ المعونة والتوفيق
ثمَّ قَول الْمُسلمين المتوارث بَينهم مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لَا يكون على غير اضْطِرَاب قلب لأحد أَو توهم غير وعَلى غير سبق الْوَهم إِلَى خلاف لما عَلَيْهِ الْمَشِيئَة الْمَعْرُوفَة الَّتِي لَدَيْهَا يَقع فعل الإختيار والإضطرار جَمِيعًا على أَنه لَو جَازَ أَن يَشَاء شَيْئا لَا يكون ويشاء أَن لَا يكون فَيكون لم يكن الْكَوْن بِالْأولِ أَحَق من أَن يكون من صِفَات الربوبية من الثَّانِي وَلكُل مَوضِع بل لَو قيل إِن ذَا يغلب على الأول عِنْدهم لم يبعد وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَأَيْضًا تعارفهم فِي الْوَعْد إِذْ حذروا الْخلف إِن شَاءَ الله وَفِي الْيَمين إِذا خَافُوا الْحِنْث قَالُوا ذَلِك ثَبت أَن عقد جملَة الْمُسلمين وَاحِد قبل تمويه الْمُعْتَزلَة وَهُوَ كَمَال قَالَ كل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة إِلَّا أَن أَبَوَيْهِ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ ويمجسانه بَين الْخلقَة يُوجب شَهَادَة وَدلَالَة وحدانية الله تَعَالَى حَتَّى يَجِيء التلبيس مِمَّن ذكر وَكَذَلِكَ أَمر الْمَشِيئَة عِنْد الْجَمِيع قبل تلبيس الْمُعْتَزلَة وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَأَيْضًا الْمَوْجُود فِي عرف الْخلق من الدُّعَاء بِإِرَادَة الْيُسْر وَالْخَيْر لَهُم على طمأنينة الْقلب بِحَقِيقَة ذَلِك لَو كَانَت ثمَّة إِرَادَة وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
[ ٢٩١ ]
وَأَيْضًا عظم القَوْل فِي الْقُلُوب بِأَن مَا شَاءَ إِبْلِيس كَانَ وَمَا لم لَا يَشَأْ لَا يكون على الْعلم بِكَوْن مَا لَا يُحْصى من الشَّرّ وَخُرُوج الْخَيْر من الْكَوْن فِي ذَلِك وَوُجُود مَشِيئَة إِبْلِيس بذلك ثَبت أَن كَون حقائق الْأَشْيَاء بِمَا لله فِيهَا مَشِيئَة وإمتناعها عَن الْكَوْن لذَلِك لذَلِك استحسنوا إِضَافَة ذَلِك إِلَى الله واستقبحوا إِضَافَته إِلَى إِبْلِيس وَغَيره من العصاة وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ الْعبْرَة بِمَا يُوجِبهُ ضَرُورَة الْعقل وَهِي توجب ذَلِك إِذْ يعلم كل أحد أَن فعله يخرج على غير الَّذِي يُريدهُ من الْحسن والقبح واللذة والألم والمحبة والسخط ثَبت أَن لغَيرهم فِي خُرُوج فعلهم على مَا خرج إِرَادَة على تِلْكَ الْإِرَادَة يخرج الْفِعْل وَالله الْمُوفق
وَأَيْضًا أَن إِحْدَاث شَيْء فِي سُلْطَان آخر وَفِي مَمْلَكَته من حَيْثُ لَا يَشَاء وَلَا يُريدهُ آيَة الضعْف والقهر وَمن ذَلِك وَصفه محَال أَن يكون رَبًّا وإلها لذَلِك لزم وصف الله بذلك وَالله الْمُوفق
وَأَيْضًا أَن الله تَعَالَى لَو أَرَادَ أَن يكون الْكفْر غير الَّذِي يعلم أَنه يكون غير الَّذِي أخبر أَنه يكون أَرَادَ أَن يكون كذابا سَفِيها وَمن تِلْكَ إِرَادَته لم يجز أَن يكون إِلَهًا وَربا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَأَيْضًا فِي الْحِكْمَة أَن كل من صنع أمرا يُرِيد غير الَّذِي يكون بِهِ كَانَ يكون جَاهِلا بالعواقب أَو عابثا بِالْفِعْلِ وَالله تَعَالَى يجل عَن هذَيْن الوصفين أَلا يرى أَن من بِنَا لشَيْء يعلم أَنه لَا يكون كَانَ ذَلِك مِنْهُ عَبَثا وَلَو كَانَ بِهِ شَيْء غير الَّذِي يُريدهُ كَانَ جَاهِلا بِهِ وَأَيْضًا أَن الْخَطَأ الْمَعْرُوف فِي الشَّاهِد نَوْعَانِ أَحدهمَا خُرُوج الْفِعْل على تَقْدِير يجهله وَالثَّانِي وُقُوعه فِي غير الَّذِي يُريدهُ فَلَو كَانَ الله تَعَالَى يُرِيد بِمَا أعْطى غير الَّذِي يكون بِهِ لَكَانَ يكون فعله خطأ على مَا عرفنَا الله تَعَالَى من فعل الْخَطَأ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
[ ٢٩٢ ]
