قوله تعالى:
وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابًا رحيمًا (٦٤) النساء
يقول تعالى: (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله) أي فرضت طاعته على من أرسلته إليهم ولا يطيعه إلا من وفقته لذلك وقوله تعالى: (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك ) الآية يرشد تعالى العصاة والمذنبين والكفار والمنافقين ويحضهم أن يأتوا مجلس رسول الله - ﷺ - ويستغفروا الله عنده ويسألوا الرسول أن يستغفر لهم فإنهم إذا فعلوا ذلك تاب الله عليهم ورحمهم وغفرلهم ولهذا قال تعالى ( لوجدوا الله توابًا رحيمًا) هذا هو معنى الآية الكريمة ولا يخفى على القارئ المسلم الكريم أن هذا خاص في حياته - ﷺ -. وهذه الملاحظة يدركها من قوله تعالى: (واستغفر لهم الرسول) وبدهي أن لا يكون الاستغفار منه - ﷺ - إلا في حال حياته لأن الاستغفار وكل عمل للإنسان ينقطع بعد الموت لقوله - ﷺ -: [إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية وعلم ينتفع به وولد صالح يدعو له]. ولا شك أن رسول الله - ﷺ - يشمله هذا الحديث لأنه ولا ريب من بني آدم وقد قضى الله عليه الموت والتحق بالرفيق الأعلى ففهم من هذا أن ما جاء في هذه الآية من مجيء المذنبين إلى مجلسه واستغفارهم فيه ثم سؤالهم رسول الله أن يستغفر لهم كل هذا خاص في حال حياته ولا علاقة في هذا الحكم لأحد بعد مماته - ﷺ -
[ ٢١٣ ]
لأن كل عمل من دعاء واستغفار وكلام وسمع وبصر وما يتعلق من صفات الأحياء ينقطع بالموت.
وقد جد للصحابة أمور مختلفة بعده كان من الضروري أن يأتوه ويستغفروا الله عنده ثم يسألوه أن يستغفر لهم ولكن شيئًا من مثل هذا لم يحصل ألبتة لعلمهم أنه توفي ولم يعد باستطاعته أن يعمل شيئًا مما كان يستطيعه قبل الوفاة هذا معروف وبدهي عند كل إنسان ناهيك عن المسلمين الذين يقرأون في كتاب الله تعالى: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفئن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم) وقوله تعالى: (كل نفس ذائقة الموت) وما من أحد من المسلمين يشك في أن رسول الله - ﷺ - قد توفي وإلا فمن هذا الذي نزور مسجده بالمدينة ثم نزور قبره ونسلم عليه؟ اللهم أجز عنا نبينا محمدًا - ﷺ - ما هو أهله الأصل في إيراد الدليل والحجة في أي أمر ما هو إثبات صحة ذلك الأمر وإن الذين يقولون بالتوسل إلى الله بذوات المخلوقين أتوا بهذه الآية من جملة حججهم على شرعية التوسل الذين يقولون به.
على أننا إذا أنعمنا النظر في معنى الآية الكريمة لا نرى فيها لا تلميحًا ولا تصريحاُ لما ذهبوا إليه. لأن قصدهم منصرف إلى إثبات شرعية التوسل بذوات المخلوقين والآية تبحث بشأن آخر وهو: إن الله يصف فيها واقع حال المنافقين في زمن رسول الله - ﷺ - فقد كانوا يصدون عن متابعة رسول الله - ﷺ - وإذا احتاجوا إليه في أمر من الأمور يأتون إليه معتذرين ويحلفون: ما أردنا بذهابنا إلى غيرك إلا مداراة ومصانعة لا اعتقادًا منا بصحة احتكامنا إلى الطاغوت وقد أمر الله نبيه - ﷺ - ألا يعنفهم ويكتفي بما ادعوا من ظاهر حالهم ثم ينصحهم سرًا بقول وكلام بليغ
هؤلاء هم الذين نزلت في حقهم هذه الآية فقال عز من قائل: (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم) أي ظلموها بنفاقهم وعدم متابعتك (جاءوك) أي جاءوك تائبين من نفاقهم (واستغفروا الله) أي دللوا على توبتهم من نفاقهم بأن جاءوك واستغفروا الله في مجلسك وأمامك (واستغفر لهم الرسول) أي سألوك أن
[ ٢١٤ ]
تستغفر لهم بالإضافة إلى استغفارهم إن فعلوا ذلك عن إيمان وإخلاص (لوجدوا الله توابًا رحيمًا) أي وجدوه قابلًا لتوبتهم غافرًا لذنوبهم رحيمًا بهم فأي علاقة لمعنى هذه الآية بما استشهدوا واحتجوا بها على صحة وجواز التوسل إلى الله تعالى بذوات المخلوقين ؟!
أجل لا علاقة لما جاء في الآية بما أرادوا من الاحتجاج به ولذا يسقط الاحتجاج بالآية لأنهم احتجوا في غير موضع الاحتجاج وبما لا علاقة له به. فإن قالوا: وكيف لا علاقة باحتجاجنا بالآية والذي نقول به هو واقع الآية تمامًا فهم استغفروا الله عنده ونحن نستغفر الله عنده هو سألوه أن يستغفر لهم ونحن نسأله أن يستغفر لنا فأي فارق بين الواقعين.
