عن عثمان بن حنيف - ﵁ -[أن رجلًا ضريرًا أتي النبي - ﷺ - فقال: ادع الله أن يعافيني فقال: «إن شئت دعوت وإن شئت صبرت وهو خير» قال: فادعه. فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء:
«اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضي اللهم شفعه في» وفي رواية قال ابن حنيف: فوالله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا كأن لم يكن به ضر].
قال الشيخ بشير السهسواني الهندي مؤلف كتاب «صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان» (في سند هذا الحديث «أبو جعفر» فإن كان هو عيسى ابن عيسى ماهان أبو جعفر الرازي التميمي كما ظنه الحافظ ابن حجر في التقريب فالأكثرون على ضعفه قال عنه الذهبي: صالح. ووثقه ابن معين. وقال أحمد والنسائي: ليس بالقوي وقال ابن المديني: ثقة كان يخلط وقال مرة: كان يخطئ وقال الفلاس: سيئ الحفظ. وقال ابن حبان: ينفرد بالمناكير عن المشاهير. وقال أبو زرعة: يهم كثيرًا. وقال الحافظ في التقريب: صدوق سيئ الحفظ.
وإن كان أبو جعفر المديني فهو مجهول وإذا كان رجلًا آخر فلا بد من تعيينه) اهـ.
قلت ولكن شيخ الإسلام الإمام أحمد بن تيمية ﵀ جزم بأنه هو: أبو جعفر الخطمي وهو ثقة.
[ ٢٣٦ ]
فعلى هذا يكون الحديث ولا شك صحيحًا على أن صحته ليس فيها مستمسك لمن يحتج به على جواز التوسل إلى الله تعالى بذوات المخلوقين بل هو حجة عليهم وهو من الأحاديث التي تؤيد التوسل إلى الله بدعاء المؤمن لأخيه المؤمن وهذا - كما علمنا من الأبحاث الفائتة (١) - أنه من أنواع التوسل المشروع.
على أننا إذا أمعنا النظر في هذا الحديث تبين لنا أن الأعمى ما كان يقصد التوسل بذات الرسول - ﷺ - بل بدعائه المستجاب ولولا أمل الأعمى بالشفاء بدعاء رسول الله - ﷺ - لم يأت وذلك للأدلة المستخلصة من نص الحديث نفسه فمن يمعن النظر فيه يستخلص منه الأدلة الآتية:
١ - قول الأعمى لرسول الله - ﷺ -[ادع الله أن يعافيني].
٢ - جواب الرسول - ﷺ - له: «إن شئت دعوت وإن شئت صبرت وهو خير».
٣ - إصرار الأعمى على طلب الدعاء منه - ﷺ - بقوله: [فادعه].
٤ - قول الأعمى في آخر دعائه الذي علمه إياه رسول الله: «اللهم شفعه في»
٥ - وروى الترمذي في سننه والحاكم في مستدركه زيادة في الدعاء وهي قوله: «وشفعني فيه».
٦ - وهناك دليل مستنبط من الحديث نفسه أو من واقع الأعمى ومجيئه لرسول الله - ﷺ -.
وإننا نود أن نعالج كل دليل ونشرحه ليتضح الحق جليًا بالحجة والبرهان فنقول وبالله المستعان:
١ - إن قول الأعمى [ادع الله أن يعافيني] فيه بيان واضح جلي لقصد الأعمى من المجيء وهو أنه ما جاء إلا من أجل أن يدعو له رسول الله - ﷺ - بالشفاء من ضره.
_________________
(١) راجع الصفحة ١٦٦ - ١٦٩ من هذا الكتاب
[ ٢٣٧ ]
٢ - وأن قوله - ﷺ - مجيبًا للأعمى: «إن شئت دعوت وإن شئت صبرت وهو خير» لدليل آخر على أن الأعمى ما جاء من أجل الدعاء وفيه تخيير من رسول الله - ﷺ - له بالدعاء أو الصبر حتى إذا شاء الأعمى الدعاء دعا له وفي تخييره هذا وعد بالدعاء إن شاءه.
٣ - وأن إصرار الأعمى على الدعاء بقوله: [فادعه] لدليل ثالث على أن مجيئه لم يكن إلا من أجل الدعاء ومن إصراره يفهم أن رسول الله دعا له لأنه وعده بذلك إذا شاء الدعاء وقد شاء بقوله [فادعه].
على أن رسول الله - ﷺ - أحب أن يكون للأعمى كذلك مشاركة في الدعاء ولكنه لم يترك الأعمى أن يدعو ربه بما شاء بل علمه دعاء خاصًا وأمره أن يدعو الله به بالإضافة إلى دعائه - ﷺ -.