وَأَيْضًا أَن الَّذِي عَلَيْهِ أَمر الشَّاهِد أَن كل من أَرَادَ مُوالَاة من يخْتَار عداوته كَانَ يكون عَن ضعف وَخَوف فَلَا يجوز أَن يكون الله تَعَالَى يُرِيد مولاة إِبْلِيس وَالَّذين اخْتَارُوا عداوته وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَأَيْضًا أَن شَرط كل من فعله اخْتِيَار الْإِرَادَة وكل من فعله الإضطرار أَنه غير مُرِيد لذَلِك فَلَو كَانَ الله لفعل العَبْد غير مُرِيد ليَكُون على مَا كَانَ يكون مُضْطَرّا وَلذَلِك لَا يجوز أَن يكون لأحد فِي فعل غَيره إِرَادَة لما لَا يحْتَمل خُرُوجه على مَا يُرِيد وَسموا ذَلِك تمنيا فعلى ذَلِك لَو توهم كَون شَيْء لم يردهُ الله كَانَت إِرَادَته تخرج مخرج التمنى وَأَيْضًا أَنه لَو جعل لنا أَن نبوة نَبِي بقول بشر يكون ذَلِك مَعْصِيّة لنا أَن نريده من حَيْثُ يكون آيَة وَإِن لم يكن لَهُ أَن يعْصى فَمثله إِذْ علم الله أَنه أخبر عَن ذَلِك وَأَنه علم أَن لَا يكون كَانَ لَهُ أَن لَا يُرِيد فِي الْحِكْمَة على أَنه لَا يخْتَلف أَن لَيْسَ للْعَبد أَن يسْأَل الله هِدَايَة من يعلم أَنه لَا يَهْتَدِي نَحْو إِبْلِيس لم يكن لَهُ أَن يَقُول اللَّهُمَّ اهده لما يعلم أَنه لَا يكون ثمَّ محَال أَن يكون علينا إِرَادَة ذَلِك وَإِذ لم يكن علينا إِرَادَة مَا يعلم أَنه لَا يكون لم يجز أَن يُقَال ذَلِك على الله إِذْ كَونهَا علينا إِنَّمَا يكون إِذا جهلنا بِحَالهِ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ نسْأَل عَمَّن يُرِيد أَن يكون شتم رَسُول الله مثل شتم إِبْلِيس فِي الْمرتبَة والمأثم أَلَيْسَ هُوَ بمتعد سَفِيه كَافِر لَا بُد من بلَى فَيُقَال من أَرَادَ أَن يكون شتم رَسُول الله أمرا عَظِيما لَا يبلغهُ شتم أحد من الْخلق أَن يكون مَحْمُودًا لَا بُد من بلَى قيل فَمن يُرِيد أَن يكون الشتم مِنْهُ كَذَلِك إِذْ محَال كَونه لَا من أحد أعظم وَلَا بأصغر وَلَا نَحْو ذَلِك فَلَا بُد أَن يَقُول من كَافِر وَفِي ذَلِك جَوَاز إِرَادَة فعل الْكفْر من وَجه لَا يحْتَمل الذَّم من ذَلِك الْوَجْه وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
ثمَّ الأَصْل الَّذِي هُوَ مُعْتَمد الْمُعْتَزلَة أَن إِرَادَة الله لَيست غير خلقه وَأَن تَأْوِيلهَا على مَا فسر الكعبي لَيْسَ غير أَنه لم يغلب وَلم يضْطَر فِي فعله وَهَذَا الْمَعْنى قد أَعْطوهُ جَمِيعًا فِي فعل الْعباد فإنكارهم الْإِرَادَة وَهَذَا مَعْنَاهَا لَا معنى لَهُ بعد الْإِعْطَاء فِي الْجُمْلَة وَالله الْمُوفق
[ ٢٩٣ ]
وَالْأَصْل عندنَا إِذا سئلنا عَن مَشِيئَة الله فعل الْكَفَرَة على مَا كَانَ وَجْهَان أَحدهمَا القَوْل بذلك فِي الْإِطْلَاق على مَا عرف من الْإِرَادَة فِي ذَلِك وَالثَّانِي منع الْإِطْلَاق إِذا لم يفهم مُرَاد السَّائِل أَو خشى أَن يُرِيد التعنت فِي ذَلِك وَهُوَ أَن يُقَال إِن للمشيئة مَعَاني فِيمَا يتعارف أَحدهَا التمنى وَذَلِكَ عَن الله منفى فِي كل شَيْء وَالثَّانِي الْأَمر وَالدُّعَاء إِلَيْهِ فَذَلِك منفى عَن الله فِي كل فعل يذم فَاعله وَالثَّالِث الرِّضَا بِهِ وَالْقَبُول لَهُ وَذَلِكَ كَذَلِك أَيْضا فِي كل فعل يذم عَلَيْهِ وَالرَّابِع تَأْوِيله نفى الْغَلَبَة وَخُرُوج الْفِعْل على مَا يقدره ويريده وَهَذَا يَقُول ذَلِك وَقد أجمع على مَعْنَاهُ فَمن أنكر ذَلِك بعد إِعْطَاء مَعْنَاهُ فَهُوَ قدر الْمَشِيئَة على غير حَقِيقَة المُرَاد مِنْهَا وَهُوَ عندنَا لَازم إِذْ هُوَ لكل شَيْء خَالق وَقد ثَبت وَصفه فِيمَا يخلقه أَنه غير مُضْطَر إِلَيْهِ وَلَا يكره عَلَيْهِ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ نذْكر وهم الكعبي فِيمَا ذكر فِي هَذَا الْبَاب سَأَلَ نَفسه عَن قَول النَّاس مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لَا