ومن مواقف التوسل التي حكاها كتاب الله تعالى ما في سورة الأنبياء، وبدئت بموقف أيوب ﵇ لما ابتلي بما ابتلي به، قال تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ٢ إنه موقف الشاكي إلى ربه، الذي يسترحم ربه بأسلوب يَنِمُّ عن غاية التضرع ونهاية التذلل والمسكنة لله رب العالمين رب إني مسني الضر أي فلا كاشف له غيرك، ولا مزيل له سواك، وتوسل إليه تعالى بأنه جل وعلا هو أرحم الراحمين، فلا توجد رحمة أتم ولا أكمل ولا أجمل من رحمة الله ﷿ بعباده.
ولما كان دعاؤه دعاء المتضرع الخائف الذليل الموقن بإجابة ربه له قال ﷿: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ بل وزاده الله ﷿، وأعطاه أكثر مما طلب ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ إنه موقف فيه
_________________
(١) ١ الأنبياء: ٨٣ ٢ الأنبياء: ٨٤
[ ٤٤ ]
ذكرى عظيمة، وموعظة كبرى للعابدين المخلصين الصادقين الصابرين الصالحين ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ. وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ١ نعم إن الصالحين يستحقون رحمة الله الشاملة، فمن أراد أن يكون من أهل رحمة الله تعالى فليقتد بهؤلاء الأنبياء ﵈ في صبرهم وصلاحهم.
_________________
(١) ١ الأنبياء: ٨٥-٨٦
[ ٤٥ ]