دعاء رسول الله - ﷺ - إذا قام يتهجد
قوله - ﷺ - فيما رواه طاووس عن ابن عباس ﵄ يقول: [كان رسول الله - ﷺ - إذا قام يتهجد قال: «اللهم ربنا لك الحمد أنت قيم السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت الحق ووعدك الحق ولقاؤك حق وقولك حق والجنة حق والنار حق والنبيون حق ومحمد حق والساعة حق اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت» - وفي رواية - «وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت ولا إله غيرك - وفي رواية - «لك الحمد أنت رب السموات والأرض ومن فيهن» - وفي رواية لمسلم - «أنت قيوم السموات والأرض ومن فيهن»] أخرجه البخاري ومسلم.
في هذا الحديث الشريف المتفق عليه يخبرنا حبر الأمة ابن عباس ﵄ عن دعاء رسول الله - ﷺ - وكيف كان يتوسل بالعمل الصالح بين يدي دعائه عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم إن التوسل هنا جاء مزيجًا من التوسل بصفات الله وبأسمائه الحسنى والعمل الصالح فتمجيد الله بأسمائه وصفاته وإن كان في حد ذاته توسلًا بالأسماء والصفات فإنه لا يخرج أيضًا في الوقت نفسه عن أنه عمل صالح ولا شك لأن فعل التوسل بالأسماء والصفات هو عمل صالح كما لا يخفى إذ يخرج عمل الإنسان عن أن يكون عملًا صالحًا أو غير صالح فالعمل الذي يكون مطابقًا لأمر الله تعالى فهو ولا شك عمل صالح وما دام الله يحضنا على التوسل بأسمائه وصفاته طبق ما بلغ رسول الله - ﷺ - فإن تنفيذنا لذلك حرفيًا لا شك في أن الطاعة لله ورسوله - ﷺ - كما لا شك
[ ١٢٢ ]
أن طاعتهما عمل صالح إذن فرسول الذي توسل بهذا الحديث المشتمل على التوسل بأسمائه وصفاته والعمل الصالح أصاب الأجرين وكل من يتأسى في ذلك من أمته فله الأجران أيضًا أي أجر التوسل بالأسماء والصفات وأجر التوسل بالأعمال الصالحة وكل حديث يماثل هذا الحديث باشتماله على الوسلين الآنفين فله حكم هذا الحديث من حيث أن له الأجرين ولعل هذا التفصيل فيه فائدة نرجو الله تعالى ألا تفوت أحدًا من المسلمين ولهذا قدمناه بين يدي الكلام على هذا الحديث.
يفتتح رسول الله - ﷺ - توسله بحمد وأنه قيم السموات والأرض أي القائمات بأمره وله الحمد ثم يقر ويؤمن بأنه تعالى هو الحق ووعده للمؤمنين بالرضا والجنة وللكافرين بالسخط والنار لا شك أنه وعد حق ولسوف يبر به الفريقين ويؤمن بأن لقاء الله لعباده يوم البعث حق وقوله الذي أنزله على أنبيائه ورسله هو حق وصدق وبأن الجنة حق في وجودها والتنعم بها وأنها مثوى المؤمنين خالدين فيها أبدًا وبأن النار حق في وجودها والعذاب فيها وأنها مثوى المشركين والكافرين وأنهم خالدون فيها أبدًا لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون كلما نضجت جلودهم بدلهم الله جلودًا غيرها ليذوقوا العذاب وبأن النبيين حق أرسلهم الله واسطة تبليغ للناس أوامر الله ونواهيه وبأن خلقهم وبأن خاتمهم وأفضلهم وأكرمهم على الله محمدًا حق جاء بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون فمن اتبعه نجا ومن أعرض عنه هلك وبأن الساعة حق وأنها آتية لا ريب فيها إن هذه الإيمان بكل ما تقدم هو العقيدة الملزم بها كل مسلم لا شك بأنه عمل صالح.
ثم قال ﵊ متوسلًا بإسلامه وتسليم أموره كلها لله تعالى وبإيمانه به وتوكله عليه وإثباته إليه. وأنه لا يخاصم أحدًا إلا به ولا يحتكم لأحد إلا إليه تعالى.
كل هذا الإيمان بالله وحده والثناء عليه وكل ما تقدم من التوسل المشروع بالأعمال الصالحة جعله واسطة بينه وبين قبول دعائه فبعد أن قدم كل ذلك شرع ﵊ بالدعاء فقال عليه أفضل الصلاة وأتم التحية: «فاغفر
[ ١٢٣ ]
لي ما قدمت وما أخرت وقوله: وما أخرت .. - هذا خاص به - ﷺ - وما أسررت وما أعلنت - وفي رواية - وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت ولا إله غيرك
فهذا رسول الله - ﷺ - يتوسل بكل ما تقدم ليستجيب الله دعاءه مع أنه مستجاب الدعوة دون أن يتوسل ولكنه برغم ذلك لا نرى له دعاء إلا وسبقه توسل إلى الله تعالى ولن يخالف رسول الله - ﷺ - فعل ما يأمر أمته به أو فعل ما ينهاها عنه هذا أولًا وثانيًا فإنه يعلم بفعله أمته لتتأسى به وتقتدي ما دام قد جعله الله أسوة هذه الأمة الحسنة وقدوتها الصالحة إذا فهذا فعله - ﷺ - وتعليمه فليكونا الباعث إلى اتباعه في ذلك والعمل بموجبه دون تبديل أو تحريف أو تأويل أو تعطيل الحكم بتأويلات لا داعي لها ولا موجب طالما فعله - ﷺ - واضح المعالم لا يحتاج إلى تأويل أو تبديل. وهذه سيرته - ﷺ - واضحة جلية بينة وسنته سالكة هادية غنية عن كل تأويل أو تبديل أو تعطيل والحمد لله على ذلك في الأول والختام.
[ ١٢٤ ]