يَشَاء لَا يكون فَأجَاب بِالَّذِي فِي تَأْوِيل قَوْله ﴿خَالق كل شَيْء﴾ أَنه لَيْسَ فِي إِرَادَة الشتم لَهُ مدح وَقد بَينا ذَلِك على أَنه فِي إِرَادَته أَن يكون كَاذِبًا فِيمَا أخبر بِهِ حَقِيقَة الشتم وَلَيْسَ ذَلِك فِي إِرَادَة كَون فعل الشتم مِمَّن يشتمه قبيحا شتما يدل على ذَلِك الْعلم بِهِ فِي الْوَجْهَيْنِ أَنه فِي الأول جهل وَخطأ وَفِي الثَّانِي حِكْمَة وصواب وَصرف الْمَشِيئَة إِلَى الْقَهْر وَقد بَينا وهمه على أَن معنى الْقَهْر فِي هَذَا أَو فِي غَيره محَال لِأَنَّهَا هِيَ فِي الْإِيمَان وَالْكفْر وَالْكذب والصدق وَهُوَ لَو خلق الْكفْر وَالْكذب لَا عَن أحد فِي الْحَقِيقَة يكون كَافِرًا كَاذِبًا عِنْد جَمِيع من يرى خلق الشَّيْء ذَلِك الشَّيْء فَذَلِك يلْزمهُم أَن يَقُولُوا تَأْوِيل قَول الْمُسلمين مَا شَاءَ الله كَانَ أَي لَو شَاءَ الْكفْر
[ ٢٩٤ ]
وَالْكذب وَهَذَا التَّأْوِيل مِمَّا لَا يرضى بِهِ مَجْنُون أَن يُوَجه إِلَيْهِ قَوْله فَكيف جملَة الْمُسلمين وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
ثمَّ خرج من الْمُعَارضَة بِأُخْرَى يَقُول بهَا على الْمُسلمين فَقَالَ هم يَقُولُونَ مَا أحب الله كَانَ وَمَا لم يحب لَا وَهَذَا لم يسمع من شَيْطَان فَكيف من مُسلم
ثمَّ عَارض بقَوْلهمْ أَمر الله نَافِذ وَلَا مرد لأَمره قيل لهَذَا وَجْهَان أَحدهمَا أَمر التكوين كَقَوْلِه ﴿إِنَّمَا أمره إِذا أَرَادَ شَيْئا أَن يَقُول لَهُ كن فَيكون﴾ فَهَذَا لَا مرد لَهُ وَيدخل فِي ذَلِك فعل الْخلق جَمِيعًا وَهُوَ مثل الأول وَالثَّانِي أَن يُرَاد بِهِ حَقِيقَة حق الْأَمر أَن لَا يرد عَن الْوَجْه الَّذِي يكون الْأَمر وَمَا بِهِ الْأَمر فِيمَا لم يكن لم يخرج الْأَمر عَن حِدة وتزول الإدارة إِذْ هِيَ المكون وَالْأَمر ليفعل بِهِ أَلا ترى أَن كل مُخْتَار فِي الْفِعْل مَوْصُوف بالإرادة وَلَا يجوز أَن يُقَال هُوَ مَأْمُور لإحالة وصف الله بِهِ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَقَالَ فِي قَوْله ﴿وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ إِن الإستقامة كَانَت بهَا وَذَلِكَ فَاسد لِأَن الله قد شَاءَ فَلَا يكون فَلَا يجوز فِيمَا يكون بهَا إِلَّا على قَوْلنَا إِنَّهَا تكون لَا محَالة إِذا شَاءَ الله
ثمَّ قَالَ أَتُرِيدُ الله أَن يشْتم وَقد أَخطَأ فِي السُّؤَال بل حَقه أَن يُقَال أَتُرِيدُ الله أَن يكون فعل الشتم مِمَّن يشتمه قبيحا مسخوطا ثمَّ قَالَ معَاذ الله لِأَنَّهُ نهى عَنهُ وَغَضب عَلَيْهِ وَلَا يفعل الْحَكِيم ذَلِك
قَالَ الشَّيْخ ﵀ قيل أحكيم لَا يَشَاء ذَلِك مِمَّا لَو كَانَ الَّذِي شَاءَ يصير كَاذِبًا سَفِيها فَإِن قَالَ نعم بَان جَهله بالحكيم وَإِن قَالَ لَا ألزم القَوْل بِالْمَشِيئَةِ إِذْ فِي فَوت ذَلِك كذبه وسفهه وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
[ ٢٩٥ ]
على أَن النهى لَيْسَ من الْوَجْه الَّذِي ذكرنَا وَكَذَلِكَ الْغَضَب وَهَذَا النَّوْع مِمَّا قد ذكرنَا مِنْهُ الْكَافِي فِي بَاب خلق الْأَفْعَال
وَبعد فَإِنَّهُ إِذا أَرَادَ لما علم أَن يخْتَار هُوَ عداوته أَن يكون مِنْهُ عدوا ليزول معنى الضعْف وَيظْهر الْغنى عَنهُ وَعَن فعله كَمَا قَالَ ﴿إِن الله لَغَنِيّ عَن الْعَالمين﴾ على أَنه يزْعم أَن معنى الْإِرَادَة أَن لايغلب وَقد وجد فِي هَذَا فَلْيقل مَا شَاءَ فَهُوَ لَهُ فِي الأول جَوَاب وَأما جَوَابه بالمحبة وَالرِّضَا فَإِنَّهُ لَا يجوز أَن يُقَال إِن الله يحب إِبْلِيس ويرضى بِهِ وَكَذَلِكَ الْخَبَائِث والأقذار وَإِن كَانَ أَرَادَ كَونهم فَمثله فعل الْكفْر وَكَذَا كل قبائح الصُّور والجواهر وَالله أعلم