٤ - أن قول الأعمى في آخر الدعاء الذي علمه إياه رسول الله - ﷺ - «اللهم شفعه في» لدليل رابع على الدعاء والشفاعة من رسول الله - ﷺ - لا تسمى شفاعة ولا تكون إلا بدعاء الشافع للمشفوع له فدعاء الأعمى أن يقبل الله شفاعة رسوله فيه يدل على أن رسول الله - ﷺ - قد دعا له فعلًا والأعمى يطلب من الله قبول دعاء رسوله - ﷺ -.
٥ - وان رواية الترمذي في سننه ورواية الحاكم في مستدركه زيادة جملة «وشفعني فيه» لدليل خامس على وقوع الدعاء من رسول الله - ﷺ - للأعمى ليعافيه الله تعالى ويرد إليه بصره.
ومعنى «وشفعني فيه» أي أقبل دعائي في قبول دعائه من أجل أن ترد إلي بصري إذًا ثبت أيضًا أن لرسول الله دعاء من أجل أن يرد بصر الأعمى.
٦ - وأن هناك دليلًا سادسًا مستنبطًا من واقع هذا الأعمى إذ لو كان قصده التوسل بشخص الرسول أو بحقه أو بجاهه. وما إلى ذلك .. لكان يكفيه أن يبقى في بيته ويدعو الله قائلًا مثلًا اللهم رد بصري بجاه نبيك فكان يكفيه هذا دون أن يحضر ويتجشم عناء المشي وليس له من قائد يقوده
[ ٢٣٨ ]
إلى رسول الله - ﷺ - ولما كان هذا ليس من مراده إنما يريد الدعاء منه - ﷺ - فإن هذا يستلزم حضوره وإخبار الرسول بما حصل معه من العمى ثم سؤاله أن يدعو له ليعافيه الله لاعتقاده أن دعاء الرسول - ﷺ - مستجاب فيحصل من الدعاء على مراده من الشفاء.
وهكذا فقد حضر الأعمى إلى رسول الله - ﷺ - وطلب منه الدعاء فدعا له فاستجاب الله الدعاء من رسوله فعاد بصيرًا كأنه لم يكن فيه من ضر.
فإذا استجمعنا هذه الأدلة الستة .. على ثبوت دعاء رسول الله للأعمى توحي لنا أمرًا هامًا يدور عليه مآل الحديث ونستكشف معناه بشكل واضح وهو: أن معنى: «اللهم إني أسألك بنبيك» أي بدعاء نبيك ولا يفهم منه التوسل بذاته - ﷺ - ولا كان هذا مراد الأعمى من مجيئه إلى الرسول - ﷺ - حتى وإن معنى التوسل المتبادر إلى أذهان الصحابة - ﵃ - في ذلك الوقت كان محصورًا فقط في طلب الدعاء من المتوسل به وليس له المعنى المتعارف عليه عند البعض في زمننا الحاضر أي التوسل بذات المتوسل به فقط كان مثل هذا التوسل ينفر منه الصحابة رضوان الله عليهم لأنه من مفاهيم الجاهلية التي من أجل وجودها بعث الله رسوله - ﷺ - إلى الناس كافة.
لا سيما وإن لفظ الحديث ومآله ومفاهيم اللغة العربية وقواعدها كل ذلك يشهد للحديث أن معناه هو التوسل بدعاء النبي - ﷺ - وعلى هذا يتبين سقوط استدلال المجوزين للتوسل بذوات المخلوقين بهذا الحديث ويثبت عدم شرعية هذا الاستدلال لأن هذا الحديث لا يعطي المعنى الذي يريدونه ألبتة لما بيناه من مراد الأعمى من الحضور إليه - ﷺ -.
إن الشبه والظنون التي يتمسك بها القوم في سبيل دعم دعواهم لا تغني عن الحق شيئًا وإن مجرد إيراد الحديث دون التأكد من صلاحه للاحتجاج هو الذي يعطي من يحتج به هذه النتيجة المعكوسة وليس المهم أن تقدم حديثًا صحيحًا فقط إنما يجب أن يكون هذا الحديث الصحيح له متعلق بالبحث الذي تريد أن تثبته ولكن مجرد إيرادك إياه فقط ظنًا منك أن
[ ٢٣٩ ]
له علاقة بما نحن مختلفون فيه فالظن لا يغني عن اليقين بديلًا.
هذه بدهيات كنا نتمنى أن لا نلفت أنظار (القوم ) إليها لأنها بدهيات لا تحتاج إلى الفات نظر ولكننا اضطررنا لأنهم هم الذين ألجأونا إليه لما أوردوا حديثًا ليس له علاقة فيما نختلف فيه.
ولو علموا أن هذا الحديث هو حجة لنا عليهم لا حجة لهم علينا لما استدلوا به على صحة دعواهم ولفتشوا عن حديث غيره !! ولا أدري إذا كانوا يوفقون إلى ذلك أو لا يوفقون وفقنا الله وإياهم للصواب إنه على كل شيء قدير لا إله غيره ولا رب سواه.
[ ٢٤٠ ]