قوله تعالى:
الذين يقولون ربنا إننا ءامنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار (١٦) آل عمران
يحسن بنا قبل أن نشرع بشرح الشاهد من هذه الآية الكريمة المستشهد بها في موضوعنا الذي نحن بصدده وبيان الحق من الباطل أن نرجع إلى ذكر الآيتين اللتين قبل هذه الآية حتى يتسنى لنا ربط الموضوع وتسهيل فهم المقصود منه على القارئ المسلم الكريم.
قال تعالى:
(زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب (١٤) قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد (١٥) الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار (١٦) آل عمران).
يخبر تعالى عما زين للناس في هذه الدنيا من أنواع الملاذ والشهوات من النساء والبنين. فبدأ بالنساء لأن الفتنة بهن أشد ثم بالبنين ثم بالمال من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام من الإبل والبقر والغنم والحرث أي الأرض للغرس وللزراعة.
ثم يخبر أن ذلك كله متاع الحياة الدنيا وزينتها الفانية الزائلة. (قل أؤنبئكم
[ ٧٦ ]
بخير من ذلكم) أي مما في الدنيا من تلك الملاذ والشهوات التي تقدم ذكرها فإن الله تعالى قد أعد (للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد).
أي أن الله تعالى قد أعد كل هذا النعيم الذي لا يفنى والملك الذي لا يبلى مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر كل ذلك للمتقين (الذي يقولون ربنا إننا آمنا) أي آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره وما يستلزم هذا الإيمان من الائتمار بالمعروف والانتهاء عن المنكر.
والإيمان في حد ذاته عمل صالح بل هو أساس كل عمل صالح فلا عمل صالحًا بلا إيمان فلما صدر عنك الإيمان يا أخي كان ولا شك عملًا صالحًا عظيمًا كما أن صدور الكفر من العبد لا شك أنه عمل غير صالح.
فلما تقرب المتقون إلى ربهم بقولهم: (ربنا إننا آمنا) وتوسلوا إلى الله تعالى بإيمانهم أصبحوا قريبين منه بما تقدم من الوسيلة الطيبة التي رفعوها إليه فناسب بعد هذا القرب منه تعالى أن يقدموا الدعاء الذي يرغبون فيه إليه فقالوا: ( فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار) أي بسبب ما آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وجنبنا عذاب النار الذي لا يطاق إنك على كل شيء قدير.
إن هؤلاء الذين صدرت عنهم هذه التوسلات بإيمانهم وأعمالهم الصالحة شهد الله لهم بأنهم هم الصابرون على طاعتهم الصادقون في عقيدتهم وأعمالهم القانتون الخاشعون في عباداتهم المنفقون أموالهم في طاعة الله كما أمر والمشفقون على أنفسهم المستغفرون من ذنوبهم قليلة كانت أو كثيرة المتيقنون بأن الله وحده غافر الذنب وقابل التوب فاستغفروا وتابوا إليه في الأسحار وجوف الليل في أوقات تجلي الله على عباده فيغفر للمستغفرين ويتوب على التائبين.
هكذا فإن الله تعالى أعطانا نماذج من أعمالهم وتوسلاتهم الصادقة الطيبة حتى نتأسى بها ونعمل مثلها .. فإنهم آمنوا وصبروا وصدقوا وأنفقوا وقنتوا ثم طلبوا المغفرة.
[ ٧٧ ]
وإن الله تعالى يمتدحهم بهذه الصفات الطيبة ويهيب بنا أن نقتدي بهم. فكما أحب منهم هذه الصفات كذلك فإنه تعالى يحبها منا أيضًا ومن كل عبد لنحصل على ما حصلوا عليه من الرضا والمحبة الخالدات والنعيم الذي لا يبلى.
فهيا يا أخي المسلم إلى هذا الميدان، ميدان الإيمان والعمل الصالح وفي ذلك فليتنافس المتنافسون وأن صدر منك الذنب فتوسل إليه تعالى بما أسلفت من الطاعات والأعمال الصالحة الطيبة فإنه يغفر ذنبك ويقبل توبك لأن الذي توسلت به إليه إنما هو توسل شرعه لك وباب مفتوح لقبول إنابتك إليه فهيا يا أخي إلى تلك الرحاب الظليلة الوارفة وإلى روح وريحان ورب غير غضبان.
[ ٧٨ ]