وَأجَاب لما عورض من الزِّيَادَة فِي ملكه مَالا يُريدهُ بِالرِّضَا والمحبة وَقد بَينا التَّفْرِيق فِي ذَلِك بِمَا هُوَ فعله ثمَّ قَالَ إِذا قدر على الْمَنْع فَلم يمْنَع فَلَيْسَ بممنوع فَيُقَال لَهُ لَو قدر وَهُوَ لَا يُريدهُ ليمنع فَدلَّ كَونه بِلَا إِرَادَة أَنه لم يقدر وَمِمَّا يبين ذَلِك أَنه لَو قهرهم على الْإِسْلَام لم يَكُونُوا مُسلمين قهرا يبين أَنه لم يكن يقدر على ذَلِك وَذَلِكَ حق الْغَلَبَة والقهر فِي الشَّاهِد وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وعارض بتركهم فَيُقَال لَيْسَ فِي التّرْك خلاف لَهُ فِي الْإِرَادَة فَيلْحق مَا ذكرنَا من الزِّيَادَة فِي ملكه مَا لَا يُريدهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
وعارض بِمثلِهِ فِي الشَّاهِد وَهُوَ خطأ لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا ان ملكنا لَا يقدر على الْمَنْع وَإِلَّا كَانَ يمْنَع عَن كل شَيْء لم يردهُ وَالثَّانِي أَن ذَلِك لَيْسَ فِي ملكه وَلَا سُلْطَانه لما لَيْسَ لملك الأَرْض على أَفعَال غَيره ملك وَلَا سُلْطَان وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ عَارض نَفسه بِمَا يعقب خُرُوج الشَّيْء عَن علمه جهلا لم لَا أوجب خُرُوجه عَن إِرَادَته نُقْصَانا وَهُوَ عجز فَقَالَ إِنَّمَا يعقب الْكَرَاهَة لَا النُّقْصَان قيل كَرَاهَة النهى كَذَا وَالْغَلَبَة تحدث نُقْصَانا وَفِي كتاب الله أَيْضا دَلِيل
[ ٢٩٦ ]
الْفرق بَين الْمحبَّة وَالرِّضَا وَبَين الْإِرَادَة والمشيئة بقوله ﴿وَلَا يرضى لِعِبَادِهِ الْكفْر﴾ وَقَوله ﴿وَالله لَا يحب الْفساد﴾ وَقَوله ﴿إِن الله يحب التوابين﴾ ﴿لَا يحب الْمُعْتَدِينَ﴾ وَقَالَ فِي الْمَشِيئَة ﴿من يشإ الله يضلله وَمن يَشَأْ يَجعله على صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ وَغير ذَلِك مِمَّا يُوجب تَخْصِيص الْمحبَّة وَالرِّضَا وتعميم الْمَشِيئَة والإرادة مَعَ مَا يُوصف بهما من أَفعاله وَلَا يُوصف بِالرِّضَا والمحبة على أَن الْمَشِيئَة صرفهَا إِلَى الْقُوَّة حَتَّى جعلهَا بِحكم القسر فَلذَلِك قوتها توجب ذَلِك وألأصل فِي ذَلِك أَن الْمحبَّة والسخط مَعْنيانِ يوجبان بِفعل الْعباد وَلَيْسَت الْمَشِيئَة كَذَلِك لما لَيْسَ فِي أَفعَال الْعباد معنى يُوجب الْمَشِيئَة إِلَّا أَن يُرَاد بهَا الرِّضَا أَو التمنى وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَفِي الشَّاهِد قد يفعل الرجل مَا لَا يرضى بِهِ وَلَا يُحِبهُ ومحال حَقِيقَة فعل لَا يُريدهُ وَكَذَا معنى الْإِرَادَة مُتَقَدم عِنْدهم على الْفِعْل وَعِنْدنَا معنى يكون مَعَه وَلَا وَجه لَهَا بعده وَأمر الرِّضَا والسخط والمحبة وَنَحْو ذَلِك يكون من بعد فِي الْمُتَعَارف أبدا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ احْتج بقوله تَعَالَى ﴿يُرِيد الله بكم الْيُسْر﴾ وَنَحْو ذَلِك وَقَالَ ﴿وَلَا يُرِيد بكم الْعسر﴾ وَالْكفْر أعْسر الْعسر قيل الْإِرَادَة فِي هَذَا تخرج على الْإِذْن وَالْإِبَاحَة والرخصة لَيْسَ ذَلِك من أَمر الْإِيمَان فِي شَيْء فَكَذَا إِرَادَة الْعسر وَأَيْضًا أَنه لَو كَانَ على الْأَمريْنِ فَالْوَجْه أَن أُولَئِكَ قوم قد آمنُوا فَلم يكن لَهُم فِي التَّحْقِيق غير الَّذِي أَرَادَ فَلَو كَانَ من الْكَافِر أَرَادَ الْإِيمَان لَكَانَ
[ ٢٩٧ ]
لَا يكون سواهُ كَمَا إِذا أَرَادَ الْإِيمَان لم يكن غَيره وعَلى هَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَمن يرد الله أَن يهديه﴾ وأيد ذَلِك قَوْله ﴿يُرِيد الله أَلا يَجْعَل لَهُم حظا فِي الْآخِرَة﴾ وَبَين فِي الْمُؤمنِينَ ﴿وَالله يُرِيد الْآخِرَة﴾ دلّ أَن كل من أَرَادَ لَهُ الْإِيمَان أَن يكون فعله أَرَادَ لَهُ الْآخِرَة وَمن لم يرد لَا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَاحْتج بقول الله تَعَالَى ﴿وَمَا الله يُرِيد ظلما للعباد﴾