فنقول وبالله المستعان أن الفاروق ظاهر وكبير جدًا ولا قياس بين الواقعين وإليكم البيان:
١ - فقوله تعالى: (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك) فـ/لو/ كما يقول النحويون: حرف امتناع لامتناع أي امتنع المجيء والاستغفار فامتنعت التوبة والرحمة وأننا نسأل: هل جاءوا؟ هل استغفروا الله في مجلس رسول الله ؟ هل سألوا رسول الله - ﷺ - أن يستغفر الله لهم؟ ثم هل استغفر لهم بالفعل ؟ كل هذه الأسئلة لم تحدثنا الآية بأجوبة عنها بل قالت: (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك) فـ/لو/ هنا لا تفيد أنهم جاءوا وإذا لم يجيئوا إلى رسول فكيف يستغفرون الله في مجلسه؟ فقد امتنع المجيء فامتنع الاستغفار في مجلسه - ﷺ - وإذا لم يستغفروا الله في مجلسه وامتنع بعدم مجيئهم فكيف يسألون الرسول أن يستغفر لهم وإذا لم يحضروا ويستغفروا الله في مجلسه ويسألوه أن يستغفر الله لهم فكيف يستغفر الرسول لهم ؟ إذًا كل هذا قد امتنع فامتنعت التوبة من الله عليهم والرحمة منه تعالى بهم فكيف تقيسون واقعًا تفعلونه أنتم على شيء تتخيلون وقوعه وفي الحقيقة: إنه لم يقع بدليل الآية التي بعدها وهي قوله تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا فإن الله تعالى ينفي
[ ٢١٥ ]
عنهم الإيمان حتى يحكموا رسول الله - ﷺ - ولم يثبت أنهم حكموا رسول الله بل ثبت أنهم حكموا الطاغوت ومن يحكم الطاغوت ليس مؤمنًا فقد ثبت عدم إيمانهم فكيف يأتون رسول الله ويستغفرون الله عنده إلى آخره إذا ثبت عدم مجيئهم إلى الرسول من ثبوت عدم إيمانهم .. وهكذا ثبت أنهم لم يجيئوا فكيف تقيسون مجيئكم إليه - ﷺ - على عدم مجيء فبهذا تقيسون واقعًا على عدم واقع.
وبرغم ما تقدم من تحليل صحيح فإننا نقول أن هذه الآية أي قوله تعالى: (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك تفيد أنهم لو جاءوه واستغفروا الله وسألوه رسول الله أن يستغفر لهم الله لغفر الله لهم ولرحمهم ما في ذلك شك إذًا تفيد الآية أن من فعل ذلك كان له تلك التوبة والرحمة ولكن متى ؟ يحصلون على ذلك ولكن إن فعلوا ذلك حال حياته فهل هو الآن حي حتى تذهبوا إليه وتكلموه أن يستغفر لكم الجواب: لا لأنه ميت لا يتكلم ولا يستغفر وقد انقطع عمله بموته كما أخبرنا هو - ﷺ - إذًا كيف تقيسون حالة موته على حال حياته ؟ هل يستقيم قياس بينهما ؟ وإننا علمنا أن ذلك خاص في حياته من قوله تعالى: (واستغفر لهم الرسول) ولا يستغفر إلا إذا كان حيًا ففهم أن الأمر خاص به حال حياته فما أظن أحدًا يفهم من الآية ما فهمنا ولم يقل بقولكم من أحد من الصحابة ولا التابعين ولا القرون الخيرة ولا أي من العلماء الذي يسيرون على نهج النبوة.
وعلى افتراض أنه بالإمكان استغفار الرسول - ﷺ - بعد وفاته فليس في الآية ما يدل على دعواكم بجواز التوسل إلى الله بذوات المخلوقين فالآية تدل على التوسل بدعاء الرسول واستغفاره لهم لا على التوسل بذاته وشخصه - ﷺ - مع العلم أن نزاعنا قائم على جواز التوسل بذوات المخلوقين أو عدم الجواز لا على استغفار الرسول لهم وجوازه أو عدم جوازه إذًا فليس في الآية حجة على شرعية التوسل بذوات المخلوقين وعلى هذا: يسقط أيضًا احتجاجكم بالآية وتبقى دعواكم بلا دليل وكل دعوى بلا دليل ساقطة ولا قيمة لها وهذا الافتراض الذي افترضناه انقطع بوفاته - ﷺ - ولم يعد حكمه قائمًا لانتفاء حياة الرسول
[ ٢١٦ ]
وإذا انتفت حياته انتفى دعاؤه.
وما أظن هذا إلا من البدهيات التي لا يختلف فيها اثنان ومن المسلمات التي لا تحتاج إلى نقاش ولا إلى أخذ ورد.
فما بالكم تتخذون من هذه الآية حجة لكم على جواز التوسل بذوات المخلوقين؟ فإن كنتم لا تزالون تقيسون مماته على حياته !!! فهذا كما قلنا آنفًا قياس مع الفارق للتباين الحاصل بين واقعي الحياة والموت على أن إصراركم على اعتبار مماته وحياته سيان .. !! لا يقدم ولا يؤخر من الواقع شيئًا فلا عبرة ولا قيمة لإصراركم التافة.
وكل ما تقدم من بحث يثبت أن احتجاجكم بالآية المتقدمة لا ينهض دليلًا على ادعائكم بجواز التوسل بذوات المخلوقين بل لا علاقة به البتة ولم يثبت ادعاؤكم بل سقط لأنه لا أساس له ولا مستند له فانهار لأنه ادعاء غير شرعي بل هو ابتداع ما أنزل الله به من سلطان. ونأمل أن تتوبوا إلى الله منه إنه هو التواب الرحيم.
[ ٢١٧ ]