قَالَ الشَّيْخ ﵀ فَنَقُول كَذَلِك وَمن أَرَادَ عدواة إِنْسَان لَهُ عَدَاوَة أَو فعله الظُّلم قبيحا فَاحِشا فَلَيْسَ بمريد لَهُم الظُّلم بل أَرَادَ لَهُم الْعدْل قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا خلقنَا السَّمَاء وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا بَاطِلا﴾ ثمَّ قَالَ فِي إِبْلِيس ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه﴾ سَمَّاهُ بَاطِلا لَا أَن خلقه بَاطِلا فَمثله إِرَادَة فعل الْكفْر من الْكَافِر بَاطِلا وظلما لَا يكون مِنْهُ إِرَادَة الظُّلم للعباد وتأويله قَوْله ﴿وَمَا رَبك بظلام للعبيد﴾
وَبعد فَإِنَّهُ فِي الإعتبار بِهِ جَائِز لِأَن إِرَادَة مَا يعلم أَن يكون ليَكُون عدلا إِذْ هُوَ أَرَادَ جَزَاء فعله لَا أَن يُعَاقِبهُ على أَمر لم يَفْعَله وَالله الْكَافِي
ثمَّ سُئِلَ عَن إراد رَسُول الله إنهزام الْمُشْركين فَزعم أَنه أَرَادَ لينظروا فِيمَا دعاهم إِلَيْهِ
قَالَ الْفَقِيه ﵀ فالإنهزام طَاعَة أَو مَعْصِيّة وَكَذَلِكَ الْحَال إِلَى وَقت النّظر وَفِي ذَلِك الدَّوَام على الْمعْصِيَة لَا بُد أَن يَقُول مَعْصِيّة فَيجوز أَن يُرَاد بِهِ لَا على قَصدهَا لبَعض الْمصَالح وَمثله قَوْله ﴿إِنِّي أُرِيد أَن تبوء بإثمي وإثمك﴾
[ ٢٩٨ ]
إِنَّه يجوز إِرَادَة فعل هُوَ مَعْصِيّة لَا على قصد عصيان وَكَذَلِكَ معاصي الْمُؤمنِينَ كلهَا كَانَت على أَفعَال من عاصيهم وَإِن لم يُرِيدُوا مَعْصِيّة الله بل لَو أَرَادوا لكفروا فَهَذَا يبين أَن إِرَادَة فعل يكون من فَاعله مَعْصِيّة لَا يكون كإرادة الْمعْصِيَة فَمثله إِرَادَة الله فعل الْكَافِر ليَكُون مِنْهُ مَعْصِيّة أَو فعله الشتم ليَكُون مشتما قبيحا لَا يكون كإرادة الشتم وَالْمَعْصِيَة وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ عَارض بِأَن رَسُول الله رَضِي مِنْهُم الإنهزام وَذَلِكَ فَاسد لِأَن الإنهزام مِنْهُم لم يكن لرَسُول الله أَو الله فيتكلم فِيهِ بِالرِّضَا وَغير الرِّضَا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ عورض بِمَا كَانَ كفر أَكثر عباد الله بِأَن أَرَادَ إِبْلِيس وَالله أَرَادَ مِنْهُم الطَّاعَة فَصَارَت إِرَادَة إِبْلِيس فِي ملك الله وسلطانه أبعد من إِرَادَة الله فَأجَاب بِالرِّضَا والمحبة والسخط وَقد بَينا نَحن الْفَصْل بَين الْأَمريْنِ على أَنه يكون فعل يرضى بِهِ الْمَرْء ويسخط من غير أَن كَانَ وَقت فعله ومحال ذَلِك فِي الْإِرَادَة ثَبت أَنَّهَا شَرط الْفِعْل فِيمَا يظْهر التَّعْجِيز إِذْ لَا يَخْلُو عَنْهَا فعل الْمُخْتَار وَأَيْضًا إِنَّا لَا نقُول بِأَن الله يحب من يعلم أَنه لَا يُؤمن أَو يرضى مِنْهُ لِأَنَّهُمَا يُحِبَّانِ بِالْفِعْلِ فَمن لَا يفعل بالْقَوْل بِهِ بعيد وَأما الْإِرَادَة فقد بَينا وَالله أعلم
وَالْأَصْل فِي هَذَا فِي الْمُتَعَارف أَن الْفِعْل يخرج على إِرَادَة أَو غَلَبَة أَو غَفلَة ثمَّ الله سُبْحَانَهُ لَا يجوز أَن يُوصف فِي فعل العَبْد بالغلبة أَو الْغَفْلَة ثَبت أَن كَانَ بالإرادة والمعتزلة لَا يثبتون لله معنى فِي الْإِرَادَة سوى كَون الْعلم بعد أَن لم يكن من غير ضَرُورَة لَهُ وَهَذَا الْمَعْنى هُوَ فِي فعل كل من أهل الْعَالم قَائِم فَلَا وَجه لإنكارهم على قَوْلهم وَبِاللَّهِ الْعِصْمَة
[ ٢٩٩ ]
ثمَّ قَالَ إِرَادَة إِبْلِيس هِيَ التمنى وَلَو أَرَادَ الْعباد مَا كفرُوا وَالله يقدر على مَنعهم بالقهر
قَالَ الْفَقِيه ﵀ قُلْنَا لَهُ قد صدقت والإرادة قد توجب الْغَلَبَة والتمنى لَا فَكيف غلب تمنى عدوه على إِرَادَته وَقَوله يقدر ويقهر وَهَذَا النَّوْع إِنَّمَا هُوَ أثر الْحيرَة والوحشة وَلَا يجوز الْإِيمَان بالقسر بِوَجْه ثمَّ قَالَ فَإِن قيل هَل رَأَيْت حكيما يقدر على منع عَبده عَن أَمر لَا يُريدهُ وَلَا يمنعهُ فعارض بالجبر وَذَا خطأ لِأَنَّهُ عندنَا يُريدهُ وَلَيْسَ الْمَنْع من شَرط مَا يُرَاد ثمَّ قَالَ فَإِنَّهُ يدع لوَجْهَيْنِ لَا يُريدهُ وَلَا يجوز لَهُ الْمَنْع لضرب من التَّدْبِير
قَالَ الشَّيْخ ﵀ إِن كنت على الشَّاهِد تقدره فَلَا تَجدهُ إِلَّا أَن لَا يقدر عَلَيْهِ أَو هُوَ لم يرد الْفِعْل بِهِ قَالَ وَمِنْهَا مَا يجب الْمَنْع فَدلَّ أَن الْمَنْع إِن وَجب وَجب لعِلَّة لَا لعَينه وَمَا يذكر من الْعلَّة فَإِن كَانَت أوجبت الإضطرار فَهُوَ الَّذِي قيل لَا يقدر عَلَيْهِ وَإِن كَانَ لَا يُوجب وَقد يملك الْقَهْر لَا بِالتَّعَدِّي فَهُوَ لَا يَسعهُ عندنَا وَهُوَ خَارج من الْعرف وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَقَالَ فِي جَوَاب مَا عورض بقوله ﴿فَمن يرد الله أَن يهديه﴾ أَن تَأْوِيله مَعْرُوف وَهُوَ أَن من أطاعة أَتَاهُ من لطائفه مَا لَا يقدر عَلَيْهِ غَيره وَسَماهُ بالأسماء الشَّرِيفَة وَحكم لَهُ بِالْأَحْكَامِ الرفيعة ثَوابًا لطاعته لِيَزْدَادَ لَهُ الرَّغْبَة كَقَوْلِه ﴿وَالَّذين اهتدوا زادهم هدى﴾ وَمن عَصَاهُ منع مِنْهُ مَا ذكر فيضيق صَدره كَمَا وصف وَلَا يفعل بِأحد ذَلِك إبتداء كالآية الَّتِي ذكرتها وَقَوله ﴿وَمَا يضل بِهِ إِلَّا الْفَاسِقين﴾ ثمَّ قَالَ فَلَا يجوز ذَلِك ابْتِدَاء من غير اسْتِحْقَاق الْعَدَاوَة وَالْولَايَة
[ ٣٠٠ ]
لأمرين أَحدهمَا أَن لَيْسَ بِهِ هوادة وَلَا مُحَابَاة وَالثَّانِي أَن من يفرق عبيده بالحرف لم يكن لَهُ الْعود باللوم مِنْهُم على أحد
قَالَ الشَّيْخ ﵀ أما مَا ادّعى على الْآيَة أَنَّهَا مَعْرُوفَة فَهَذَا يدل على جَهله بِالْمَعْرُوفِ وَالْمُنكر وَقَلبه الْقِصَّة ثمَّ أَخطَأ فِي صرف الْآيَة إِلَى مَا بعد الْإِسْلَام الْمَعْرُوف من النُّطْق لِأَنَّهُ قَالَ ﴿فَمن يرد الله أَن يهديه يشْرَح صَدره لِلْإِسْلَامِ﴾ فَأثْبت لَهُ الْإِسْلَام إِذْ شرح صَدره لَا أَن شرح بعد أَن وجد مِنْهُ الْإِسْلَام ثمَّ أعظم مِنْهُ جرأته على الله أَن مثل هَذَا يكون هوادة ومناجاة وَمَا كَانَ عَلَيْهِ إِذْ علم من صفته جرأته هَذِه فِي خَاص نَفسه أَن لَا يُبْدِي ذَلِك وَلَا يُعَارض نَفسه بِمَا لَا يضْطَر إِلَيْهِ لكنه عُوقِبَ بجهله بِاللَّه وَصَرفه كِنَايَة عَن جِهَته طلبا لإِقَامَة مَذْهَب هُوَ ينْتج الزندقة فنعوذ بِاللَّه من الخذلان ثمَّ يُقَال من أسلم وَقت إِسْلَامه أسلم وَقَلبه مشروح لَهُ وَوقت كفره قلبه ضيق أَو هما وَاحِد فِي الشَّرْح والضيق فَإِن قَالَ كَانَا وَاحِدًا ظهر كذبه عِنْد كل من يحفظ ابْتِدَاء دينه من إِسْلَام أَو كفر ثمَّ يُسمى مَا يعلم كذبه كل مُسلم وَكَافِر من الله هواده مرّة ومحاباة بَائِنا وصدا عَن الْحق ومنعا ليعلموا جرأته وسفهه وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ يُقَال لَهُ الَّذِي يُريدهُ بعد الْإِيمَان أَو يحرمه بعد الْكفْر وَكَانَ فِي ذَلِك مَعُونَة فِي الدّين وتيسير عَلَيْهِ أَو لَا فَإِن قَالَ لَا بَان بَهته وَسقط مَوضِع جعل ذَلِك ثَوابًا أَو عقَابا وَإِن قَالَ بلَى فقد أقرّ عَلَيْهِ مذْهبه ببذل شَيْء هُوَ أصلح لَهُ فِي الدّين ثمَّ يُقَال هَل رَأَيْت كَافِرًا بعد أَن آمن أَو أخْبرت كَون ذَلِك أَو مُؤمنا بعد الْكفْر لَا بُد من بلَى قيل أَكَانَ إِعْطَاء الثَّوَاب وَمنعه ذَلِك الشَّرْح أَو لَا فَإِن قَالَ لَا ألزمهُ الْخلف فِي الْوَعْد وَالْكذب فِي الْخَبَر وَإِن قَالَ نعم قيل أَي نفع لَهُ فِي تِلْكَ الْفَوَائِد أَو أَي ضَرَر عَلَيْهِ فِي التَّضْيِيق إِذا ليجعل ذَلِك ثَوابًا أَو عقَابا وَيمْنَع جَوَاز ذَلِك ابْتِدَاء بِمَا سَمَّاهُ مرّة هوادة وَمرَّة مُحَابَاة وَمرَّة صدا وَمرَّة منعا نسْأَل الله الْعِصْمَة عَن قَول هَذَا عقباه
[ ٣٠١ ]
ثمَّ من احْتج مِنْهُم بقوله ﴿سَيَقُولُ الَّذين أشركوا لَو شَاءَ الله مَا أشركنا﴾ فَالْجَوَاب لذَلِك من أوجه ثَلَاثَة أَحدهَا أَنهم ادعوا بِهِ الْأَمر كَقَوْلِه ﴿وَإِذا فعلوا فَاحِشَة قَالُوا وجدنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾ وَالله أمرنَا بهَا وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿وَإِن مِنْهُم لفريقا يلوون ألسنتهم بِالْكتاب﴾ وَالثَّانِي أَنهم لما أوعدوا فِي ذَلِك قد أمهلوا فَلَمَّا أمهلوا ظنُّوا كذب الرُّسُل وَحَسبُوا أَن ذَلِك مِمَّا لله فِيهِ الرِّضَا وَإِلَّا لم يكن يمهلهم وَكَذَلِكَ ظن أَصْحَاب السبت وَذَلِكَ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿حَتَّى إِذا استيأس الرُّسُل﴾ وَالثَّالِث أَن يَكُونُوا قَالُوهُ على الإستهزاء بِالْمُؤْمِنِينَ بِمَا يدعونَ أَن كل شَيْء بِمَشِيئَة الله كَقَوْل الْإِنْسَان إِذا مَا مت لسوف أخرج حَيا إِنَّه قَالَ ذَلِك على الإستهزاء بِالْمُؤْمِنِينَ وَإِن كَانَ ذَلِك حَقًا وَكَذَلِكَ قَول الْمُنَافِقين نشْهد أَنَّك لرَسُول الله وَلَكِن ذَلِك لما كَانَ الهزؤ طعنوا بِهِ فَمثله الأول وَالله أعلم
أيد ذَلِك آخر الأية ﴿قل فَللَّه الْحجَّة الْبَالِغَة فَلَو شَاءَ لهداكم أَجْمَعِينَ﴾ وَغير ذَلِك وَلَا يحْتَمل لما مر بَيَانه وَقَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَو شَاءَ رَبك لآمن من فِي الأَرْض كلهم جَمِيعًا﴾ إِنَّه على الْإِكْرَاه أَن يمنعهُم على الْإِكْرَاه قسرا كَمَا جعلهم شُيُوخًا وشبابا وَلَكِن شَاءَ أَن يبتليهم كَقَوْلِه ﴿وَلَو يَشَاء الله لانتصر مِنْهُم﴾ وَقد شَاءَ ذَلِك بِالنَّبِيِّ وَأَصْحَابه وَلَكِن أَرَادَ بِهِ مَشِيئَة القسر إِذْ لَيْسَ مَعهَا حمدا وَلَا أجرا
[ ٣٠٢ ]
قَالَ الشَّيْخ ﵀ وَقد بَينا مَا يدل على وهمه على أَنه من كَانَ مِمَّن سبق إِلَى قَوْله إِن الله لَو شَاءَ أَن يخلق فعلا لَيْسَ بِفعل لِلْخلقِ لَا يقدر عَلَيْهِ حَتَّى يَجِيء الْكتاب بالإمتداح بِهِ والإقتدار عَلَيْهِ وَإِنَّمَا قدر ذَلِك من الْفِعْل فِي غَيره مِمَّا ظهر من فعل آخر وَمِمَّا لَا يبلغهُ حد الْبشر فَمن كَانَ يظنّ ان الله يعجز عَن هَذَا النَّوْع من الْخلق وَلَا على حَقِيقَة فعل الْخلق بل لَو أُرِيد ذَا لَكَانَ مَوْضِعه فِيمَا ظن الْمُعْتَزلَة أَنهم خلقُوا خلقا لَيْسَ فِي الْعُقُول أرفع مِنْهُ وَلَا أَعلَى فِي الْحسن وَالْفضل فرمت هَذَا الْمُعْتَزلَة على ألسن الضعفه فَبين الله قدرته على مثل ذَلِك وَإِلَّا لَا وَجه لإنكار مثله مِمَّن يقر لَهُ بِخلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا وَلَكِن بَين بذلك فَسَاد قَول الْمُعْتَزلَة إِن الله قد شَاءَ فَلم يكن إِذْ هُوَ لَا يقدر على خلق أَفعَال الْعباد فَقَالَ ﴿وَهُوَ على كل شَيْء قدير﴾ جَوَابا لذَلِك وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَلَو شَاءَ لهداكم أَجْمَعِينَ﴾ جَوَابا للْأولِ وَقَوله ﴿وَلَو يَشَاء الله لانتصر مِنْهُم﴾ على أَنه لَو شَاءَ تَكْذِيب منذريه بل لَا يَشَاء لانتصر مِنْهُم بِمَا شَاءَ وَلَكِن شَاءَ التَّأْخِير وَالثَّالِث لانتصر مِنْهُم يهم وَلَكِن شَاءَ أَن يبلو صحابة نبيه بالهزيمة ليبين الَّذين صدقُوا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَلَقَد فتنا الَّذين من قبلهم﴾ وَقَوله ﴿وَمن النَّاس من يعبد الله على حرف﴾ وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ بَيْننَا وَبَين الْقَدَرِيَّة الْكَلَام فِي حرفين أَن نسألهم هَل علم الله مَا يكون أبدا على مَا يكون فَإِن قَالُوا لَا كفرُوا لأَنهم جهلوا رَبهم وَإِن قَالُوا نعم قيل شَاءَ أَن ينفذ علمه كَمَا علم أَو لَا فَإِن قَالُوا لَا قَالُوا بِأَن الله شَاءَ أَن يكون جَاهِلا وَمن شَاءَ ذَلِك فَلَيْسَ بِحَكِيم وَإِن قَالُوا نعم أقرُّوا بِأَنَّهُ شَاءَ أَن يكون كل شَيْء كَمَا
[ ٣٠٣ ]
علم أَن يكون فَهَذَا الَّذِي تقرر عِنْدِي من المحكى عَن أبي حنيفَة ﵀ لَا أَنى ذكرته بِلَفْظِهِ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
فَإِن قَالَ قَائِل إِذْ قبح الْأَمر بِالْمَعَاصِي لم لَا قبح إِرَادَة كَونهَا قيل لأوجه أَحدهَا التَّنَاقُض فِي الْأَمر وَلَيْسَ ذَلِك فِي الْإِرَادَة لِأَن الْفِعْل رُبمَا يصير لِلْأَمْرِ فمحال الْأَمر بالمعصية لِأَنَّهُ يصير بِالْأَمر طَاعَة فَيبْطل معنى الْمعْصِيَة بهَا الْأَمر وَلَيْسَت الْإِرَادَة كَذَلِك أَلا يرى أَن كل فَاعل مرِيدا لفعله ومحال أَن يُقَال أَمر نَفسه بِفِعْلِهِ ثَبت أَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَأَيْضًا أَن الله يُوصف بالإرادة فِي فعله ومحال أَن يكون عَلَيْهِ أَمر فِيهِ فَثَبت أَن أحد الْوَجْهَيْنِ لَيْسَ هُوَ دَلِيل الآخر مَعَ مَا كَانَ الله تَعَالَى مُرِيد هَلَاك الْأَنْبِيَاء وَالْأَخْبَار وَبَقَاء الْأَعْدَاء والأشرار وَالسعَة لهَؤُلَاء فِي الدُّنْيَا وَلم يَأْمر بذلك بل أمرنَا بِالدُّعَاءِ بِهَلَاك هَؤُلَاءِ وَبَقَاء أُولَئِكَ وَالله الْمُوفق
وَأَيْضًا إِن فَائِدَة الْأَمر رفْعَة الْأَمر وعلوه حَيْثُ استبعد الآخر وَأظْهر فِيهِ حَقه وَعظم مننه الَّتِي بهَا اسْتحق أَن يكون سيدا لَهُ ومعبودا وَحقّ الْإِرَادَة الإختيار وَنفى الْغَلَبَة أَن لَا يقهر وَلَا يمْنَع عَن سُلْطَانه وَلَا يُحَال بَينه وَبَين ملكه وَفِي دفع الْإِرَادَة هَذَا لذَلِك بَطل أَن لَا يُرِيد وَكَذَلِكَ فِي الْمَنْع عَن الْأَمر والنهى لذَلِك لزم القَوْل بِالْأَمر والنهى على الْأَمريْنِ ليظْهر سُلْطَانه وربوبيته وَلزِمَ الْإِرَادَة فِي الْكل ليحق ملكه وَعجز الْخلق عَن أَن يُرِيدُوا فِي ملكه وسلطانه وَالله الْمُوفق
وَأَيْضًا إِن الله أَمر إِبْرَاهِيم بِالذبْحِ وَفِدَاء الْكَبْش فَلَا يجوز أَن يكون أَرَادَ فعل حَقِيقَة الذّبْح ثمَّ يمْنَع عَنهُ بِالْبَدَلِ لِأَنَّهُ آيَة البداء وعلامة الْجَهْل فَكَانَ الْأَمر لَا بِالَّذِي بِهِ حَقِيقَة الْإِرَادَة وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
[ ٣٠٤ ]
وَجُمْلَته مَا بَينا من انقسام مَعَاني الْإِرَادَة والإتفاق على تَحْقِيق الْمَعْنى الَّذِي يذهب إِلَيْهِ وَلَيْسَ وَرَاء ذَلِك إِلَّا بمانع فِي اللَّفْظ أَو صرف عَن جِهَته إِلَى جِهَة هِيَ من تِلْكَ الْجِهَة قَبِيح عِنْد الْخصم وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
ثمَّ الأَصْل الَّذِي يَقع عَلَيْهِ الْفِعْل فِي الشَّاهِد أَن يكون على إِرَادَة أَو غَلَبَة أَو سَهْو فَكل من خرج فِي شَيْء عَن الْوَصْف بالغلبة فِيهِ والسهو لزم الْوَصْف بالإرادة الَّتِي هِيَ للأفعال وَأما الَّتِي هِيَ لَا لِأَنَّهَا فِي الْحَقِيقَة أَقسَام قد بَينا ذَلِك فِيمَا تقدم وَالله الْمُوفق
على أَن القَوْل فِي الشَّاهِد فِيمَا فِي الْحَقِيقَة إِرَادَة فَهِيَ الَّتِي تكون وَبهَا الْفِعْل لَا محَالة عندنَا يكون مَعهَا وَعند الْمُعْتَزلَة قبل الْفِعْل بِلَا فصل وَمَا عدا ذَلِك مِمَّا قد يكون الْفِعْل إِذا وجد وَلَا يكون فَهُوَ التمنى الْمَعْرُوف وَالله يجل عَن هَذَا الْوَصْف ثَبت أَن إِرَادَته على الْوَجْه الأول وَأَنه يتَحَقَّق الْفِعْل على الْوَجْه الَّذِي أَرَادَ بِهِ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه